هضم الحقوق الأمنية للإنسان ظلم وفساد

شاهد فيديو لموضوع هضم الحقوق الأمنية للإنسان ظلم وفساد
الجزء الاول: مبادئ السلام والأمن في الإسلام
إخلاء مسؤولية
تتناول هذه الدراسة التعليمية الحقوقَ الإلهية للأمن والسلام والطمأنينة في الإسلام، وتبحث في المغالطات الفكرية المرتبطة بالأيديولوجيات المتطرفة المنسوبة إلى العقيدة الوهابية السلفية وحركة الإخوان المسلمين. وتهدف إلى تسليط الضوء على حجم الضرر والاضطراب الذي يرى المؤلف أن هذه التوجهات الفكرية قد ألحقته بالإسلام والمجتمعات الإسلامية. ولا يوجَّه هذا العمل ضد شخصٍ بعينه أو أفرادٍ منتسبين إلى هذه الجماعات، بل يتناول بصورة أوسع الأبعاد الفكرية والاجتماعية والسياسية للتطرف وآثاره.
الملخص
يُعدّ السلام والأمن والطمأنينة من المبادئ المقدسة في الإسلام. ويصف القرآن الكريم، كتاب المسلمين المقدس، هذه النعمة الإلهية بمفهوم الأمن (Al-Amn)؛ أي السكينة والاستقرار والسلام. كما يعزز القرآن قيم الانسجام والعدل والحماية بوصفها أسسًا جوهرية لتحقيق تغيير مجتمعي فعّال وديناميكي عبر الوسائل السلمية بدلًا من العنف.
لقد أرست رسالات أنبياء الله، إلى جانب سيرة وتعاليم النبي محمد ﷺ، منهجًا متوازنًا ومعتدلًا للإصلاح الاجتماعي قائمًا على الرحمة والحكمة والعدل. وفي المقابل، تمثل الحركات والأيديولوجيات المتطرفة، مثل الوهابية والإخوان المسلمين،
والفرق العنفية الأخرى المنبثقة منهم، كالقاعدة وجبهة النصرة وجماعة التكفير والهجرة انحرافًا عن هذه المبادئ من خلال انتهاكها لحقوق الناس التي منحها الله لهم في الأمن والسلام والاستقرار. وغالبًا ما توظف هذه الحركات النصوص المقدسة لخدمة أهداف سياسية وأيديولوجية، على حساب المقاصد القرآنية القائمة على الرحمة والتعايش وتحقيق المصلحة العامة.
ويقدّم هذا العمل تحليلات تاريخية واجتماعية وسياسية لظاهرة التطرف، كما يدرس آثارها وانعكاساتها على التقدم الإنساني والاستقرار العالمي والنظام الاجتماعي.
التعريفات
الظلم والفساد
يصف القرآن الكريم الاعتداء على معايش الناس وكرامتهم وأمنهم بمصطلحاتٍ مثل الظلم والفساد. فالظلم يعني الجور والطغيان والاضطهاد، بينما يشير الفساد إلى الانحلال والتخريب والاضطراب الاجتماعي.
فالظلم هو ما يقع على الأفراد أو المجتمعات من اعتداءٍ وجورٍ واستعباد، أما الفساد فهو تعطيل الانسجام الاجتماعي والنظام الأخلاقي والمسار الطبيعي للحياة والعمران. وتُعدّ أعمال العنف وعدم الاستقرار وتدمير المجتمعات من أخطر صور الظلم والفساد.
وفي المقابل، يدلّ مصطلح الصلاح على الاستقامة والفضيلة والنزاهة والإصلاح، وهو النقيض الأخلاقي للظلم والفساد، كما يمثل مبدأً أساسيًا لإقامة السلام والعدل وتحقيق الرفاه المجتمعي.
الأمن (Al-Amn)
الأمن والسلام والطمأنينة
يعني الأمن التحرر من جميع أشكال الضرر والأذى، وهو الحالة التي يشعر فيها الإنسان بالطمأنينة والسكينة والسلام الداخلي، مصحوبةً بالاستقرار الاجتماعي والتحرر من الخوف.
المؤمن (Al-Mu’min)
دلالة الإيمان والأمان
من أقوى وأعمق معاني كلمة المؤمن ارتباطها بالأمن والأمان والثقة. ومن أسماء الله الحسنى المؤمن؛ أي الذي يمنح الأمن والطمأنينة والإيمان، مما يرفع من قدسية السلام والحماية والأمان في الإسلام.
المعنى الديني للمؤمن
يتجلّى الارتباط بين الإيمان والأمن بصورة بليغة في قصة أمّ موسى عليه السلام. فبوحيٍ من الله، ألقت طفلها الرضيع في النيل، واثقةً بوعد الله وحفظه. قال تعالى:
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
— القصص: 10
وهنا تحمل عبارة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معنى الطمأنينة والثقة والأمان؛ أي من الذين يثقون بحفظ الله ورعايته، وأن طفلها لن يُصاب بأذى، بل سيُعاد إليها. ومن خلال هذا الأمن الإلهي والسكينة الربانية، امتلأ قلبها بالثبات والراحة والاطمئنان.
وكذلك أكّد النبي محمد ﷺ بقوة أن من أبرز صفات المؤمن الحقيقي أن يأمن الناس من أذاه وشرّه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن».
قيل: من يا رسول الله؟
قال: «الذي لا يأمن جارُه بوائقَه».
— متفق عليه (البخاري ومسلم)
ومن ثمّ، شدّد النبي ﷺ مرارًا على أن المؤمن الحق هو الذي يشعر الآخرون — وخاصة جيرانه — بالأمان من جانبه؛ فيأمنون من غشه وظلمه وخيانته وسوء قصده وعدوانه وأذاه.
فكل هذه السلوكيات المؤذية تُعدّ من صور الفساد؛ لأنها تُقوّض أمن الأفراد، وتُضعف الثقة الاجتماعية، وتؤدي في النهاية إلى زعزعة استقرار المجتمع بأسره.
المقدمة
يُصنّف القرآن الكريم العنفَ وإفسادَ المجتمعات — أي الفساد — باعتبارهما سلوكًا هدّامًا وغير أخلاقي ومخالفًا للنظام الإلهي. ومن خلال حياة أنبياء الله وقصصهم، يقدّم القرآن نماذج خالدة للإصلاح السلمي، والقيادة الأخلاقية، والتغيير المجتمعي البنّاء بعيدًا عن العنف. وفي المقابل، كثيرًا ما لجأ معارضو الهداية النبوية إلى الوحشية والاضطهاد والقسوة. إن العنف المرتكب باسم الإسلام يُحطّم في نهاية المطاف القيم العميقة التي يقوم عليها الدين من سلام ورحمة وكرامة إنسانية، ولا يخدم سوى طموحات المتطرفين وشهواتهم إلى السلطة وما يرتبط بها من ظلم وعدوان.
ومن خلال منهج السلام والعدل والرحمة، يدعو القرآن إلى التغيير من أجل الإنسانية جمعاء. ويؤكد أن التحول المجتمعي الحقيقي يبدأ من البناء الروحي والأخلاقي للفرد. فمن خلال تهذيب الشخصية وتنمية الوعي الأخلاقي، ترتقي المجتمعات نحو معايير أسمى من الفضيلة والعدل والحضارة. ومن هذا الأساس ينبثق مفهوم الصلاح — أي الاستقامة والإصلاح — بوصفه الوسيلة الجوهرية لتحقيق الأمن والسلام والطمأنينة، والركيزة الأساسية لقيام حضارة مزدهرة وإنسانية.
المبادئ القرآنية في احتضان السلام وتجنب الأحقاد
إن بناء الحياة ورعايتها واستمرارها أمانةٌ مقدسة منحها الله للبشرية. ويعلّم القرآن الكريم:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
— هود: 61
ويجري تناول هذا المبدأ الأساسي في الإسلام بصورة أوسع في قسم: «الأمانة الإلهية في إعمار الأرض». فالاغتيالات والانقلابات العنيفة وأعمال الإرهاب — التي تُرتكب كثيرًا زورًا باسم الله — تمثل انتهاكًا لهذه الأمانة الإلهية التي أُوكلت إلى الإنسان للحفاظ على الحياة وتنميتها واستدامتها على الأرض. إن العنف، بجميع أشكاله، لا يخدم في نهاية المطاف سوى الطموحات الشخصية والمصالح السياسية الاستبدادية.
وفي مقدمته حول الانقسام السني–الشيعي، طرح خالد أبو الفضل سؤالًا عميقًا:
«ماذا ينبغي أن يُفعل حيال السلطة السياسية الفاسدة؟»
ويُبرز الدكتور أبو الفضل الانتهاكات التاريخية التي ارتكبتها السلطات السياسية الفاسدة بحق الأمة الإسلامية — أي مجتمع المؤمنين العالمي. فكثيرًا ما تحتفي الحركات المتطرفة بالهيمنة السياسية والانتصارات الأيديولوجية على حساب النزاهة الأخلاقية للإسلام، والأمن العام، والتقدم الإنساني.
ويقدّم القرآن الكريم توجيهات شاملة لحل الخلافات بين الشعوب والمجتمعات المتنوعة بوسائل سلمية وبنّاءة. ولا يوجد في القرآن أي أمر للمسلمين بقتال المسيحيين أو اليهود لمجرد انتمائهم الديني. بل إنه يدعو أهل الكتاب — من المسيحيين واليهود — دعوةً قائمة على المودة والإخلاص إلى عبادة الخالق الواحد بروحٍ من الوحدة والصدق. كما أن رفض أهل الكتاب لهذه الدعوة لا يجوز أن يكون مبررًا للعنف.
ويأتي أمر الله للمؤمنين بأن يعلنوا: «إنا له مسلمون» بلغة يسودها السلام والكرامة، خالية من العداء أو الضغينة. فالأسلوب القرآني لا يترك مجالًا للبس بشأن روح التعايش والاحترام المتبادل المقصودة في الرسالة:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
— آل عمران: 64
وترفض التعاليم القرآنية — صراحةً وضمنًا — الفوضى والعداء والعنف في المجتمعات الإنسانية التعددية. فاللغة القرآنية ورسالتها تتسمان على الدوام بالرحمة والانفتاح، وتتوجهان نحو ترسيخ السلام ومنع النزاعات التي تؤدي إلى الاضطراب والكراهية والغضب.
وفي هذا السياق، يجدر استحضار كلمات البابا يوحنا بولس الثاني:
«إن العنف يولّد العنف دائمًا، والحروب تفتح أبواب هاوية الشر. فليأتِ قريبًا ذلك الدافع الروحي والثقافي الذي يدفع البشر إلى نبذ الحرب. نعم… لا للحرب مرةً أخرى.»
ولهذا السبب تحديدًا، يأمر الله بالتعايش السلمي والتعامل القائم على الاحترام مع أتباع الديانات الأخرى. يقول القرآن الكريم:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
— العنكبوت: 46
انظر موضوعنا، السياسة الخارجية للإسلام: سلام أم حرب؟
إحداث الأثر الإيجابي في قلوب الخصوم
يُعدّ دفعُ الشرّ بالخير أحدَ المناهج المركزية في القرآن لإحداث تغييرٍ حقيقي ودائم داخل الأفراد والمجتمعات. يقول تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
— فصلت: 34
وكذلك جسّد النبي محمد ﷺ هذا التوجيه الإلهي في تعاليمه وتعاملاته مع الناس. فقد قال:
«وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.»
— رواه الترمذي
وتُظهر السنّة النبوية — بما تتضمنه من أقوال النبي ﷺ وأفعاله — هذا المبدأ بصورةٍ بديعة في التعامل مع الناس على اختلاف خلفياتهم وأحوالهم. فحكمة القرآن والسنّة تفتح الباب أمام أحد أعمق أبعاد التجربة الإنسانية: تحويل قلوب الخصوم من خلال اللطف والصبر والإحسان والسمو الأخلاقي.
ولإزالة كل شكّ حول هذا المبدأ، يصرّح القرآن كذلك:
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
— الممتحنة: 7
ويكرر القرآن الكريم عرض قصص الأنبياء ليقدّم نموذجًا رحيمًا في التعامل، خاليًا من الغضب والانتقام والعنف. وتُعلّم هذه الروايات باستمرار الانضباط النفسي والصبر وضبط المشاعر، مع إظهار أساليب سلمية في الدعوة والإصلاح المجتمعي.
فجميع الأنبياء — ومنهم نوح وداود وسليمان وإبراهيم وموسى ويحيى وعيسى والنبي محمد ﷺ — تجنّبوا العداء والبغضاء في رسالاتهم الإلهية وتوجيهاتهم.
فعلى سبيل المثال، حين دعا النبي إبراهيم أباه إلى عبادة الله، خاطبه بلطف واحترام:
﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾
— مريم: 42–43
ثم واصل نصحه برفق:
﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾
— مريم: 44
ثم حذّره بعطف وشفقة:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾
— مريم: 45
ورغم صدق إبراهيم ولينه، جاء ردّ أبيه قاسيًا ومهددًا:
﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾
— مريم: 46
ومع ذلك، أجابه إبراهيم بصبر وكرامة ومحبة:
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾
— مريم: 47
ويُظهر هذا الحوار بين الأب والابن بصورة عميقة المنهج النبوي في التفاعل السلمي. فقد ظلّ أسلوب إبراهيم رحيمًا ومحترمًا حتى في مواجهة العداء والتهديد. وبدلًا من الرد بالغضب أو العنف، أجاب بالسلام والدعاء.
ويقدّم القرآن الدعوة إلى الإيمان بصورة متواصلة خالية من الترهيب والإكراه والكراهية؛ بل يصفها بالصبر والحكمة والرحمة.
وبالمثل، تعكس قصة النبي نوح وابنه هذا النهج الرحيم. فالطوفان كان قضاءً من الله، وليس فعلًا ابتدأه نوح، إذ إن الحكم النهائي يعود إلى الله وحده. ويذكر القرآن نداء نوح لابنه:
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾
— هود: 42
فأجاب الابن:
﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾
فردّ نوح:
﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾
— هود: 43
وكذلك، رغم طغيان فرعون وظلمه وادعائه الجريء: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، أمر الله النبي موسى أن يخاطبه بلين:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾
— طه: 44
فعلى الرغم من استعباد فرعون لبني إسرائيل وقتله لهم، منحَه الله مع ذلك فرصة التوبة والخضوع من خلال حرية الاختيار. فالعقاب والحكم النهائيان يعودان إلى الله وحده — لا إلى موسى ولا إلى أي إنسان آخر. وكما سيُناقش لاحقًا في قسم «الله وحده يملك العقاب والمغفرة»، فإن القرآن يحصر المسؤولية والحساب النهائيين بالله سبحانه وتعالى وحده.
المتطرفون يتكبرون بادّعاء مقام الله
لا يملك أي إنسان سلطةَ أن يتقمّص دور الله سبحانه وتعالى. فبما أن البشر لا يستطيعون الإحاطة الكاملة بنيّات الآخرين وقلوبهم وحقائقهم الباطنة، فلا يحق لأحد أن يحكم على الناس أو يعاقبهم اعتمادًا على افتراضات تتعلق بمعتقداتهم أو نواياهم.
وفي ضوء الهدي القرآني وتعاليم الأنبياء، يتجاوز المتطرفون حدود الله حين يُدينون الآخرين ويعاقبونهم ويقتلونهم وفقًا لتفسيراتهم الخاصة وأهوائهم الشخصية.
وفي الإسلام، تقوم العدالة على أصولٍ قانونية راسخة، وإجراءات قضائية عادلة، وأدلةٍ وبراهين، وتحقيقٍ دقيق ومتأنٍّ. فالعقوبة على الجرائم تكون ضمن إطار القانون الشرعي والقضاء المشروع، لا من خلال الأحكام العشوائية التي يصدرها الأفراد أو الجماعات الأيديولوجية.
ومن رحمته سبحانه، يمنح الله الإنسان فرصة التوبة حتى في اللحظات الأخيرة من حياته. أما المتطرفون، فإنهم يتكبّرون حين يضعون أنفسهم موضعًا يتجاوز رحمة الله، وكأنهم يملكون سلطة التحكم في المصير الروحي للناس بسلطانٍ إلهي مزعوم.
ويخاطب القرآن النبي محمدًا ﷺ بهذا المبدأ بوضوح:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ 21 ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ 22 ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ 25 ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
— الغاشية: 26
وتؤسس هذه الآيات لمبدأٍ واضحٍ وحاسم: إن مسؤولية الحساب النهائي تعود إلى الله وحده.
ويؤكد القرآن هذا المعنى كذلك في موضع آخر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
— المائدة: 105
ويشرح الدكتور وهبة الزحيلي في تفسيره التفسير المنير أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز إذا أدّى إلى ضررٍ أعظم أو إلى العنف أو الفوضى أو تدمير المجتمع. فكل فعلٍ يفضي إلى الفوضى وسفك الدماء والإضرار بالمصلحة العامة يتعارض مع مبادئ العدالة والحكمة في الإسلام.
ويحفظ هذا المنهج القرآني كرامة الإنسان وسلام المجتمع. ولمزيد من الأمثلة على هذه الممارسات المتطرفة العبثية، يُنظر إلى مقالنا: «التكوين الفكري لتنظيم داعش واتجاهه ومصيره».
الظلم والفساد
الاعتداء على الأمن العام: الظلم والفساد
يستنكر القرآن الكريم الظلمَ والطغيانَ والفسادَ الاجتماعي، ويعبّر عنها في بعض المواضع بمصطلح الظلم وفي مواضع أخرى بمصطلح الفساد. فجميع أشكال العنف تُعدّ انتهاكًا لحق الإنسان الذي منحه الله له في العيش بأمنٍ وكرامةٍ وسلام. وفي معالجته لهذه الأفعال الهدّامة، يعرض القرآن نماذج من الهدي الإلهي وسِيَر الأنبياء التي تُدين بوضوح الظلمَ والاضطرابَ المجتمعي وإفسادَ الحياة الإنسانية. ومن أبرز هذه النماذج قصص الأنبياء إبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام.
أ) حالة النبي إبراهيم عليه السلام
في قصة النبي إبراهيم عليه السلام، يطرح القرآن سؤالًا عميقًا حول مَن الأحقّ بالأمن والسلام والطمأنينة. يقول تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
— الأنعام: 81
ثم يأتي الجواب مباشرة:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾
— الأنعام: 82
وتُقيم هذه الآيات علاقةً مباشرة بين العدل والاستقامة وبين تحقيق الأمن والسلام. فلا يمكن للحضارة أن تزدهر من دون استقرارٍ وأمانٍ ونظامٍ أخلاقي. كما أن مهمة «إعمار الأرض»، التي سيأتي تناولها لاحقًا في قسم «الأمانة الإلهية في إعمار الأرض»، تُعدّ أمانةً مقدسة منحها الله للبشرية. ومن ثمّ، فإن الاعتداء على حق الناس في الأمن والاستقرار يُعتبر ظلمًا وتمردًا على النظام الإلهي الذي أُقيم لازدهار الحياة الإنسانية.
ويرى الدكتور عدنان إبراهيم أن الحركات المتطرفة تنتهك حق الإنسان الذي منحه الله له في السلام، من خلال سلب المجتمعات أمنها واستقرارها عبر أعمال الظلم والفساد. ووفقًا للدكتور إبراهيم، فإن هذه الأيديولوجيات تتجاهل المبدأ القرآني للأمن، وتتجه بدلًا من ذلك نحو العنف والظلم وتدمير المجتمعات. وتشمل جرائمها قتل المدنيين الأبرياء، والإساءة إلى النساء والأطفال، وتدمير البيوت والمجتمعات، وإفساد الحياة العامة.
وتقف دول مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن أمثلةً مؤلمة على مجتمعات دمّرها العنف وعدم الاستقرار الذي ارتُكب باسم الدين والأيديولوجيا.
ويؤكد الله سبحانه تحريم الظلم في الحديث القدسي الذي رواه النبي محمد ﷺ:
«يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا.»
— صحيح مسلم (2577)
ولا يبقى الظلم والفساد محصورين في مكانٍ أو زمان، بل يمتدّ أثرهما التخريبي إلى المجتمعات والدول. ووفقًا للتقارير العالمية حول الصراع السوري منذ عام 2011، قُتل مئات الآلاف من الناس، وشُرّد الملايين، واضطرّ ملايين آخرون إلى اللجوء خارج بلادهم. وقد امتدت الآثار الإنسانية لهذا العنف إلى مناطق بأكملها، وأثقلت كاهل الدول التي تكافح لاستيعاب موجات اللاجئين وحالات الاضطراب الاجتماعي.
ولا يمكن لأي تبريرٍ عاطفي أو استدلالٍ أخلاقي أن يُضفي الشرعية على مثل هذا الدمار. ومع ذلك، ارتكب المتطرفون هذه الكوارث زورًا باسم الإسلام — وهو دينٌ ترفض تعاليمه الأساسية الظلمَ والفسادَ وإزهاقَ الأرواح.
ويحذر القرآن الكريم:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
— الجاثية: 21–23
ب) حالة النبيين موسى وهارون عليهما السلام
وفي مثالٍ قرآنيٍّ آخر بالغ الأهمية، يُدين القرآن انعدام الأمن والاستقرار والانقسام الاجتماعي — حتى في ظروفٍ تضمنت عبادة غير الله علنًا. فقصة النبيين موسى وهارون عليهما السلام تُظهر أن الفتن الداخلية والانقسام المجتمعي والأعمال التي تؤدي إلى الصراع الأهلي تُعدّ من الفساد والإفساد الاجتماعي.
وتوحي الرواية القرآنية بأن الحفاظ على وحدة المجتمع واستقراره كان من الأهمية بمكان، بحيث إن النبي هارون تجنّب اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى نزاعٍ داخلي عنيف بين قومه، رغم وقوع بعضهم في عبادة العجل.
فقبل ذهاب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه في طور سيناء، عهد إلى أخيه هارون بقيادة بني إسرائيل وتوجيههم أثناء غيابه، وقال له:
﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
— الأعراف: 142
وبعد أربعين يومًا، عاد موسى فوجد فريقًا من قومه يعبدون العجل. فغضب وحزن مما رأى، وواجه هارون ممسكًا بلحيته ورأسه، وقال:
﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾
— طه: 92–93
فأجابه هارون بهدوء موضحًا سبب تريثه:
﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾
— طه: 94
ويكشف ردّ هارون عن مبدأٍ عميق في الرؤية القرآنية: وهو أن منع الانقسام المجتمعي وسفك الدماء والانهيار الداخلي يُعدّ أولويةً عظيمة. فعلى الرغم من أن عبادة الأصنام كانت ذنبًا جسيمًا، خشي هارون أن تؤدي المواجهة القسرية في غياب موسى إلى تفككٍ عنيف وصراعٍ أهلي بين بني إسرائيل.
وهكذا، تعرض الرواية القرآنية التفكك الاجتماعي والعنف الداخلي باعتبارهما من صور الفساد التي تهدد البنية الأساسية للمجتمع.
تفكيك المجتمعات: من صور الفساد والتدمير الاجتماعي
من خلال جواب هارون عليه السلام، أدرك موسى الحكمة الكامنة وراء تريثه وضبطه للنفس. وتؤكد الرواية القرآنية صحة موقف هارون، إذ إن تدمير المجتمعات وإشعال الانقسام بين الناس يُعدّ من الفساد والإفساد الاجتماعي المذموم والمدمر. فلو حاول هارون منع عبادة العجل بالقوة، لكان من الممكن أن ينشأ انقسامٌ عنيف داخل بني إسرائيل.
ثم أوضح القرآن هذا المبدأ بصورةٍ أعمق في قوله تعالى:
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ۖ فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
— الأعراف: 150
وتُبرز هذه القصة مبدأً اجتماعيًا عميقًا: فالعنف كثيرًا ما يُنتج عنفًا مضادًا، وقد يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي نفسه. ويرى عدنان إبراهيم أنه في مثل هذه الظروف قد يصبح تفكك المجتمع وانهياره خطرًا أعظم، لأن الفتن الداخلية والانقسامات الأهلية قادرة على تدمير الشعوب بأكملها والقضاء على فرص الإصلاح المستقبلي.
لقد فهم هارون أن الحفاظ على وحدة المجتمع واستقراره — رغم انحرافه المؤقت — يتيح فرصة التصحيح والتوبة واستعادة التوازن بصورة سلمية عند عودة موسى. فما دام كيان المجتمع قائمًا، يبقى الأمل موجودًا في أن يعود الذين عبدوا العجل إلى الرشد والهداية.
وتأكيدًا لخطورة النزاع الداخلي والتنازع، يقول القرآن الكريم:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
— الأنفال: 46
كما يصف القرآن رسالة النبيين موسى وهارون وتعاليمهما بأنها مصدر للنور والهداية والبصيرة الأخلاقية:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾
— الأنبياء: 48
ومن خلال هذه الآيات، يقدّم القرآن الوحدة والصبر والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي باعتبارها مبادئ أساسية لحماية المجتمعات من الفساد — أي ذلك التدمير والانهيار الناتج عن الانقسام والعنف والتفكك الداخلي.
موسى يتصرف بحكمة دون إثارة الفتنة
وما يلفت النظر بصورة خاصة في هذه الرواية القرآنية أن النبي موسى أدرك الخطر العظيم الذي يمثله تفكك المجتمع واختلال بنيته الداخلية. فبدلًا من الرد بعنف منفلت أو السماح باندلاع صراع أهلي بين قومه، تعامل موسى بحزمٍ وحكمة مع مصدر الفساد نفسه.
فقد حمّل السامري — صانع العجل — المسؤولية، فعزله وندّد بفعله، ثم دمّر الصنم نفسه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أمن المجتمع واستقراره العام. ولمزيد من التفاصيل، يُنظر إلى الآيات: طه 95–98.
إن البشر يجتمعون في مجتمعات لتحقيق غايات ضرورية وبنّاءة: إقامة العدل والتحضر، وحماية بعضهم بعضًا من الأخطار والمشقات، والدفاع ضد الأعداء والكوارث، وتقديم الدعم النفسي والجسدي، والتعاون في بناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة. وهذه القيم والعلاقات تشكل الأساس الحقيقي للأمن والسلام والحضارة.
ويعلّم القرآن أن تقويض هذه الأسس الاجتماعية عبر العنف والانقسام والخوف والانهيار المجتمعي يُعدّ من الفساد والتدمير الاجتماعي. ومن هذا المنظور، لا يعرّف الهدي النبوي الفساد على أنه مجرد ذنب فردي فحسب، بل يشمل كل فعل يؤدي إلى شلّ وحدة المجتمع واستقراره ورفاهيته.
الجزء الثاني: نيل السلام والامن
تحقيق السلام والأمن
تحقيق الأمن والسلام من خلال معاهدات السلام
كانت قريش — القبيلة الأصلية في مكة — قد أنعم الله عليها بالرزق والاستقرار والحماية. فقد أطعمهم في أوقات الجوع، ومنحهم الأمن من الخوف والاضطراب. ويُبرز القرآن الكريم الدور الحيوي لمعاهدات السلام والتعاون والاتفاقات الأمنية المتبادلة في بناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة.
لقد وفّرت هذه المواثيق السلمية والتحالفات التجارية ظروفًا من الأمان والاستقرار الاقتصادي لجميع الأطراف المعنية. فقد ساهمت في حماية القوافل التجارية وتأمين طرق التجارة، وأتاحت التعاون بين قوى وشعوب متعددة، بما في ذلك الروم في بلاد الشام والفرس في اليمن. ومن خلال هذه الاتفاقات، أرست قريش أسس الازدهار والاستقرار والنظام الاجتماعي.
ويعرض القرآن هذا المثال تذكيرًا بأن الأمن والسلام نعمتان أساسيتان تزدهر بهما المجتمعات:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾
— قريش: 1–4
وتُظهر هذه الآيات أن الاتفاقات السلمية، والعلاقات التجارية الآمنة، والتعاون الاجتماعي، تُعدّ من الوسائل الأساسية لازدهار الحضارات. فالمصالحة ومعاهدات السلام تشكل أدواتٍ لتحقيق رفاه الإنسان والنمو الاقتصادي والاستقرار الجماعي. وبرحمة الله، يُفترض بالمجتمعات أن تعيش في أمنٍ وسلامٍ وثقةٍ متبادلة، لا في خوفٍ وعنفٍ وصراعٍ دائم.
كما يحذر القرآن من التخلي عن مبادئ الشكر والعدل والصلاح التي تحفظ استقرار المجتمعات المسالمة:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
— النحل: 112
ويُبيّن هذا المثال القرآني أن الازدهار والانسجام الاجتماعي ينتجان عن الأمن والعدل والمسؤولية الأخلاقية. أما الحركات المتطرفة التي تنشر الخوف والاضطراب والعنف، فإنها تُقوّض هذه المبادئ الإلهية مباشرةً من خلال حرمان المجتمعات من الأمن والسلام اللذين أرادهما الله للبشرية.
موسى يخاطب فرعون بالحكمة واللين
وفي قصة أخرى من قصص موسى عليه السلام، يوجّه الله نبيَّه إلى مخاطبة فرعون بالحكمة والرفق، رغم طغيانه الشديد وظلمه لقومه. يقول تعالى:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾
— طه: 44
ويُفهم من هذا التوجيه أن إنهاء الظلم والفساد يمكن أن يتحقق بوسائل سلمية وحكيمة، لا عبر القسوة والكلمات المستفزة والعنف.
تحريم الحروب الأهلية العنيفة والاضطرابات الاجتماعية
تُعدّ الحروب الأهلية العنيفة من أخطر صور الفساد والتدمير الاجتماعي. فهي تحوّل المجتمعات المسالمة إلى ساحات حرب يسودها القتل الجماعي والخوف والنزوح وانهيار النظام الاجتماعي. ولا تقتصر آثار الحروب الأهلية على إزهاق الأرواح، بل تشمل تدمير البنية التحتية، وإضعاف المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، وترك جراحٍ نفسية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد.
وغالبًا ما يكون حجم الدمار والمعاناة الإنسانية الناتجين عن هذه الصراعات غير قابلٍ للحصر. وتشير الدراسات التاريخية للنزاعات الكبرى — ومنها الحرب الأهلية الأمريكية — إلى أن معاناة المدنيين كثيرًا ما تفوق خسائر المعارك نفسها. فالوفيات الناتجة عن الجوع والأمراض وانعدام الرعاية الصحية والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية قد تتجاوز ضحايا القتال المباشر.
وتؤكد التعاليم الإسلامية الأصيلة، المستمدة من القرآن الكريم وسنة النبي محمد ﷺ، على منع الصراعات العنيفة والفوضى الاجتماعية والفتن الداخلية المدمّرة. فالقرآن يدعو البشرية إلى العدل والمصالحة والرحمة وحفظ المصلحة العامة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
— النحل: 90
وتؤسس هذه الآية العدل والإحسان والانسجام الاجتماعي باعتبارها مبادئ أساسية للحياة الإنسانية، بينما تُدين الظلم والعنف والاضطراب المجتمعي. فالرؤية القرآنية تهدف إلى حفظ المجتمعات من خلال السلام والمسؤولية الأخلاقية والتعايش الرحيم، لا عبر الكراهية والانتقام والتدمير الأهلي. انظر بحثاً مفصلاً حول حرص الإسلام في منع الحروب والعنفية تحت عنوان، “الإسلام يصطنع الوسائل لإنهاء مؤسسة الحرب.”
السعي إلى الإحسان
يعلّم الله أن الخير والشر ليسا سواءً في آثارهما ونتائجهما على الأفراد والمجتمعات. يقول تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
— فصلت: 34
ويؤسس هذا التوجيه الإلهي الإحسانَ والصبرَ والسموَّ الأخلاقي بوصفها وسائل قوية لتجاوز العداء والشر. فالمنهج القرآني في الإصلاح الاجتماعي لا يقوم على الانتقام أو العدوان أو الكراهية، بل على الرحمة والحكمة وضبط النفس والتفاعل السلمي. ومن خلال اللطف والسلوك الأخلاقي، يغيّر الله قلوب الناس ويخفف من حدة الصراعات.
وقد أكد النبي محمد ﷺ هذا المبدأ بقوله:
«إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا على ما سواه.»
— صحيح مسلم
ويُبرز هذا الحديث النبوي المكانة الرفيعة للرحمة والحلم والسلوك السلمي في الإسلام. فالسعي إلى الإحسان ليس مجرد قيمة أخلاقية مثالية، بل هو منهج عملي وتحويلي لإصلاح المجتمعات، وتقليل النزاعات، ومواجهة الشر دون إعادة إنتاج دوائر العنف والكراهية.
الكلمة الطيبة تُزيل الشقاق
يأمر الله البشر بأن يتحدثوا بلطفٍ وحكمةٍ وإحسان في جميع تعاملاتهم. ويحذر القرآن من أن الشيطان يسعى باستمرار إلى زرع الشقاق والعداوة والانقسام بين الناس، من خلال إثارة الغضب والريبة والكلام المؤذي. ويعبّر المصطلح القرآني «يَنزَغُ» عن معنى التحريض الخفي والتأثير على القلوب والعقول لإشعال النزاع وإحداث الضرر بين الأفراد والمجتمعات.
قال تعالى:
﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾
— الإسراء: 53
ويُظهر هذا التوجيه الإلهي العميق قوة الكلمات في بناء السلام أو إشعال الصراع. فالكلام اللين، والحوار المحترم، والتواصل الرحيم، تعزز الانسجام والتفاهم المتبادل، بينما تصبح الألفاظ القاسية والاستفزاز وخطاب الكراهية أدواتٍ للفساد والانقسام.
ومن ثمّ، تدعو الرسالة القرآنية المؤمنين إلى التخلّق بصفات الرحمة والكرامة والإحسان التي يجسدها الهدي الإلهي. فالذين يلتزمون بالكلمة الطيبة والحديث الكريم يسهمون في المصالحة والوئام الاجتماعي، بينما يسلك الذين يثيرون الكراهية والعداء والشقاق طريقًا هدّامًا يقوض العلاقات الإنسانية والسلام المجتمعي.
القتال لا يُباح إلا بشروط مشروعة وعادلة
ينبغي أن يتحقق الإصلاح المجتمعي العادل والتقدم الإنساني بوسائل رحيمة وسلمية وبنّاءة. فالقرآن لا يقدّم الحروب والصراعات المسلحة بوصفها أدواتٍ للهيمنة أو العدوان، بل باعتبارها تدابير محدودة ومشروطة لا تُباح إلا في ظروف مشروعة.
وفي كتاب «السرقة الكبرى: انتزاع الإسلام من المتطرفين»، يؤكد خالد أبو الفضل، إلى جانب عدنان إبراهيم، والدكتور علاء الدين زعتري أن القتال في الإسلام لا يجوز إلا ضمن حدود أخلاقية ودفاعية صارمة. ومن بين هذه الشروط: الدفاع عن الناس ضد العدوان الخارجي، ومقاومة الغزو، وحماية المجتمعات من الظلم والتدمير.
أما المعارك الكبرى التي وقعت في حياة النبي محمد ﷺ — مثل بدر وأحد والخندق — فقد كانت مواجهات دفاعية ضد قوى سعت إلى القضاء على المجتمع المسلم واستئصاله.
وفي مثل هذه الظروف، أصبح الدفاع عن المجتمع ضرورةً وليس عملًا عدوانيًا.
كما يجيز القرآن مواجهة من يصرّون على إيذاء المجتمعات المسالمة ويرفضون المصالحة بعد تكرار محاولات السلام والتسوية. ومع ذلك، يبقى الهدف النهائي هو إعادة العدل والسلام والوئام الاجتماعي، لا الانتقام أو استمرار الصراع.
ولهذا السبب، يأمر القرآن المؤمنين بأنه متى توقفت الأعمال العدائية، وجب أن تتبعها مصالحة صادقة وإعادة سلمية للعلاقات. ففي قوله تعالى في سورة الحجرات (49:9)، يستمر السعي إلى إعادة السلام والأخوّة بين الأطراف المتنازعة بعد انتهاء القتال.
وهكذا، يقدّم الإطار القرآني الحرب لا باعتبارها حالةً مرغوبة، بل استجابةً مقيّدة ومشروطة تهدف إلى حماية الأرواح، وصون العدالة، ومنع ظلمٍ وفسادٍ أعظم. ويُنظر في ذلك إلى مقالنا: «السياسة الخارجية في الإسلام».
النبي محمد ﷺ يفتح القلوب بالسلام
على الرغم من عداء قريش في مكة واستمرار معارضة المنافقين في مكة والمدينة، حافظ النبي محمد ﷺ باستمرار على السلوك السلمي، وسعى إلى التفاعل غير العنيف مع جميع أطراف النزاع. وقد تميزت قيادته بالصبر وضبط النفس والحكمة والحرص الدائم على حفظ الانسجام الاجتماعي واستقرار المجتمع متى ما كان ذلك ممكنًا.
ومن أخطر صور الخيانة ما قام به عبد الله بن أبي بن سلول، الذي انسحب من جيش المسلمين مع نحو ثلاثمائة من أتباعه قبيل مواجهة حاسمة بين المسلمين وقريش. وقد أضعف هذا التصرف الغادر صفوف المسلمين وعرّض أمن المجتمع للخطر. ومع ذلك، ورغم هذه الخيانة وغيرها من أعمال المكر والعداء — بما في ذلك محاولات اغتياله ومؤامرة مسجد الضرار — تجنب النبي الانتقام غير الضروري، وظل ملتزمًا بحماية وحدة المجتمع واستقراره.
لقد سعى المنافقون مرارًا إلى زرع الانقسام، وإضعاف الثقة العامة، وزعزعة المجتمع المسلم من الداخل. ومع ذلك، وحتى حين امتلك النبي القدرة والسلطة على الرد بقوة، اختار الرحمة وضبط النفس والمصالحة بدلًا من الانتقام. فقد كانت المحافظة على وحدة المجتمع، والأمن العام، والسلام الاجتماعي أهمَّ لديه من الخصومات الشخصية أو الردود السياسية.
ومن خلال هذه القوة الأخلاقية والقيادة الرحيمة، فتح القلوب لا بالقوة، بل بالصبر والكرامة والسلام.
فتح مكة بالأمن والسلام
عاد النبي محمد ﷺ إلى مكة في فتحٍ عظيمٍ يكاد يخلو من إراقة الدماء. فقد أتاحت استراتيجيته الرحيمة لأهل مكة فرصة الاستعداد للسلام والمصالحة والتحرر بدلًا من استمرار الصراع والانتقام. وعلى الرغم من أن عشرة آلاف مسلم كانوا يحيطون بالمدينة، فإن النبي ﷺ حرص على منع سفك الدماء وتأمين استسلامٍ سلمي.
وقد أقنع زعيم قريش البارز أبو سفيان بن حرب بأن يدعو أهل مكة إلى ترك المقاومة. ولطمأنة السكان ومنع الذعر والعنف، أعلن النبي ﷺ:
«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن.»
ووفقًا لعدد من الروايات التاريخية، لم يكن أبو سفيان قد أسلم بعد، وكان لا يزال مرتبطًا بمعتقدات مكة الوثنية. ومع ذلك، منح النبي ﷺ له ولقومه الأمان والحماية.
وقد مثّل دخول النبي ﷺ السلمي إلى مدينة طالما امتلأت بالعداء للإسلام انتصارًا أخلاقيًا عظيمًا. فقد دخل مكة متواضعًا، مطأطئ الرأس شكرًا لله الذي أعاده بسلام إلى المدينة التي اضطهدته وأخرجته هو وأصحابه من قبل.
ورغم امتلاكه السلطة الكاملة والقوة العسكرية، لم يُكره النبي ﷺ أهل مكة على اعتناق الإسلام. بل أسس مجتمعًا قائمًا على السلام والتعايش والاحترام المتبادل بين أصحاب المعتقدات المختلفة. كما أعلن عفوًا عامًا، ومدّ يد الصفح حتى لكثيرٍ ممن اضطهدوه واضطهدوا أصحابه سابقًا.
ولا تكمن أهمية هذا الحدث في الفتح ذاته فحسب، بل في الطريقة التي أدار بها النبي محمد ﷺ ذلك الفتح. فقد بلّغ رسول السلام رسالة السلام من خلال الرحمة وضبط النفس والعفو والسمو الأخلاقي. وفتح القلوب لا بالإكراه أو الانتقام، بل بالرحمة والكرامة والعطف المفعم بالإيمان تجاه الصديق والعدو السابق على حد سواء.
النبي محمد ﷺ يمنح الحيوانات حقَّ الأمن الذي وهبه الله
لم يكن حق الأمن والسلام (الأمن) عند النبي محمد ﷺ مقتصرًا على البشر وحدهم، بل امتدّ إلى الحيوانات وسائر المخلوقات الحية.
فأثناء مسير الجيش نحو مكة، مرّ النبي ﷺ بكلبة ترضع جراءها قرب طريق الجيش المتقدّم. وانطلاقًا من حرصه على أمنها وسلامتها، أمر الجيش الكبير — المؤلف من عشرة آلاف مقاتل — بتغيير مساره حتى لا تُزعج الحيوانات أو تُؤذى. بل عيّن حارسًا يقف بجوارها ليضمن حمايتها.
— الواقدي، المغازي 2/804
ويعكس هذا الموقف العجيب عمق رحمة النبي ﷺ وشمولية الرحمة في الإسلام. فحتى في خضم حملة عسكرية كبرى وقبيل فتح مكة، لم يسمح النبي ﷺ لاعتبارات القوة أو الفتح أو السيادة أن تتغلب على حق حيوان ضعيف وصغاره في العيش بأمنٍ وسلام.
النبي ﷺ حافظ على الأمن والطمأنينة في مكة
في المراحل الأولى من قيام الإسلام في مكة، تعرّض المسلمون للإهانة والتعذيب والقتل. ومع ذلك، لم يسمح النبي محمد ﷺ بالردّ بالعنف أو الانتقام. بل تحمّل الأذى، ومارس الصبر والثبات.
كما اتخذ النبي ﷺ مواقف سلمية نابعة من إيمانه؛ فقد طلب من بعض أصحابه الهجرة إلى الحبشة في مناسبتين، وطلب من الصحابة الموسرين شراء العبيد الذين كانوا يتعرضون للتعذيب والعذاب من أسيادهم وتحريرهم.
واتخذ أيضًا إجراءات أخرى حافظت على هدوء المجتمع المكي وعدم اضطرابه؛ فكان يعقد لقاءاته سرًا، وطلب من أتباعه ألّا يعلنوا إيمانهم بصورة استفزازية. كما حثّهم على الصلاة بهدوء لا بصوت مرتفع قد يثير الجدال والعنف داخل المجتمع.
لقد كان النبي محمد ﷺ يخطط لنشر رسالة السلام بصورة تدريجية وصبورة، ولذلك تجنّب كل ما قد يؤدي إلى سوء فهم أو تقدير خاطئ. وقد تأسست هذه الحكمة على الصبر والإحسان والعفو. فشرارة تمرد علني واحدة كان يمكن أن تتحول سريعًا إلى حرب قبلية أو أهلية دامية تُفشل إرادة الله في تحقيق الأمن والاستقرار.
ولهذا، وضع النبي محمد ﷺ هدفًا دائمًا وحكيمًا: التغلب على الكراهية بالاحترام والمحبة والرحمة.
النهج الالهي للمصالحة
إن الكلمة الصادقة المفعمة بالمحبة والرعاية أكثر قدرةً على إحداث التغيير الإيجابي. وتُعدّ معاهدة الحديبية مع قريش في مكة مثالًا بارزًا على اتفاق سلام بين أطراف متنازعة.
فبعد توقيع الاتفاق بوقتٍ قصير، أنزل الله على النبي محمد ﷺ سورة الفتح، مؤيدًا نهجه التصالحي ومعكسًا روح الإسلام في السعي إلى السلام. وقد كانت أولوية النبي ﷺ في تحقيق نجاح مجتمعه تتمثل في أمنه واستقراره وسلامه.
فمكة تمثل مرحلة الضعف والانكسار، بينما تمثل المدينة مرحلة قوة المسلمين وهيمنتهم. ومع ذلك، حافظ المسلمون في كلتا المرحلتين المتناقضتين على قيمهم القائمة على الحكمة والكرامة والسمو الأخلاقي.
الجزء الثالث: الغلو والتشدد
نشأة الحركة الأيديولوجية الوهابية
خلال القرن الثامن عشر، طرح محمد بن عبد الوهاب رؤية مفادها أن كثيرًا من المسلمين قد انحرفوا — بحسب اعتقاده — عن التعاليم الأصلية والنقية للإسلام. واستنادًا إلى تفسيراته، اتهم فئات من المسلمين بالوقوع في الشرك، والبدع الدينية، والمبالغة في تعظيم الأولياء، والممارسات المرتبطة بالقبور والآثار التاريخية التي اعتبرها مخالفة للتوحيد.
وفي الوقت نفسه، كان محمد بن سعود، حاكم الدرعية في منطقة نجد من شبه الجزيرة العربية، يسعى إلى توسيع سلطته ونفوذه السياسي. وقد أدى التحالف بين ابن عبد الوهاب وابن سعود إلى نشوء حركة دينية سياسية قوية جمعت بين مشروع الإصلاح العقائدي والتوسع العسكري والإقليمي. وأصبح هذا التحالف لاحقًا الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى.
وقامت الحركة السعودية–الوهابية الناشئة بتعبئة القوى القبلية في نجد، وشنّت حملات عسكرية ضد مجتمعات إسلامية أخرى في أنحاء الجزيرة العربية. وأسفرت هذه الحملات عن مواجهات مسلحة وسقوط قتلى وانتشار واسع لحالة عدم الاستقرار في المنطقة. كما تذكر المصادر التاريخية وقوع هجمات على بلدات ومدن، وتدمير مواقع دينية وتاريخية، واندلاع صراعات عنيفة مع جماعات رأت الحركة أنها منحرفة دينيًا.
وقد عارض كثير من العلماء التقليديين والمجتمعات الإسلامية تلك الحملات، معتبرين أنها تتعارض مع المبادئ القرآنية الأوسع القائمة على الرحمة وضبط النفس والتعايش وحرمة دم المسلم. ورأى المنتقدون أن استخدام الحركة للعنف والتكفير ضد مسلمين آخرين يمثل انحرافًا خطيرًا عن المنهج النبوي القائم على الإصلاح التدريجي والحكمة والاستقرار الاجتماعي.
https://docs.google.com/document/d/1ab2PfHdy_ZvhL9SLOIZxxu9GzQemYq3rMPYPprCBIVw/edit#!
وبرّرت الحركة كثيرًا من أفعالها باعتبارها جهودًا لتطهير الممارسة الإسلامية والقضاء على ما اعتبرته فسادًا دينيًا. إلا أن معارضيها رأوا أن ما نتج عن ذلك من عنف ودمار واضطراب اجتماعي أضرّ بوحدة الأمة الإسلامية وزعزع استقرار مجتمعات عريقة في أنحاء المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات أخلاقية وعقدية مهمة:
هل يمكن للإكراه العنيف، والحروب الداخلية، وقتل المسلمين بعضهم بعضًا أن ينسجم مع تأكيد القرآن على العدل والرحمة وحفظ النفس؟ وهل تستطيع الحركات التي تُنتج الخوف وسفك الدماء والتفكك الاجتماعي أن تدّعي امتدادها للمنهج النبوي القائم على الصبر والمصالحة والإصلاح السلمي؟
https://freerepublic.com/focus/f-news/1173310/posts
بعنف شنيع مريع، غير مسبوق، وبدون رحمه، اندفع البدو المغرَّر بهم، فقتلوا ما يقارب العشرة آلاف مسلم، وذبحوا أكثر من مئة عالم من وجهاء علماء مكة والمدينة. هذا التوحش ألقى الرعب في العباد، وعطل الحياة لاخلاله في أمن الناس في انحاء الجزيرة العربية. لكنهم لم يقفوا عند القتل والذبح وانتهاك الحرمات فقط، بل أمرهم ابن عبد الوهاب بهدم الآثار الإسلامية، والمباني التاريخية التي كانت تحكي قصص الأولين وتكتب للتاريخ صفحات نَيِرة.
زعم ابن عبد الوهاب أن هذا التراث الرائع إنما هي أصنام تعبد من دون الله. اقتحم بداوى آل سعود وابن عبد الوهاب ـ وبوحشية ـ مكة والمدينة؛ لتحرير مدينتي رسول الله ـ بحد زعمهم ـ، من الشرك. هذه الإساءة إلى رسول الله أحزنت سواد الأمة في كل أقطار العالم الإسلامي، وأغضبت الآلاف من علمائها. كيف يكون لمثل هذه البربرية والخبل أن تندب وتفوض نفسها على أنها تمثل التعاليم القرآنية والسنة النبوية؟ فما هؤلاء إلا محض جشع وشراهة وتآمر على حياة وامن المسلمين. هل هذا هو ما لَمَحَ إليه الدكتور أبو الفضل في طرح سؤاله، (كيف تُعالَج القوى السياسية السلطوية الفاسدة؟) إذ تحدث عن الانفلاق السني الشيعي؟
الحقيقة؛ إن الوهابية السعودية أخلت وخرقت بصلب وصميم القيم الإسلامية في الأمن والسلام. وأفعالهم الشرسة كشفت كذب ادعائهم. فهم يقولون أن دعوتهم هي لإزالة المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، ولكن التدمير والقتل والذبح والخبائث والآثام تحكي قصة مربح شخصي وانتهاك محارم الله وسفك الدماء والتسلط والاستبداد.
وهكذا، فالالتحام الوهابي السعودي أثبت مكره في انتهاك حرمات الله. ثم أقام الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة على جماجم المسلمين. وبهذا أسقطوا الإمبراطورية الإسلامية العثمانية (١٥١٧ إلى ١٩٢٣)، بعد ١٣٢ سنة في الحراب بمعونة الإنجليز المستعمرين، والذين تقطرت أيديهم بدماء المسلمين في إسقاط امبراطوريتهم.
من مبادئ القرآن السامية ألا يهدر دم إلا بعد اتخاذ الخطوات المفروضة في القضاء القانوني، أخذاً بعين الاعتبار العدل والرحمة. {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]. والآية التالية تشرح نفسها، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]. وعلى نفس المنهج، يحدث القرآن قائلاً، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51
اين هذا الهدى الرباني من العبث في امر المسلمين وامنهم؟
وقد ناقش خالد أبو الفضل المخاطر التي تمثلها الحركات الدينية السلطوية والمسيّسة، والتي تدّعي احتكار الحقيقة الدينية بينما تستخدم السلطة والإكراه للهيمنة على المجتمعات. ويرى منتقدو الأيديولوجيات المتطرفة أن مثل هذه الحركات كثيرًا ما تستحضر الدين خطابًا وشعارًا، بينما تقوّض المبادئ الأخلاقية الأساسية في الإسلام، مثل الرحمة والعدل وتحقيق المصلحة العامة.
ويضع القرآن الكريم مبادئ صارمة تتعلق بحرمة النفس الإنسانية وإقامة العدالة. فالعقوبة والقصاص لا تُترك للأفراد أو الجماعات المسلحة، بل يجب أن تتم ضمن إجراءات قانونية عادلة ومشروعة. يقول تعالى:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
— المائدة: 45
كما يحذر القرآن من القتل العمد للمؤمنين:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
— النساء: 93
وتؤكد هذه الآيات خطورة العنف غير المشروع، كما تُبرز التزام القرآن بالعدل وضبط النفس وحرمة الحياة الإنسانية.
الاستعلاء على البشر
لا يجعل الله التفاضل الحقيقي قائمًا على العِرق، أو القبيلة، أو القوة، أو الثروة، أو الادعاءات الأيديولوجية بالتفوّق، بل يجعله قائمًا على الصدق، والتواضع، والتقوى، وحسن الخلق النابع من قلوب المؤمنين وأعمالهم. فالكرامة الإنسانية في الإسلام ترتكز على السلوك الأخلاقي، والرحمة، والتعاون، لا على الغرور أو التسلّط على الآخرين.
ويرى منتقدو الأيديولوجيات المتطرفة أن حركاتٍ مثل الوهابية كثيرًا ما تُنمّي عقلية الإقصاء والشعور بالتفوّق على الآخرين — سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين — من خلال الادعاء باحتكار الحقيقة الدينية، مع إدانة أو التقليل من شأن التفسيرات والتقاليد المختلفة. ويرون أن مثل هذه المواقف تُغذّي الانقسام والتعصّب والشعور بالاستعلاء، بدلًا من التواضع والتعايش والانفتاح الفكري.
إلا أن القرآن الكريم يقدّم رؤية مختلفة جذريًا للإنسانية؛ رؤية تقوم على التعارف والتعاون والاحترام المتبادل بين الشعوب والمجتمعات المتنوعة. يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
— الحجرات: 13
تُرسّخ هذه الآية مفهوم التنوع باعتباره وسيلةً للتفاهم والتعاون والتفاعل الإنساني السلمي، لا سببًا للعداء أو الشعور بالتفوّق. ووفقًا للرؤية القرآنية، فإن معيار التفاضل هو السمو الأخلاقي، والتواضع، والعدل، والعمل النافع، لا ادعاءات الاحتكار أو القسوة أو الهيمنة الفكرية على الآخرين.
معاقبة الناس وكأنهم مِلكٌ لهم
غالبًا ما تفترض الأيديولوجيات المتطرفة عمومًا — والوهابية في هذا السياق — سلطةً دينيةً على الناس، وكأن البشر وإيمانهم مِلكٌ لها. فهذه الحركات تسعى إلى وضع نفسها في موضع الحكم الإلهي، فتتصرف كقضاةٍ ومنفذين وحكّام نهائيين على عقائد الناس ونياتهم ومصيرهم الأخروي. غير أن القرآن يؤكد مرارًا أن السيادة والحكم والرحمة والعقاب هي لله وحده.
يقول الله تعالى:
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
— البقرة: 284
ومن خلال ادعاء السلطة في إدانة الناس ومعاقبتهم وفق أهوائهم وتفسيراتهم الخاصة، فإن المتطرفين يتجاوزون حدًّا جعله القرآن خاصًا بالله وحده. فادعاءاتهم بالتفوّق والسلطة الدينية لا تنسجم مع الروح القرآنية القائمة على الحكمة، والتواضع، والتعليم، والهداية الرحيمة.
ويذكّر الله نبيَّه محمدًا ﷺ بقوله:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾
— الأنعام: 107
وعليه، فإن دور المؤمنين ليس الإكراه أو الهيمنة أو فرض السيطرة على ضمائر الناس، وإنما تبليغ الحق بالحكمة والحوار الراقي.
ويقول الله تعالى أيضًا:
﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
— النحل: 82
فالله لم يمنح حتى النبي ﷺ سلطة التحكم بالناس أو إجبارهم على الإيمان، بل كانت مهمته تبليغ الرسالة بوضوح وحكمة ورحمة، بينما يبقى الحكم النهائي لله وحده.
ويقول تعالى:
﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾
— النساء: 80
وقد أوضح الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير أن الله أمر النبي ﷺ ألّا يفرض الدين على الناس بالقوة، بل أن يعلّم ويهدي ويبيّن الحق بوضوح، ثم يترك للإنسان حرية الاختيار والمسؤولية الأخلاقية عن قراره.
كما يحذر القرآن من ظلم الناس أو إقصائهم بغير حق:
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
— الأنعام: 52
وهنا يبرز سؤال عميق: على أي أساسٍ إسلامي تدّعي الأيديولوجيات المتطرفة السلطة على إيمان الناس وحياتهم، بينما لم يسمح الله حتى للنبي ﷺ بممارسة الإكراه على عقائد البشر؟ ويرى منتقدو هذه الحركات أنها مدفوعة بدرجة أقل بالهداية الروحية، وبدرجة أكبر بالسعي إلى النفوذ والهيمنة والقوة السياسية، حتى ولو كان ذلك على حساب كرامة الإنسان وحرية الضمير وقدسية الحياة.
اقرأ المزيد حول وباء الوهابية.
المغفرة والعقاب لله وحده
يُميّز القرآن بوضوح بين مسؤوليات الأنبياء وسلطة الله تعالى؛ فالأنبياء أُرسلوا لتبليغ الرسالة، أما الحكم النهائي والمغفرة والعقاب فهي لله وحده.
يقول الله تعالى مخاطبًا النبي محمدًا ﷺ:
﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
— الرعد: 40
وقد قصّ القرآن أخبار الأمم التي ظلمت الأنبياء وعاندت الهداية الإلهية، كغرق فرعون، وطوفان نوح، وهلاك قوم ثمود ولوط. إلا أن تنفيذ العقوبة في كل تلك الحالات كان من عند الله، لا من الأنبياء أو أتباعهم.
وتؤكد القصص القرآنية باستمرار أن أي إنسان لا يُمنح سلطةً مطلقة لمعاقبة الآخرين نيابةً عن الله وفق تفسيرات شخصية أو رغبات أيديولوجية. فالمحاسبة النهائية تبقى لله وحده، الذي عدله كامل، وعلمه محيط بكل شيء، ورحمته أوسع من أحكام البشر.
ظهور حزب الاخوان المسلمين وأيدولوجيته
إيذاناً بنهاية الإمبراطورية العثمانية الإسلامية وسقوطها في ١٩٢٣ كان سبباً مباشراً لكثير من علماء المسلمين في البحث لاستعادة أو إيجاد بديل للخلافة الإسلامية. من هؤلاء العلماء كان أبو العلاء المودودي المتوفي ١٩٧٩. المودودي احتفظ بمبدأ السلطوية من الفوق الى الأسفل في إعادة الامبراطورية الاسلامية. أي: اعادة الخلافة الاسلامية يبدأ من الرئيس إلى الأنظمة الحكومية وما دونهم.
المودودي تأثر بجمال الدين الأفغاني المتوفى ١٨٩٧، والذي أصر إلا أن تكون للمسلمين خلافة تمثلهم. إلا أن المنهج الفوقي التحتي يفتقر البنية التأسيسية والموضوعية. تفكير المودودي والافغاني كان منبثقاً من فلسفة مستقلة بهما، ولكنها بعيدة عن الموضوعية الإسلامية الحكيمة.
أما علماء الأزهر كالشيخ محمد عبده المتوفى ١٩٠٥ الذي كان ممن رأى أن بناء الامة يبدأ من تأصيل جذري للأجيال بشكل موسع وفياض في التربية الإسلامية الروحية النابعة من القلوب، والمواطنة بالتعاون مع جميع الفئات الدينية في المجتمع. وبكلمة أخرى باتباع نهج النبي (محمد) بثبات ويقين.
تبعاً لما قاله الدكتور علي جمعة، المفتي الأسبق لمصر، أنه في سنة ١٩٢٨، (حسن البنا) البالغ من العمر عندئذ ٢٢ سنة، بدأ بإنشاء حزب الاخوان المسلمين معارضاً لنصيحة مربيه الشيخ الصافي عميد دار العلوم في مصر في أن لا ينشق عن الأمة. لكنه مضى في مخالفة مربيه وغيره من العلماء وأسس الحزب. ومما ساعده على ذلك أنه كانت الأرض خصبة لتجنيد الكثير من الشباب لصفه. حيث لم يمضِ لاندثار الخلافة العثمانية إلا خمس سنوات. وأيضاً كان لوجود الإنجليز في مصر نفوذ عسكري وسياسي على الملك فاروق. فكان للوضع السياسي السيء أثر كبير في انطلاق الحزب؛ ولو كان على خطأ. وهكذا كان.
فنظام وقانونية الحزب مدفوعة بشكل رئيسي من منطق سياسي مبني على فلسفة المودودي والأفغاني، اللذان أعطيا الحُكومِيةَ والتحكم الأولوية أمام تأصيل التربية الإسلامية وإصلاح المجتمع كخطوة أولية في إصلاح الأمة. الدكتور علي جمعة وصف أيدلوجية الإخوان المسلمين أنها كالذي يعيد بناء الهرم بالمقلوب. هذا ربما لا يورث إلا الكوارث، وقد حصل.
هل لبناء بهذه العقلية الفوقية التحتية أن يبقى يوماً مستنداً على قدمه؟ يعول الدكتور خالد أبو الفضل على الأفغاني والمودودي، في كتابه، (السرقة الكبرى – الصراع لاستخلاص الإسلام من المغالين)، قائلاً: (ليس من المدهش أن كليهما، الأفغاني والمودودي لم يكونوا فقهاء في الدين). الكاتب يؤمن أن تنظيم وأيدلوجية الإخوان المسلمين هي حالة من حالات، (القوى السياسية الفاسدة) التي وصفها الدكتور أبو الفضل عند حديثه عن الانفلاق الشيعي السني.
(حسن البنا) ومن بعده (سيد قطب) كانوا على يقين أن الخلافة الإسلامية قد قضت، وأنه لا بد من إعادتها ولو بالاستيلاء على الحكومات، والتي اعتبروها كافرة، كنقطة أولى لِحِلِية محاربتها. وهكذا بدأ الحزب طريقه مبنياً على مبادئ غير شرعية، بعيدة عن منهج النبي (محمد) الإنشائي الإيجابي، ملتمسين طريقاً يخلو من تعبئة الإيمان في الصدور، والرشاد في العقول. المؤمنون الأصيلون والحقيقيون هم من ينشؤون ويتربون متعمقين في الروحانيات والاخلاقيات والتقوى.
في المقابل، أيدولوجيات الوهابية والإخوان المسلمين هي تماما خلاف ذلك، وما هي الا عمق سياسي لا روحانية فيه ولا رشد. فهو يفتقد المدربين الروحيين والحكماءَ ليعلموهم الحكمة والرشاد. ولكن في مجال السياسة فلربما هم الخبراء وشتان ما بين الاثنين.
فحص بسيط لقواعد وقانون الإخوان المسلمين يكشف عن منظمة سياسية مختبئة في حلة إسلامية. لهذه المنظمة جناح مسلح يعمل للقيام بالانقلابات والاغتيالات. للأسف، وجهت هذه المنظمة الشباب نحو تدين شكلي أجوف، ملون بالراديكالية والتكفير، وأقنعوهم أنهم إن لم ينقادوا ويطيعوا فهو ذنب كبير. منذ قيام حزب الاخوان المسلمين في ١٩٢٨، بدأت :أعمال عنفية متعاقبة أَخَلَّت بأمن الناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط وزعزعت استقراره. في الروابط التالية ألوان من التاريخ المظلم لهذا الحزب واعمال التخريب نذكر منها:
مجزرة مدرسة المدفعية في حلب والتي وقعت في 1979، وأسفرت عن مقتل 50 إلى 82 طالباً من طلاب المدرسة. ووفقًا لرواية الطليعة المقاتلة التي ذكرها أبو مصعب السوري عمر عبد الحكيم” في كتابه “الثورة الإسلامية الجهادية في سوريا”، قٌُتل 250 طالبا. تفجير الأزبكية. تفجير الأزبكية كان هجوم إرهابي بسيارة مفخخة هز حي الأزبكية المكتظ بالسكان في وسط دمشق، سوريا في1981. هذا الانفجار دمر ثلاثة مبان سكنية من خمسة طوابق، وقتل أكثر من 200 مدني ومن رجال الجيش.
https://alirhabi.wordpress.com/أخطر-الإرهابيين-الإسلاميين-في-العالم/
https://ar.wikipedia.org/wiki/تمرد_الإخوان_المسلمين_(سوريا)
http://internationalrelations.org/syria-muslim-brotherhood/
http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=أحداث_حماه_عام_1964
https://sites.google.com/site/syrianmuslimbrotherhood/
بشكل معيب، حزب الإخوان المسلمين خرب عقول الشباب واضلهم، سلب ما تحتاجه المنطقة، بشدة، من الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وجذور الاستقرار تكمن في الأمن. أيدلوجية الحزب حورت المعاني السامية للقرآن لخدمة أغراضها اللادينية. فالفوضى والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط لمئة سنة مضت، ما هو إلا انعكاس لسياسة الحزب التخريبية الفوقية التحتية. الدول الاسلامية الأخرى والتي لم تدخلها الأيديولوجية الإخوانية والوهابية الهدامة، كماليزيا وإندونيسيا وتركيا والمغرب العربي، تتمتع بتقدم ملحوظ في التكنولوجيا والزراعة، والمنشآت التحتية.
عدم جواز الجماعات المسلحة شبه العسكرية
إن وجود جماعات مسلحة شبه عسكرية تعمل داخل المجتمع يُشكّل تهديدًا خطيرًا للسلم العام، والأمن، والاستقرار الاجتماعي. فمثل هذه الجماعات يمكن أن تتحول بسرعة إلى أدوات للترهيب، والإكراه، والعنف، لا سيما عندما تُواجَه أهدافها السياسية أو الأيديولوجية بالتحدي. كما أن التنظيمات السياسية المسلحة التي تعمل خارج المؤسسات العامة الشرعية قد تؤدي إلى زعزعة أنظمة الحكم، وتقويض الثقة المدنية، ونشر حالة واسعة من انعدام الأمن — وهو ما سمّاه القرآن فسادًا.
ويمكن أيضًا فهم عدم جواز مثل هذه الفصائل المسلحة داخل الأمة الإسلامية من خلال السوابق التاريخية في صدر الإسلام.
فعلى سبيل المثال، واجه النبي محمد ﷺ التهديد الذي شكّلته قبيلتا بني النضير وقريظة بعد أن عرّضت أفعالهما استقرار وأمن المجتمع في المدينة للخطر. وكذلك، بعد الصراعات مع قبائل خيبر، أُبرمت اتفاقيات هدفت إلى تقليل احتمالات زعزعة الاستقرار المسلحة مستقبلًا، وإعادة النظام العام والمصالحة.
وبالمثل، قام عمر بن الخطاب بنقل بعض الجماعات من نجران إلى العراق استجابةً لمخاوف تتعلق بعدم الاستقرار السياسي والمجتمعي، سعيًا للحفاظ على الأمن القائم — الأمن، والاستقرار، والنظام العام — ومنع الفساد (الاضطراب والفساد الاجتماعي).
وتُظهر هذه الأمثلة التاريخية مدى الأهمية التي أُعطيت للحفاظ على الأمن المجتمعي، ومنع الانقسام الداخلي، وحماية المجتمع من زعزعة الاستقرار المسلحة والاضطرابات المدنية في نظام الحكم الإسلامي.
ويرى منتقدو الحركات المتطرفة مثل الوهابية وبعض الفصائل المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أن السعي إلى السلطة الأيديولوجية والسياسية من خلال العنف، والعسكرة، والاستقطاب الاجتماعي، ساهم في نشر عدم الاستقرار والانقسام وفقدان أعداد لا تُحصى من أرواح المدنيين في أجزاء من العالم الإسلامي. ويجادلون بأن مثل هذه الحركات قوّضت وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها من خلال تقديم الهيمنة الأيديولوجية على الانسجام الاجتماعي، والتعايش، والإصلاح السلمي.
انتهاكات جسيمة للتعاليم الإلهية
يرى المنتقدون أن الحركات المتطرفة مثل الوهابية وبعض الفصائل المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين قد انحرفت عن التعاليم الإسلامية الأساسية في عدة مجالات رئيسية، من بينها:
قدسية الحياة الإنسانية
الحفاظ على وحدة المجتمع وتجنب الفساد
حماية السلم والأمن العام
أ) قدسية الحياة الإنسانية — تحريم القتل التعسفي
يؤكد القرآن الكريم مرارًا على قدسية الحياة الإنسانية وحرمتها. ويُعد حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، بينما يُعتبر قتل الإنسان بغير حق من أعظم الكبائر.
يقول الله تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
— المائدة: 32
كما يفرّق القرآن بين القتل الخطأ والقتل العمد، ويضع عواقب قانونية وأخلاقية وروحية صارمة لأخذ حياة الإنسان ظلمًا:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً…﴾
— النساء: 92
ثم تواصل الآية بيان إجراءات التعويض، والتوبة، والعتق، والمصالحة، المصممة لحفظ العدالة، والمساءلة، والكرامة الإنسانية.
ثم يوجّه القرآن تحذيرًا شديدًا ضد القتل العمد:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
— النساء: 93
وتُظهر هذه الآيات مدى الجدية البالغة التي يتعامل بها الإسلام مع حماية الحياة الإنسانية. فالإطار القرآني لا يطبع العنف، أو العدالة الفردية، أو سفك الدماء العشوائي، بل يؤسس للعدالة، والإجراءات القانونية، والمساءلة، وضبط النفس.
ويرى منتقدو العنف المتطرف أن المجازر الجماعية، والهجمات العشوائية، وأعمال الوحشية التي ارتُكبت في مناطق مختلفة — بما في ذلك أجزاء من سوريا والعراق واليمن — تتعارض بصورة مباشرة مع هذه التعاليم القرآنية. فقد كان الناس العاديون في هذه المجتمعات يسعون تاريخيًا إلى حياة هادئة تقوم على العبادة، والأسرة، والعمل، وخدمة المجتمع، بينما جلب العنف المتطرف الدمار، والنزوح، والمعاناة الإنسانية الهائلة.
تحريم الفتك- التأمر والقتل والدمار
تُعد الشجاعة، والصدق، والنزاهة الأخلاقية من أبرز صفات المؤمنين الحقيقيين. وقد رفض النبي محمد ﷺ بشكل قاطع الغدر، والاغتيال، وأعمال العنف الخفية حتى ضد أعدائه. فعندما اقترح بعض الأشخاص في المدينة اغتيال بعض زعماء قريش سرًا، أجاب النبي بحزم:
«إِنَّ الإِيمَانَ قَيْدُ الْفَتْكِ، لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ»
— الإمام أحمد بسند صحيح
ويشير مصطلح «الفتك» في اللغة العربية إلى أعمال القتل أو التدمير الغادرة والخفية التي تُنفَّذ بالخداع والخيانة. وتشمل معانيه الاغتيال، والتسميم، والتخريب، وخيانة الأمانة، والقتل السري، والمؤامرات التدميرية، وغيرها من أشكال العدوان الخفي الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بالآخرين بغير حق.
ويؤسس هذا التعليم النبوي لمبدأ أخلاقي مهم في الإسلام: فالمؤمنون غير مسموح لهم بتحقيق أهدافهم من خلال الغدر أو الخداع أو العنف السري. فالمنهج القرآني والنبوي في التعامل مع النزاعات يقوم على الصدق، والشجاعة الأخلاقية، والوضوح، والحوار الفكري، لا على أعمال التدمير الجبانة.
وقد علّم النبي ﷺ أن الخلافات والنزاعات ينبغي أن تُعالَج بالحوار، والحكمة، والعدل، والانخراط العلني في القضايا الإنسانية المشتركة. أما اللجوء إلى التخريب، والإفساد، والإرهاب، وتدمير الأرواح والممتلكات، فلا يُعد شجاعة ولا بطولة، بل يُعد من صور الفتك — أي الأعمال الغادرة التي تنتهك الأسس الأخلاقية للإسلام وتقوّض السلم والأمن العام.
التحريم القرآني للحروب الاهلية ولتعريض المؤمنين الأبرياء للخطر
يرى المنتقدون أن اتهامات الشرك والكفر التي استخدمتها الأيديولوجيات المتطرفة كثيرًا ما استُعملت ذريعةً للعنف والهيمنة السياسية بدلًا من كونها تطبيقات منضبطة للتعاليم الإسلامية. وفي هذا السياق، وضع شخصيات مثل محمد بن عبد الوهاب، ثم الحركات الأيديولوجية اللاحقة المتأثرة بالتفسيرات المُسيَّسة للدين، أنفسهم في موضع الأوصياء على الدين والمجتمع المسلم. ويرى المنتقدون أن مثل هذه الادعاءات تتعارض مع المبادئ القرآنية القائمة على الرحمة، وضبط النفس، وحفظ النفس والأمن العام.
ويُظهر القرآن عنايةً عظيمة بحماية الأرواح البريئة — حتى في أوقات النزاع. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وقع أثناء صلح الحديبية، عندما منعت قريش المسلمين من دخول مكة لأداء العمرة في المسجد الحرام.
فعلى الرغم من عداء مشركي مكة، نهى الله المسلمين عن بدء القتال لأن رجالًا ونساءً مؤمنين كانوا لا يزالون يعيشون داخل مكة. وكان لا بد من حماية حياتهم، حتى وإن استلزم ذلك تأجيل النصر العسكري وتحمل استمرار المنع والاضطهاد.
قال الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾
— الفتح: 24
وتذكر الروايات التاريخية أنه قبيل إبرام صلح الحديبية، هاجمت مجموعة من مقاتلي قريش معسكر النبي ﷺ، فتمكن المسلمون من أسرهم. ومع ذلك، وبعد إتمام الصلح، أُطلق سراح الأسرى دون أذى، في تجسيد لالتزام النبي ﷺ بالمصالحة وضبط النفس بدلًا من الانتقام.
ثم يوضح القرآن الحكمة الإلهية وراء منع القتال في ذلك الوقت:
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ…﴾
— الفتح: 25
ففي ذلك الوقت، كان هناك رجال ونساء في مكة قد أسلموا سرًا، لكنهم لم يتمكنوا من الهجرة علنًا إلى المدينة بسبب اضطهاد قريش، وكانت هوياتهم مجهولة لدى كثير من المسلمين. ولو اندلع القتال، لربما قُتل هؤلاء المؤمنون الأبرياء دون قصد.
ولهذا، منع الله الحرب — حتى ضد قوى وثنية معادية — حفاظًا على الأرواح البريئة ومنعًا لسفك الدماء ظلمًا. وقد أرست هذه الحادثة القرآنية التاريخية مبدأً أخلاقيًا عالميًا: وهو أن حماية الحياة الإنسانية واستقرار المجتمع مقدَّمان على الانتقام، والغزو، والحروب المنفلتة.
ثم تتابع الآية:
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
— الفتح: 25
وتُظهر هذه الآية أن الحكم النهائي لله وحده، بينما يُؤمر المؤمنون بالتصرف بضبط النفس، والعدل، والمسؤولية الأخلاقية.
وفي ضوء هذه المبادئ القرآنية الواضحة، يتساءل المنتقدون: كيف استطاعت الحركات المسلحة اللاحقة أن تبرر حملات عنيفة ضد مجتمعات مسلمة في أنحاء الجزيرة العربية — بما في ذلك داخل المناطق المقدسة في مكة والمدينة — مع ادعاء الانتساب إلى المنهج النبوي؟
كما تُبرز رواية رواها جنيد بن صبيح هذا المعنى بوضوح، حيث قال:
«قاتلتُ رسولَ الله ﷺ أول النهار كافرًا، وقاتلتُ معه آخر النهار مسلمًا، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾، وكنا تسعة: سبعة رجال وامرأتان.»
— رواه أبو يعلى والطبراني
وتُبرز هذه الرواية عناية القرآن بحماية حتى المؤمنين المجهولين الذين يعيشون بين جماعات معادية، كما تعكس منهجًا نبويًا قائمًا على الرحمة، وضبط النفس، وصيانة الحياة الإنسانية، لا على العنف العشوائي والتدمير.
ب) الانحراف عن الأمة الإسلامية
يرى المنتقدون أن الحركات المتطرفة، مثل بعض الفصائل المرتبطة بالوهابية وجماعة الإخوان المسلمين، لم تلتزم بالأمر القرآني بالحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها. وكما نوقش سابقًا في «قصة موسى وهارون — تحطيم المجتمع بوصفه فسادًا ودمارًا اجتماعيًا»، فإن القرآن يعتبر الانقسام المجتمعي، والتفكك، والخلاف الداخلي من صور الفساد التي تهدد استقرار المجتمع ورفاهيته.
ويؤكد القرآن بشدة على الوحدة ويحذر المؤمنين من التفرّق والانقسام الطائفي. يقول الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
— آل عمران: 103
وتؤسس هذه الآية للوحدة، والتعاون، والتضامن الاجتماعي باعتبارها مبادئ مركزية في الحياة الإسلامية. كما تُقدَّم المحافظة على الانسجام المجتمعي بوصفها واجبًا دينيًا وأخلاقيًا يحفظ قوة المجتمع المسلم واستقراره.
كما شدد النبي محمد ﷺ على أهمية الوحدة وحذر من السلوكيات التي تؤدي إلى الانقسام والتفكك داخل المجتمع. فقد رُوي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:
«إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار.»
— رواه أهل السنن
ويُبرز هذا التعليم النبوي الأهمية الروحية والاجتماعية للحفاظ على وحدة المجتمع، والشورى، والاستقرار الجماعي، بدلًا من تعزيز التطرف الفكري، والتحزّب، والصراع الداخلي.
وفي دعمه لوحدة المسلمين، يوضح الدكتور علي جمعة أن الإنسان إما أن ينتمي إلى الأمة الإسلامية بوصفها جماعة موحدة، أو أن يعزل نفسه داخل فصيل أيديولوجي خاص؛ ولا يمكن للمنهجين أن يتعايشا بسلام. ويرى أن تبني هوية حزبية مميزة — مثل تسمية حركة ما بـ«الإخوان المسلمين» — قد يؤدي إلى خلق انقسام داخل المجتمع الإسلامي الأوسع، من خلال الإيحاء بالحصرية بدلًا من الوحدة والانتماء المشترك.
ومن هذا المنظور، فإن الحركات التي تُعمّق الانقسام، والعداء، والاستقطاب، تخاطر بتقويض الأسس الاجتماعية والأخلاقية ذاتها التي يسعى القرآن إلى حمايتها من خلال مبادئ الأمن، والرحمة، والتضامن المجتمعي.
ت) الإخلال بالأمن وتكدير التحضر— الأمن
يُعد الأمن — السلامة، والاستقرار، والسلام — من الركائز الأساسية لأي مجتمع مزدهر ومتقدم. فهو الشرط الذي يسمح للمجتمعات بالنمو، وللحضارات بالتطور، وللقدرات الإنسانية بالازدهار. ومن دون الاستقرار والأمن، لا تستطيع المجتمعات الحفاظ على تقدم اقتصادي، أو سياسي، أو فكري، أو ثقافي حقيقي.
ويعتمد نمو الحضارة على أسس اجتماعية، واقتصادية، وتعليمية، وسياسية بنّاءة. ولذلك، يدعو القرآن البشرية إلى الصلاح، والعمل النافع، والتحسين المستمر للحياة. ويصف الله صفات المؤمنين الصادقين بقوله:
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ۖ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
— آل عمران: 114
وتقدّم هذه الآية المؤمنين بوصفهم مساهمين في رفاه الإنسان، والتقدم الأخلاقي، وتحسين المجتمع. ومن ثم، فإن الإيمان الحقيقي ليس سلبيًا أو هدّامًا، بل هو منتج، وأخلاقي، ونافع للمجتمع.
وفي موضع آخر عميق الدلالة، يؤكد القرآن على التأمل، والبحث الفكري، وتطوير الفهم الإنساني:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
— ص: 29
يُبَيِن الدكتور عبد الواحد وجيه الخبير بألفاظ القرآن أن، (التدبر هو أعلى مراتب التفكير. يسبق التدبر التفكر والتمعن. أي أن مقدار التدبر هو أن تغوص أغوار الأمور وتأتي بالجديد). الله تعالى يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82، ومحمد: 24]
فالقرآن مرارًا يشجع على التفكر، والبحث، والحكمة، وطلب العلم. ومن خلال الوعي الروحي والتعليم المحرِّر، تنمّي المجتمعات الإبداع، والابتكار، والمسؤولية الأخلاقية، والتقدم المستدام.
وعندما تُقيم الأمم الأمن، والعدل، والمؤسسات المستقرة، فإنها تخلق الظروف اللازمة للتقدم في التعليم، والعلوم، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والتنمية البشرية. وبهذا المعنى، يصبح الأمن البوابة التي تحقق من خلالها البشرية مسؤوليتها التي منحها الله لها في عمارة الأرض وتطوير الحياة عليها.
وهكذا، فإن الرؤية القرآنية للمجتمع ترتبط ارتباطًا عميقًا بالسلام، والأمن، والنمو الفكري، والتعاون الإنساني البنّاء. وأي أيديولوجية أو حركة تنشر الخوف، أو العنف، أو عدم الاستقرار، أو التفكك الاجتماعي، فإنها تقوّض الأسس ذاتها التي تُبنى عليها الحضارات السليمة.
المحجة البيضاء
أعمال الجبن هي عجز وضعف
مواجهة الغريم والعدو والدخول معه في نقاش صريح ورشيد حول الأمور المختلف عليها للوصول إلى حل مشترك وعادل، هو طريقة نبيلة من طرق رسول الله صلوات الله عليه كما في صلح الحديبية. أما التدمير والاغتيال والخراب هي من أعمال الفتك الشنيعة الغير مشروعة.
.ما يلي قائمة ببعض أسماء الأشخاص التي اغتيلت من قبل الإخوان المسلمين في مصر وسورية
أهم الاغتيالات في مصر
أحمد ماهر باشا – رئيس الوزراء، أحمد الخازندار – قاضي، محمود فهمي النقراشي باشا – رئيس الوزراء، محمد حسين الذهبي– وزير الأوقاف الأسبق، محمد أنور السادات – رئيس الجمهورية، هشام بركات – النائب العام، فرج فودة – كاتب ومفكر، رفعت المحجوب – رئيس مجلس الشعب.
https://ar.wikipedia.org/wiki/قائمة_الاغتيالات_في_مصر
أهم الاغتيالات في سورية
هذه قائمة مُصغّرة بأبرز الشخصيات المُغتَالة من عام 1976 وحتى 1979
قائد مدينة حماة العقيد علي حيدر قُتل في تشرين الأول/أكتوبر 1976
رئيس جامعة دمشق الدكتور محمد الفضل قُتل في شباط/فبراير1977
قائد السلك الصاروخي ، العميد عبد الحميد رزوق قُتل في حزيران/يونيو 1977
عميد أطباء الأسنان السوريين الدكتور إبراهيم نعمة قُتل في آذار/مارس 1978
مدير شؤون الشرطة في وزارة الداخلية العقيد أحمد خليل قتل في آب/أغسطس 1978
المدعي العام عادل ميني من محكمة أمن الدولة العليا قُتل في نيسان/أبريل 1979
طبيب الرئيس حافظ الأسد الدكتور محمد شحادة خليل قُتل في آب/أغسطس 1979
الجزء الرابع: العهد في بناء الأرض
أمانة عمارة الأرض التي منحها الله للإنسان
يوجّه القرآن الكريم البشرية نحو الازدهار، والنمو، وتطوير الحياة. فقد منح الله الإنسان العقل، والإبداع، وحرية الاختيار، والقدرة على بناء الحضارة. وفي كثير من التقاليد الدينية، يُنظر إلى الإنسان بوصفه خليفة الله أو أمينه في الأرض، وقد أوكلت إليه مسؤولية إعمار الحياة، وتحسينها، والمحافظة عليها.
يقول الله تعالى:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
— هود: 61
تُقدّم هذه الآية بناء الحضارة، والتنمية، وعمارة الأرض باعتبارها مسؤوليات مقدسة أُوكلت إلى الإنسان. فلم يُخلق البشر لنشر الدمار والفساد، بل للمساهمة في تنمية الرفاه، والاستقرار، والجمال، والازدهار في العالم من حولهم.
وقد سخّر الله، برحمته، موارد السماوات والأرض للإنسان لكي يسعى نحو التقدّم، والاكتشاف، والحياة الكريمة. يقول تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
— الجاثية: 13
ويشجّع القرآن مرارًا على التفكر، والبحث الفكري، والإبداع، والانخراط البنّاء مع العالم. فمن خلال منح الإنسان العلم، والوعي، والقدرة على التفكير، فتح الله للبشرية باب تطوير العلوم، والزراعة، والبنية التحتية، والطب، والتكنولوجيا، والتعليم، وكل أشكال التقدم الإنساني النافع.
وفي الوقت نفسه، يعلّم القرآن أن الإنسان مسؤول أخلاقيًا عن كيفية استخدامه لهذه النعم والقدرات. يقول الله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
— الأنعام: 165
ويقول سبحانه أيضًا:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
— يونس: 14
وتؤسس هذه الآيات لمبدأ أن القيادة، والقدرة، والثروة، والعلم، والقوة، كلها صور من الأمانة والمسؤولية. ومن ثم، فإن التقدم الإنساني لا ينفصل عن الأخلاق، والرحمة، والعدل، والمسؤولية الاجتماعية.
كما يمدح القرآن المجتمعات التي تكرّس نفسها للصلاح، والإصلاح الأخلاقي، والعمل النافع:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ۖ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
— آل عمران: 113–114
ومن ثم، فإن الرؤية القرآنية للصلاح ترتبط ارتباطًا عميقًا بالفعل البنّاء، والسمو الأخلاقي، والسعي المستمر نحو تحسين المجتمع.
وقد أكّد علي بن أبي طالب على أهمية النمو الشخصي والمجتمعي المستمر حين قال:
«المغبون من استوى يوماه.»
وكانت حكمته تشجّع المؤمنين على السعي نحو التحسن والتقدم إلى غدٍ أفضل بدلًا من الجمود والتراجع.
وكذلك علّم النبي محمد ﷺ درسًا خالدًا في الأمل، والمثابرة، والعمل البنّاء حين قال:
«إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.»
— رواه أحمد والبخاري
ويعكس هذا التعليم العميق تركيز الإسلام على الإنتاجية، والتفاؤل، والعناية بالبيئة، والإسهام الإيجابي في الحياة، حتى في أشد الظروف صعوبة.
انظر مقالنا: «الابتكارات: جزء لا يتجزأ من حياة المسلم».
الثورات اللاعنفية والتغيير السلمي
عبر التاريخ الحديث، سعت كثير من الحركات الاجتماعية والثورات التحويلية إلى تحقيق الإصلاح السياسي والمجتمعي من خلال وسائل غير عنيفة. وتشير دراسات حركات المقاومة المدنية إلى أن نسبة كبيرة من الثورات الناجحة اعتمدت أساسًا على الاحتجاج السلمي، والعمل المدني، والحوار، والمقاومة اللاعنفية، بدلًا من الصراع المسلح.
وتعكس هذه المناهج — عن قصد أو بغير قصد — مبادئ تتوافق مع المنهج النبوي في السعي إلى التغيير المجتمعي الإيجابي من خلال الصبر، والمثابرة، والحكمة، وتقليل الأضرار. وقد حققت الحركات اللاعنفية في كثير من الأحيان إصلاحات حقيقية، مع تجنب التكاليف الإنسانية المدمّرة المرتبطة بالحروب، والتمردات المسلحة، وانهيار المجتمعات.
يمكن العثور على قائمة بهذه الثورات غير العنيفة هنا.
الكلفة الإنسانية للحروب الأهلية
لقد حصدت الحروب الأهلية والثورات العنيفة ملايين الأرواح عبر التاريخ، وأنتجت معاناة إنسانية لا تُقدَّر بثمن. فإلى جانب ضحايا ساحات القتال، كثيرًا ما تعاني المجتمعات من المجاعة، والنزوح، والأمراض، والانهيار الاقتصادي، والصدمات النفسية، وتدمير المؤسسات الاجتماعية.
وتُظهر الدراسات التاريخية للصراعات المسلحة أن معاناة المدنيين كثيرًا ما تتجاوز خسائر الجيوش. فلكل مجموعة من الجنود الذين يُقتلون في المعارك، قد يموت عدد أكبر بكثير من المدنيين بسبب النتائج غير المباشرة للحرب، مثل الجوع، ونقص الرعاية الطبية، والنزوح، والانهيار المجتمعي.
وتُعد النتائج المدمرة للثورات العنيفة والصراعات الأهلية تذكيرًا قويًا بتأكيد القرآن على حفظ الأمن — الاستقرار، والسلام، والوئام الاجتماعي — باعتبارها أسسًا ضرورية لازدهار الإنسان وبناء الحضارة.
http://internationalrelations.org/syria-muslim-brotherhood/
http://www.rationalrevolution.net/articles/casualties_of_war.htm
http://ultimatehistoryproject.com/executions-the-guillotine-and-the-french-revolution.html
https://www.civilwar.org/learn/articles/civil-war-casualtie
الخاتمة — نداء إلى أصحاب العقول الواعية
أختتم هذا العمل بنداءٍ صادقٍ إلى الناس في كل مكان — على اختلاف الأمم والثقافات والخلفيات والتقاليد الدينية — أن يتبنّوا ويدعموا المبادرات التي تُنمّي السلام، والأمن، والعدل، والكرامة الإنسانية في جميع مجالات الحياة.
إنَّ القرآن الكريم وسنّة النبي محمد ﷺ يقدّمان توجيهًا أصيلًا وخالدًا لحفظ الأمن والسلام والوئام الاجتماعي بين جميع البشر، مسلمين وغير مسلمين على حدّ سواء. فتعاليمهما تدعو الإنسانية إلى الرحمة، والحكمة، والتعاون، والمسؤولية الأخلاقية، والبناء الحضاري البنّاء.
وفي العصر الحديث، ينبغي للمؤسسات التعليمية، والعلماء، والمنظمات المدنية، والمجتمعات أن تُحسن استخدام التكنولوجيا المعاصرة، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل العالمية؛ لإحياء ونشر التعاليم الأصيلة السائدة للإسلام — تلك التعاليم القائمة على الرحمة، والعلم، والتعايش، وحماية الحياة الإنسانية.
ويرى المؤلف أن التغلّب على الاستبداد، والتطرّف الأيديولوجي، وما وصفه خالد أبو الفضل بـ«السلطة السياسية الفاسدة»، يُعدّ ضرورةً أساسيةً لاستعادة الرسالة الأخلاقية والروحية للإنسان بوصفه خليفةً في الأرض. فالسعي إلى الحقيقة، والعدل، وازدهار الإنسان في ظل السلام، يظلّ الرؤية المركزية والغاية الأساسية لهذا العمل.
وينادي الله تعالى البشرية بقوله:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
— العصر: 3
كما يدعو القرآن المؤمنين إلى الاستجابة لهداية الله ورسوله التي تُحيي الإنسان:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
— الأنفال: 24
نسأل الله أن تختار الإنسانية طريق الحكمة بدلًا من الكراهية، والمصالحة بدلًا من الانقسام، والرحمة بدلًا من العنف، والحق بدلًا من التطرّف. ومن خلال السلام، والعلم، والعدل، والشجاعة الأخلاقية، تستطيع المجتمعات أن تؤدي الأمانة التي حمّلها الله للإنسان في عمارة الأرض وحفظ الحياة عليها.
المصادر
The Great Theft: Wrestling Islam from the Extremists
خالد أبو الفضل، السرقة الكبرى: استعادة الإسلام من أيدي المتطرفين، دار هاربر كولينز للنشر، نيويورك، الولايات المتحدة، 2007.
مغازي الواقدي (2/ 804): عَنْ عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قَالَ: لَمّا سَارَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَرْجِ، فَكَانَ فِيمَا بَيْنَ الْعَرْجِ وَالطّلُوبِ [الطلوب: ماء فى الطريق بين المدينة ومكة. (معجم ما استعجم، ص 454)]، نَظَرَ إلَى كَلْبَةٍ تَهِرّ عَلَى أَوْلَادِهَا وَهُمْ حَوْلَهَا يَرْضَعُونَهَا، فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ جُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ أَنْ يَقُومَ حِذَاءَهَا، لَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ مِنْ الْجَيْشِ وَلِأَوْلَادِهَا.
Recommended Posts
هضم الحقوق الأمنية للإنسان ظلم وفساد
September 8, 2024
قراءة في الإعلام ودوره في بناء الفكر الإنساني
February 4, 2022
الإسلام يحترم العلم في حركته المتطورة
January 9, 2022


