\



حياة النبي محمد صلوات الله عليه واكتمال الاسلام



حياة النبي محمد ﷺ واكتمال الاسلام


 

 
المؤلف فيصل صالح برهان
تاريخ النشر بالانكليزية 2020
تاريخ النشر بالعربية 2022

تقديم
هذه رسالةٌ إلى كل إنسان، وبالأخص المسلم منهم، تعرضُ الدينَ كرسالةٍ نظريةٍ، وتطبيقيةٍ وواقعيَّةٍ، تحاكي طبيعةَ الحاجاتِ البشريةَ سواء في القرنِ السابعِ أو القرنِ الحادي والعشرينَ، بحيث تُعطي نتيجةً إصلاحيَّةً في كلِّ الأوقاتِ. قال الله تعالى مخاطبًا رسولهَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67]. ويكونُ تبليغُ الرسالةِ بمطابقةِ الكلامِ لحالِ السامعِ، كما عرَّفها الدكتور عبد الواحد وجيه، رئيسُ مؤسسةِ التوجيهِ والبحوثِ العلميةِ، حيثُ قالَ: «علمُ البلاغِ هو أن يكونَ الكلامُ مطابقًا لحالِ السامعِ».
وهكذا، فإنَّ القرآنَ، وبكلمةِ «بَلِّغْ»، يحملُ طريقةً ساميةً وأبديةً تتضمنُ تبليغَ الخطابِ الدينيِّ بلسانِ العصرِ ولغتِهِ. ولقد أَوْضحْنَا هذه الميزةَ لكتابِ اللهِ تعالى في الفقرةِ: «تبليغُ الرسالةِ بما يُطابقُ حالَ المُبَلَّغِ»، ومن هذا المنطلقِ، ونتيجةً للتطبيقِ الواقعيِّ لآياتِ القرآنِ في الحياةِ العمليةِ لرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فإنَّ رسالةَ هذا الكتابِ تلقي الضوءَ على التطبيقِ العمليِّ للنبيِّ لمفهومِ التبليغِ، الذي استطاع من خلاله إخراجَ هذه الأمةِ من أزماتها وضعفها، ليجعلها خيرَ أمة أُخْرِجَتْ للناسِ علمًا وعملًا وروحًا.
فيصل صالح برهان

 

مواضيع الكتاب

 

الجزء الأول

تمهيد
النبي محمد ﷺ ورسالته
ولادة النبي ﷺ
محمد الصادق الأمين
جنـوح النبي للسلام
الوثنية ووأد البنات
إنسانية النبي
محبة الرسول ﷺ لعمل الخير
نزول الوحي
هل آمنت خديجة بنبوة رسول الله قبل أن يؤمن هو نفسه بها؟
بعض المبادئ القرآنية:
أ- شمولية الإسلام للشرائع السماوية
ب- صلاحية القرآن وعالميته
ت- مرونة الرسالة
ث- تبليغ الرسالة بما يطابق حال المبلَّغ
ج- نشوء علم البلاغة
رأي وتوصية
ح- إقامة العدل
خ- تشييد التقوى والابتعاد عن الإبليسية
د- تحـتيم الحرية
ذ- حرية الاعتقاد
ر- تعاون الناس بعضهم مع بعض
ز- الحض على الرحمة
س- الرحمة الاستباقية والتفاعلية
ش- الله هو الرحمن الرحيم
ص- حرمة النفس البشرية
ض- فصل الدين عن الدولة
ط- الرقابة من مهام السلطة التنفيذية

الجزء الثاني

استشعار الخطر
تأسيس قاعدة جماعية واسعة 610 م
معاداة قريش للمسلمين وإيذاؤهم 610-613 م
الانفتاح والوضوح سبيل محمد الأمثل
الإصرار على الحلول السلمية وأمن المجتمع
تحقيق الأمن والسلام
الجهر بالدعوة
الإسلام والعالم
ملجأ آمن عند ملك مسيحي 615/616 م
إقصاء محمد ﷺ وعشيرته إلى المنفى 616-619 م
زيارة الوفد المسيحي 619 م
وفاة عم النبي وزوجته 619 م
الهجرة إلى الطائف 620 م
الرشد في تسيير العمل
اللقاء مع حجاج يثرب وبيعة العقبة الأولى 620 م
بيعة العقبة الثانية 621 م
قيادة رسول الله ﷺ وفصل الدين عن الدولة
معجزة الإسراء إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماء 621 م
رسول الله يرفض السلطة
هجرة المسلمين إلى يثرب 613 م
هجرة النبي نموذج في التخطيط والتأني 623 م
خطة نجاة محكمة
الخيبة الكبرى
تطوير المدينة المنورة
بناء المسجد النبوي
عقد اتفاقية صلح بين الأوس والخزرج
تكليف مشروع صحي
إقامة مؤاخاة مؤقتة بين المهاجرين والأنصار
تطوير المياه ونظام الري
تأسيس دستور المدينة
الوسط السياسي في المدينة
استراتيجية البقاء على الحياة
الإذن بالدفاع عن النفس 623 م
حظر الاضطهاد الديني
حكم قتل المرتد بدعة
وفي معرض شرحه لقصة البدوي، قال المالكي
المفهوم الخاطئ للجهاد
وماذا عن الحرب في الإسلام؟

الجزء الثالث

تعطيل الأمن الذي وهبه الله للناس هو ظلم وفساد
غزوة بدر 624 م
نهج رسول الله التشاوري والعقلاني في غزوة بدر
الأسطورة: المسلمون يدخلون الجنة بقتل المسيحيين أو اليهود
نبوءة من الكتاب المقدس
النفاق
غزوة أحد 625 م
رحمة ﷺ حتى في أرض المعركة
أزمة الأيتام وتعدد الزوجات
غزوة ذات الرقاع 624 م
محمد يستجوب أمر الطيور المزعوجة
معركة الأحزاب أو الخندق 627 م
مماثلة مبدأ الشورى في الإسلام للديمقراطية
استفزازات قريش والإجراءات الإسلامية الوقائية لعدم وقوع الحرب
تآمر الرجيع وبئر معونة 625 م

الجزء الرابع

الشريعة الإسلامية
الشورى ومن ثم الديمقراطية في الشريعة الإسلامية
خطاب التنصيب
نقلاً عن موسوعة بريتانيكا
الجمال والعقل جزءان لا يتجزآن من الإيمان
الغلو – لا إفراط ولا تفريط في الدين
حرية الاعتقاد
مبدأ لا سلطة على المعتقد
حالة المرأة والتجديد
تقدير رسول الله ﷺ لمشاعر المرأة
سعي رسول الله ﷺ إلى السلام
العمرة فرصة للصلح 628 م
المصالحة بوابة نصر إلهي
صلح الحديبية 628 م
اتفاقية السلام
المعاهدات السياسية تبطل ما دونها
التواصل الرباني – التفاوض والمصالحة
ما بعد الحديبية – الاستقرار مبدأ ديني أساسي
استيفاء شرط العمرة 629 م
التفسير الخاطئ للآيات التي تتناول قضية لها ظروفها التاريخية
خطوة احترازية لهجوم من قريش خلال عمرة القضاء
مصلحة الإسلام تعلو على غيرها من المصالح
بناء علاقات إيجابية وإزالة العداوة – زواج النبي من إحدى أشراف قريش
قدسية النفس الإنسانية
غزوة الميفعة 629 م
معركة خيبر 629 م
إلقاء نظرة على زواج النبي
منع التسلح شبه العسكري
السمو والتعالي – النبي يتزوج من سيدة يهودية، صفية
المسلمون أطلقوا سراح أسراهم اليهود تشريفًا لزوج النبي صفية اليهودية
توسع دعوته دبلوماسياً 629 م
اختيار السفراء

الجزء الخامس

قبول واسع النطاق للإسلام في الجزيرة العربية
رد فعل عدائي للإسلام من الخارج
الحرب مع البيزنطيين
الأعمال العدائية المسيحية ضد المسلمين
معركة ذات السلاسل 630 م
قريش تنقض عهد الحديبية 629 م
فتح مكة 630 م
عبقرية النبي محمد تظهر في فتح مكة وبنفس الوقت إبقاؤه على السلام وأمن الناس
الخطة السرية والتنفيذ السري
ستة رؤى في شخصية النبي من خلال فتح مكة:
1- تغيير مسير الجيش البالغ عشرة آلاف مقاتل بغية كلبة وجرائها
2- النبي محمد لم يسلب زعامة مكة من قريش
3- إطفاء شرارة العنف والقتال على أبواب مكة
4- الدين والمصلحة العامة متلازمان
5- مشعلي الحروب لم يُتركوا بلا عقاب
6- من قضاء النبي النظر إلى تاريخ المجرم قبل إصدار العقوبة
معركة حنين 630 م
أغنية من صفاء الروح الإنسانية
نبله ورحمته لبني البشر ولو كانوا عدواً له، لم يكن ليدعو عليهم، بل دعا لهم بالصلاح
لم يدخل محمد ﷺ الحروب للغنيمة
النبي محمد يعطي وكأنه ليس هناك فقر
استملاك قلوب الغرماء
الإقرار بالمكانة الاجتماعية والسياسية للناس
الأخلاق هي الأساس في كل شيء حتى في المعارك والحروب
أمر النبي بعدم قتل الأطفال
أمر النبي بعدم قتل النساء والعسيف
في نهاية المطاف تتدخل قوة الله ولطفه
المثال الأول هو غزوة حنين
والمثال الثاني هو غزوة بدر

الجزء السادس

غزوة تبوك 630 م
عهد محمد مع مسيحيي سانت كاترين
إعادة مكة إلى حرمتها الأولى وتطهيرها من عبدة الأوثان لكونها قبلة الموحدين
تناول نقطتين أساسيتين:
1- المعنى المتعدد لكلمة مشركين
2- منع الحروب من خلال الترهيب والتهديد والقسوة
عام الوفود 630-631 م
حجة الوداع
عرض من خطبة الوداع
الختام

 


الجزء الأول


تمهيد

بدأت فترة التنوير في شبه الجزيرة العربية في أوائل القرن السابع الميلادي، إذ شهدت الإنسانية جميعها نقطة تحول أنارت طريق البشرية، وتمثلت في الابتعاد عن تاريخ طويل محكوم بالظلم والعنف والاستبداد والخرافات، إلى واقع جديد يسوده العلم والحكمة والحرية والأخلاق. ولم يكن دخول النبي محمد ﷺ قلوب ملايين البشر نتيجة حروب وغزوات، بل كان نتيجة القيم الإنسانية التي أعادت كرامة المرأة والضعيف، وجعلت المجتمع والفرد ينخرطان في البنية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية على حد سواء.
اليوم، وفي القرن الحادي والعشرين، ما زالت تعاليم النبي ﷺ القائمة على الرحمة والإحسان حية في قلوب ملايين المسلمين، وهي انعكاس لروح النبي محمد ﷺ. فقد خلص النبي محمد ﷺ الإنسانية من كثير من العادات الجاهلية مثل عبادة الأصنام، والكبر، والأنانية، حاملًا رسالة الإسلام المتمثلة في الإيمان بالله الواحد، والعدل، والسلام، والمساواة في جميع مفاصل الحياة. فالناس جميعًا متساوون أمام القانون؛ الغني كالفقير، والحر كالعبد، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
ولم يعد التعليم والتربية محصورين بالطبقة العليا في المجتمع؛ فالأعجمي والعبد، كبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، والنساء، كخديجة، وعائشة، وأم سلمة، أصبحوا رايات ومصادر للعلم والتنوير. ومن هذا المبدأ، منحت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1935 وسام امتياز للنبي محمد ﷺ، باعتباره أعظم مشرع عرفته البشرية. وتنبع رسالته ودعوته من قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]
لقد مهدت هذه المبادئ والتعليمات الطريق للبشرية لتحقيق رغبتها في بناء مجتمع آمن ينعم بالرخاء والتطور. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحارب العلم والعلماء، استطاع الإسلام، خلال قرن واحد من دعوة النبي ﷺ، أن يبني حضارة عظيمة امتدت من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، بطول يقارب ستة آلاف ميل، من بلاد فارس وشبه القارة الهندية وشمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية. ومن هذه الرقعة وُلدت ثورة علمية وعملية منذ منتصف القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر، أثرت في الشعراء والفلاسفة والمؤرخين والقادة العظماء حتى يومنا هذا.
وقد قال صموئيل بارسونز سكوت في كتابه تاريخ الإمبراطورية البربرية في أوروبا:
“يمكننا رؤية تأثير العبقرية العربية في روايات بوكاتشيو، ورومانسية ثيرفانتيس، كما في فلسفة فولتير ومبادئ نيوتن الأولى، وكذلك الأمر في تراجيديات شكسبير، كونها تتوافق مع المبادئ المدنية الحديثة، وبقاء تأثيرها في الصفات والطبائع.”
صموئيل بارسونز سكوت، تاريخ الحضارة البربرية في أوروبا، فيلادلفيا، منشأة ليبينكوت، كاليفورنيا، 1904
رَابِطُ المَصْدَرِ

وذكر الفيلسوف روبرت بريفولت في كتابه تكوين الإنسانية:

The making of Humanity

“إن التطور الذي أسسه نبي الإسلام كان بمثابة البذرة التي أعادت إحياء أوروبا من عصورها المظلمة إلى عصر النهضة.”
ومن هذا المنطلق، وتحت عنوان مهد النهضة الأوروبية، تقول مجلة العلوم والإيمان الأمريكية، عدد 12/2019:
“بدأ عصر النهضة فعليًا في إسبانيا وليس في إيطاليا في القرن الخامس عشر ميلادي، بل بفترة تسبقه بكثير، إذ كانت إسبانيا المهد الأول لنهضة أوروبا بأكملها، وجاء ذلك نتيجة لاحتكاك الأوروبيين بالحضارتين العربية والبربرية (الإسلامية). وتعتبر العلوم بمختلف مجالاتها المساهمة الأكبر التي قدمها العرب للحضارة الحديثة.”
المصدر
ومن النابهين الذين تأثروا بالحضارة الإسلامية التي أحيت أوروبا نذكر جلبرت أوريلاك المعروف باسم سلفستر. ففي كتابه 1000 ميلادي والعالم على حافة القيامة، يقول ريتشارد أوردوس:
“كانت تعرف الأندلس بكونها أرض العلم والعلماء والمكتبات ومحبي الكتب وجامعيها. فعندما درس جلبرت أوريلاك المعروف بـ (سلفستر) في فيتش شمال إسبانيا (995-999)، كانت المكتبات الإسلامية الأندلسية تحتوي ما يقارب المليون مخطوطة. أما مكتبة قرطبة التي أسسها الحكم الثاني فكانت أكبرها، إذ ضمت ما يقارب 400,000 مجلد بمختلف المواضيع العلمية والأدبية. هناك درس جلبرت الأرقام العربية وأساسيات الفقه للمذهب المالكي، وبهذا أصبح معروفًا بإنجازاته العلمية وعلمه الواسع.”

ومن هنا كتبت السيدة نانسي ماري براون (Nancy Marie Brown) كتابًا بعنوان:

“المعداد (الحاسوب القديم الخرزي) والصليب” (The Abacus and the Cross)
تحكي فيه كيف وصل سلفستر إلى منصب البابا عن طريق العلوم والحساب، كما يقدم الفيديو القصير البابا العالم لمحة عن الكتاب وسيرة سلفستر.

Pope Silvester

 

ومن الجميل أنّه في برنامج TED Show يوضّح تيري مور أنّ X في المعادلات الجبرية أتت من الحضارة الإسلامية
رابط الفيديوTED SHOW -where the X comes from
https://youtu.be/MZhc07vB6aM

ومثالنا الأخير هو ما قاله الرئيس الأمريكي دوايت دي. أيزنهاور:

الرئيس الامريكي آزنهاور
“إن الحضارة (حضارة اليوم) مدينة للعالم الإسلامي ببعض أهم أدواتها وإنجازاتها. فمن الاكتشافات الأساسية في الطب إلى أرقى مستويات علم الفلك، أضافت عبقرية المسلمين الكثير إلى ثقافة جميع الشعوب.”
ديويت دي أيزنهاور، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية


النبيّ محمّد ﷺ ورسالته


نبحث في هذا التدوين حياةَ النبي العملية والواقعية، ونسبر أغوار شخصيته: أسبابَ نجاحه، حكمته، روحانيته، إنسانيته، حياته كفرد، وكأب، وكزوج، وكقائد ورجلِ دولة، وكمدير، وكمعلم، وكـتاجر، ونبيّ بعثه اللهُ تعالى لهداية الناس.
ولادة النبي ﷺ
وُلد محمّد بن عبد الله في ما يوافق سنة 570م، لعائلة عريقة الشرف ومتواضعة من بني هاشم، من قبيلة قريش في مكة. تُوفي والده عبد الله قبل ولادته بستة أشهر، ثم تُوفيت والدته آمنة عندما كان عمره ست سنوات، وتربى في كنف جدّه عبد المطلب. وبعد مرور عامين تُوفي جدّه عبد المطلب، فكفله عمّه أبو طالب، الذي أصبح زعيم بني هاشم.
عمل في أوائل سنوات شبابه برعاية الأغنام، فكان يرعى ماشية عمّه أبي طالب. وعندما بلغ الثانية عشرة، رافقه في رحلة تجارية إلى بلاد الشام، ليكتسب الخبرة في التجارة. وتخبر كتب التاريخ الإسلامي أنه حين كانت القافلة التجارية في مدينة بُصرى، قابل النبي ﷺ راهبًا يُدعى بَحيرى، الذي تنبأ بنبوته.
استمر محمّد ﷺ في العمل بمهنة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، ووفقًا لبحوث أجراها الدكتور جون مورو في كتابه عهود محمّد لمسيحيي العالم، يظهر أنه من الممكن أن تكون تجارة النبي محمّد ﷺ قد وصلت قبل الإسلام إلى مصر عبر شبه جزيرة سيناء.

Prophet Muhammad- St. Catharine Monastery ImageSt. Catharine Monastery- https://islamic-study.org/wp-admin/plugins.php

يُقدِّم د. مورو دليلاً على عُهودِ النبيِّ ﷺ مع مسيحيّي ديرِ القدّيسةِ كاترين في شبهِ الجزيرة، وأنَّ محمّدًا عليه السلام ذهب إلى ذلك الدير قبلَ الإسلام.
https://www.litencyc.com/php/members/showprofile.php?contribid=49777


محمد الصادق الأمين

قبل النبوّة، اكتسب رسول الله ﷺ لَقَب “الصادق الأمين”، إذ لم يُعرَف عنه قط أنّه كذب، ولنَيلِه ثقةَ الناس بأمانته وحُسن معاملته وأخلاقه.

جنوحُ محمّدٍ للسّلام

كان رسول الله ﷺ محبًّا للسّلام حتى قبل نزول الوحي. وبفضل حكمته في قضايا قومه جَنّبَهم حربًا قبليّة وشيكة. فعندما تعرّضت الكعبة لعاصفة قويّة وفيضان كبير في عام 600م، تضرّر بناؤها ممّا تطلّب إصلاحات كبيرة لإعادة تشييدها.
وفي عام 605م، أخذت أربعُ قبائل ذاتُ سلطة على عاتقها مهمّةَ ترميم الكعبة، وخلال المراحل الأخيرة من الترميم، وتحديدًا قبل وضع الحجر الأسود في مكانه، نشب خلافٌ بين رؤساء القبائل، إذ اعتبر كلٌّ منهم نفسه الأجدرَ بوضع الحجر في موضعه. حتى أنّ قبيلةَ بني عبد الدار أحضرت إناءً من الدم ليغمسوا أيديهم فيه دلالةً على استعدادهم لإراقة الدم لنيل شرف وضع الحجر.
ومع آخر محاولة لإيجاد حلّ، اتّفق القوّاد الأربعة على قبول حكم أوّل رجل يدخل من باب الصفا، فكان رسول الله ﷺ أوّل الداخلين، ففرح القوم بمقدَمه، إذ كانت سِماته معروفة للجميع. فما كان منه إلا أن طلب عباءةً بسيطة، وسأل القوّاد الأربعة أن يُمسك كلّ واحد بطرفها، ووضع الحجر الأسود في وسط العباءة. ثم طلب منهم أن يسيروا معًا حاملين الحجر إلى مكانه، فوضعه ﷺ في موضعه، وبذلك نال كلٌّ من القوّاد الأربعة شرفَ حمل الحجر، واستطاع بحكمته نزعَ فتيل حرب قبليّة كانت قد تدوم أشهرًا أو سنوات.

الوثنيّة ووأدُ البنات

قبل الإسلام، كانت الوثنيّة ديانةَ معظم العرب، ومارست بعض القبائل عادةَ وأدِ البنات حديثات الولادة. وكان السبب إمّا الفقر أو الخوف منالعار، إذ كان بعضهم يدفن البنات بعد الولادة بوقت قصير.
لكن في القصة التالية، الأمر مختلف؛ فقد روى ميسرةُ بن معبد أنّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال:
“كنّا قومًا من الجاهليّة نفوسُنا مليئةٌ بالتيهِ والغطرسة، عبدنا الأصنامَ وقتلنا أطفالنا. كان لي فتاةٌ، وكانت تفرح دائمًا إذا ناديتُها وأحادثُها، وفي يومٍ من الأيام ناديتُها لتأتي إليّ، وأخذتُها خارجًا إلى حفرةٍ كان أهلي قد حفروها، فدفعتُها إليها وهي تناديني: أبي! أبي! ولكنّي تابعتُ رمي التراب عليها، وكانت آخر كلماتها: أبي، أبي.”
ووصف الراوي أنّ عيني النبي ﷺ سالت دموعُهما على وجنتيه، إذ كان يمسحها بين حينٍ وآخر، ثم قال: “ولولا أنّ رحمته سبقت عقوبته لعذّبَك.” سنن الدارمي.
وبحكمته تعالى جعل الناس يُسألون عن أعمالهم، إذ قال: ﴿وَإِذَا المَوءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9].
ولضمان ألّا يُقدِم أحد من قومه على دفن ابنته حيّة، أخذ النبي ﷺ عهدًا من السبعين نَفَرًا من أهل المدينة الذين قدموا إليه مُعلنين إسلامهم بأن لا يَئِدوا البنات، إذ قال: “إنّ الله حرّم عقوق الأمهات ووأد البنات” [البخاري ومسلم].
كما شجّع النبي ﷺ الآباء على تربية البنات، فقال: “مَن وُلِدَت له ابنةٌ فلم يئِدْها ولم يُهنْها، ولم يُؤثِرْ ولَدَه عليها، أدخلَه اللهُ بها الجنّة” [رواه أحمد].
إعجابًا بتعاليمِ النبيِّ محمدٍ ﷺ، كتب البروفيسور راما كريشنا راو:
“كان محمدٌ أكثرَ من صادقٍ، لقد كان إنسانًا حقيقيًّا حتى النخاع، كان شخصًا لطيفًا، والحبُّ لروحِه هو الغذاءُ المستمرُّ لخدمةِ البشريَّةِ والنهوضِ بالإنسانيَّةِ وتطهيرِ نفوسِ الناسِ وتعليمِهم وجعلِهم بشرًا حقيقيِّين، وكان هذا أساسَ دعوتِه.”

إنسانيَّةُ النبيِّ محمدٍ ﷺ

كان من الشائعِ في زمنِ الجاهليَّةِ، وخاصةً في أيَّامِ القحطِ والمجاعةِ، أن تغزو القبائلُ بعضُها بعضًا من أجلِ الطعامِ والماشيةِ وكلِّ ما تقعُ عليه أيدي الغزاة، حتى الصبيانُ يصبحون غنيمةً. وكان أحدُ ضحايا تلك الاختطافاتِ صبيًّا يبلغُ من
العمرِ ثمانيةَ أعوامٍ يُدعى زيدَ بنَ حارثةَ.
اختُطف زيدٌ عندما كانت أمُّه تزورُ أهلَها على تخومِ الشام، فعندئذٍ هاجم الغزاةُ القريةَ واختطفوه ثم باعوه كعبدٍ في مكةَ. ولحسنِ الحظِّ اشتراه حكيمُ بنُ حزامٍ وأهداه إلى عمَّته خديجةَ بنتِ خويلدٍ، وكانت حديثةَ العهدِ بالزواجِ من النبيِّ، فأهدته إليه. عاش زيدُ بنُ حارثةَ في كنفِ النبيِّ بعطفٍ يفوقُ الأبوةَ والحنان. بخلافِ المجتمعِ الذي نشأ فيه، لم يُعامل النبيُّ زيدًا على أنَّه عبدٌ مملوك، فطلباتُه واحتياجاتُه كانت كما لو كان حرًّا سيِّدَ نفسِه.
أمَّا بالنسبةِ لأهلِ زيدٍ فقد كان حزنُهم شديدًا، ونظم أبو زيدٍ الشعرَ الذي روى حزنَه وولعَه على ابنِه، وكيف خيَّم الحزنُ على القبيلةِ، والتساؤلُ عن مصيرِ وحالِ ابنِهم.
سُرَّ والدُ زيدٍ كثيرًا إذ علم أنَّ ابنَه في بيتِ النبيِّ من بني هاشم؛ أهلِ الحرمِ وجيرانِه، فجمع هو وأخوه مبلغًا من المالِ وسافرا إلى مكةَ آملَين باسترجاعِ زيدٍ إليهم. دخل الاثنان مكةَ فوجدا النبيَّ عند الكعبةِ وقالا: “جئناك في ابنٍ لنا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائِه…” فقال: “من هو؟” قالا: “زيدُ بنُ حارثةَ.” فقال محمدٌ: “فهلا غيرَ ذلك؟” قالا: “ما هو؟” قال: “ادعوه فخيِّروه، فإن اختاركم فهو لكم بغيرِ فداء، وإن اختارني فواللهِ ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا.” قالا: “قد زدتَنا على النصفِ وأحسنتَ.” فدعاه الرسولُ فقال له: “إن شئتَ فأقِم عندي، وإن شئتَ فانطلق مع أبيك.” فقال: “بل أقيم عندك.” فقالا: “ويحك يا زيد! أتختار العبوديَّةَ على الحريَّةِ، وعلى أبيك وعمِّك وأهلِ بيتك؟” قال: “نعم، إني قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا.”
لم يكن أبو زيدٍ وأخوه مدركَين مدى تأثيرِ روحِ محمدٍ ﷺ المفعمةِ بالإنسانيَّةِ والعطفِ والرَّحمةِ. فما كان من رسولِ الله، ولحفظِ كرامةِ والدِ زيدٍ، إلَّا أن خرج بزيدٍ إلى الكعبةِ وأعلن لقريشٍ تبنِّي زيدٍ. ومنذ ذلك الحين أصبح زيدٌ يُدعى زيدَ بنَ محمدٍ، حتى حرَّم الإسلامُ التبنِّي.
“تشيرُ السجلاتُ التاريخيَّةُ إلى أنَّ كلَّ من عاصرَ النبيَّ، سواءً أكان صديقًا أم عدوًّا، أقرَّ بصفاتِه النبيلةِ وصدقِه الطاهرِ وفضيلتِه ومصداقيَّتِه التامة، وأن رسولَ الإسلامِ كان أهلًا للثقةِ في كلِّ مجالاتِ الحياةِ وكلِّ جزءٍ من النشاطِ الإنسانيِّ.” – راما كريشنا راو، عن النبيِّ محمدٍ ﷺ.

محبَّةُ رسولِ اللهِ للأعمالِ الخيريَّةِ

شاركَ النبيُّ في منهجِ العدالةِ الاجتماعيَّةِ لدى قريشٍ في فترةِ ما قبلَ الإسلامِ وأقرَّها في الإسلامِ، فقد حضر اجتماعًا مع عمِّه لنصرةِ المظلومِ والدفاعِ عن حقوقِ المستضعفين الذين يتم استغلالُهم من قِبَل سادتِهم. وبعدَ ظهورِ الإسلامِ قال النبيُّ: “لقد شهدتُ حلفًا في دارِ ابنِ جدعانَ ما أحبُّ أنَّ لي به حُمرَ النَّعَم، ولو دُعيتُ به لأجبتُ.” – البداية والنهاية.

نزولُ الوحيِ

اعتادَ رسولُ اللهِ على الذهابِ إلى جبلِ النورِ في شمالِ مكةَ للتأمُّلِ في خلقِ اللهِ ولتصفوَ نفسُه للخالقِ. كان أحيانًا يمكثُ هناك شهرًا كاملًا. وخلالَ إحدى تأمُّلاتِه، وهو في سنِّ الأربعين، حدث لقاءٌ غيرُ متوقَّعٍ جعله في حيرةٍ كبيرةٍ من أمرِه، حيث جاءه كيانٌ غريبٌ فقال له:
اقْرَأْ، قال: ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذَني فغطَّني حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلَني، فقال: اقْرَأْ، قلت: ما أنا بقارئٍ، فأخذَني فغطَّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلَني، فقال: اقْرَأْ، فقلت: ما أنا بقارئٍ، فأخذَني فغطَّني الثالثةَ ثم أرسلَني، فقال: {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العلق: 1-3]

هل آمنتْ خديجةُ بنبوَّةِ زوجِها رسولِ اللهِ قبلَ أن يؤمنَ هو نفسُه بها؟

خاف النبيُّ جدًّا من ذلك الحدثِ، وهبط الجبلَ مسرعًا إلى زوجتِه خديجةَ يَرْجُفُ فؤادُه، فدخل على خديجةَ بنتِ خويلدٍ رضي اللهُ عنها فقال: “زملوني، زملوني” فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فأخبرَها الخبرَ: “لقد خشيتُ على نفسي”، فقالت خديجةُ: “كلا واللهِ ما يُخزيكَ اللهُ أبدًا، إنك لتصلُ الرحمَ، وتحملُ الكلَّ، وتكسبُ المعدومَ، وتقرِي الضيفَ، وتعينُ على نوائبِ الحقِّ.”
فانطلقت به خديجةُ حتى أتت به ورقةَ بنَ نوفلٍ ابنَ عمِّها، وكان امرأً تنصَّرَ في الجاهليةِ، ويكتبُ الكتابَ العبرانيَّ، فيكتبُ من الإنجيلِ بالعبرانيَّةِ ما شاء اللهُ أن يكتبَ، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجةُ: “يا ابنَ عمِّ، اسمع من ابنِ أخيك.” فقال ورقةُ: “يا ابنَ أخي، ماذا ترى؟” فأخبرَه رسولُ اللهِ ﷺ خبرَ ما رأى، فقال ورقةُ: “هذا الناموسُ الذي نزَّل اللهُ على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكونُ حيًّا إذ يخرجُك قومُك.” فقال رسولُ اللهِ ﷺ: “أومخرجيَّ هم؟” قال: “نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثلِ ما جئتَ به إلَّا عُودي، وإن يُدركني يومُك أنصرْك نصرًا مؤزَّرًا.” – الزايد، الجامع في السيرة النبوية.
وهكذا بدأ الوحيُ بكلمةِ اقرأ، وتتابع نزولُه على مدى 23 عامًا، فشكَّل القرآنُ الكريم. ونتيجةَ نزولِ هذا الكتابِ، ازدهر المنطقُ والرُّوحانيَّةُ والتجارةُ والعلومُ والفنونُ، حتى كوَّن العصرَ الذهبيَّ للإسلامِ. ومن هذا العصرِ الذهبيِّ نبتت بذورُ النهضةِ الحديثةِ، التي كانت بدايةَ خروجِ أوروبا من عصورِ الظلام، حيث رفضت العقلانيَّةَ والمعرفةَ معًا.

بعضُ المبادئِ القرآنيَّةِ

يتبنى القرآنُ العديدَ من المبادئِ التي تدعو إلى الخيرِ والرشدِ والرُّوحانيَّةِ والحريةِ والتجارةِ والمعرفةِ العلميةِ والاجتماعيةِ وغيرها، وتتجلى هذه المبادئُ كذلك في الحياةِ العمليةِ للنبيِّ محمدٍ ﷺ في هذه الرسالةِ. وفيما يلي بعضُ هذه المبادئِ:

1- شموليةُ الإسلامِ للشرائعِ السماويَّة

ينص القرآنُ الكريم على أن اسمَ الدينِ الإسلامُ هو الخضوعُ الكاملُ للهِ، وأن جميعَ الأنبياءِ السابقين، آدمَ ونوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرَهم من أنبياءِ بني إسرائيل هم مسلمون، وبُعثوا لهدايةِ أقوامِهم إلى طاعةِ اللهِ تعالى. هذا نصُّ إحدى هذه الآيات:
“قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” – آل عمران: 84
بعد قراءتِه لهذه الآيةِ، قال الدكتور غاري ويلز…

 

Garry Wills and the Qur'an

حقا هذه عقيدة شاملة للغاية…عندما يتساءل المرء إذا كانت هذه الوثيقة التأسيسية (القرآن) جامعة للدين، فما الذي يعترض عليه الناس؟
 https://youtu.be/h6NWfVWxqSM
الدكتورُ غاري ويلز حاصلٌ على جائزةِ بوليتزر، التي تُعتبر على نطاقٍ واسعٍ أرفعَ جائزةٍ صحفيَّةٍ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية.

ب – صلاحيَّةُ القرآنِ وعالميَّتُه

القرآنُ هُدًى للناسِ كافةً، وليس للمسلمين فقط. يقولُ اللهُ تعالى:
“شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ” – البقرة: 185
“يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ” – يونس: 57
“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” – البقرة: 62
مستعرضًا العديدَ من آياتِ ومفاهيمِ القرآنِ الكريم، قال الدكتورُ غاري ويلز لجمهورِ مهرجانِ شيكاغو للعلومِ الإنسانيَّة:
“أنا كمسيحيٍّ أعتبر أنَّ عيسى هو نبيُّ اللهِ الواحد، لذا، كمسيحيٍّ أنا أعبدُ الله.”
 https://youtu.be/h6NWfVWxqSM

ت- مرونة الرسالة

القرآن هو مناسب لجميع الأزمنة والأمكنة. آيات القرآن، كلماته، وحروفه ثابتة. لكن معاني تلك الآيات والكلمات مرنة وفيها من البيان ما يتناسب مع كل زمان ومكان. يقول الدكتور عبد الواحد وجيه أن القرآن نزل “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” (26:195)؛ بمعنى أن اللسان بفصح عن ألوان من البيان بما فيها الأدب والشعر. ويعكس عادات وتقاليد المجتمع. أي أن كلمات القرآن فيها مرونة تحمل الوانا من البيان والمعاني بحيث تتناسب مع الظروف البشرية العديدة القابلة للتطور عبر الأزمنة والامكنة.

الدكتور عبد الواحد وجيه


ث- تبليغ الرسالة بما يطابق حال المبلَّغ إليهم

أمر الله تعالى نبيه محمدًا بتبليغ الوحي بكلمة “بلِّغ”.
“يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ”. المائدة: 67

ووفق تعليم الدكتور وجيه،

“الكلمة “بلِّغ” مشتقة من الاسم البلاغ، وهو العلم الذي يؤول إلى مطابقة الكلام لمقتضى الحال أو حال السامع، والذي يفضي إلى فهم الناس وإفادتهم.”
فقاعدة الإلقاء أو التبليغ الأمثل هي: مطابقة كلام التبليغ لمقتضى حال السامع، وأن تكون وسيلة الإلقاء والتبليغ مناسبة لفهم المتلقي أو السامع – وضعيته: عاداته وتقاليده وبيئته. وهذا يوجب على الداعي أو المعرِّف بالإسلام معرفة عادات القوم وبيئتهم السياسية والاجتماعية والتقنية، وأن يبني خطته في التعريف عن الإسلام والدعوة إليه على هذه المعايير والعادات والتقاليد.
ولهذا، فإن التعريف بالإسلام خلاف هذه المعايير ربما يُرفض نتيجة لاختلاف الناس في الفهم والاستيعاب، وعليه يصعب على المبلِّغ الفهم. فإذا رُفض التبليغ لطبيعة أسلوب التبليغ فكأنما قد كُذِّب الله ورسوله، كما حدثنا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إذ قال:
“حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله.” البخاري.
والمثل الحي لدينا لقاعدة التبليغ في مطابقته لحال السامع هو نزول القرآن على قريش. فالقرآن نزل “بلسان عربي مبين” (الشعراء: 195)، وليس باللغة العربية فقط. لأن اللسان يحمل من وراءه طبيعة القوم من العادات والتقاليد كما أشرنا إليه في الفقرة السابقة.
فالقرآن مثلًا تحدث إلى قريش عن الخمار المعتادة نساؤهم على لباسه، “وليَضرِبنَ بخُمُرِهِنَّ على جُيوبِهِنَّ” (النور: 31)، وأيضًا قطع يد السارق. فكانت العرب في الجاهلية تقطع يد السارق، ولا قطع دون ربع دينار.

ج- نشوء علم البلاغة

وقد دفعت هذه الآية (المائدة: 67) علماء الإسلام واللغويين الأوائل إلى إنشاء علم البلاغة. ومن كبار اللغويين ونقاد الأدب معمر المثنّى (110 هـ 209 هـ / 728 م – 824 م) الذي ألّف كتاب “مجاز القرآن”. ثم جاء من بعده الجاحظ (159 هـ255 هـ) الذي ألّف كتاب “البيان والتبيين”. الجاحظ يعتبر إمام علم البلاغة. ولاحقًا، الخبير باللغة العربية عبد القاهر الجرجاني (400 هـ – 471 هـ / 1009 م – 1078 م) أسس هذا العلم في كتابيه “أسرار البلاغة” و**”دلائل الإعجاز”**.
https://fajirsa.blogspot.com/2017/11/blog-post_44.html
هذه القاعدة القرآنية الذهبية المبينة لآلية توصيل المادة الدينية “تلقائيًا” تُبقي المسلم أو الداعي يتحدث بلغة العصر، وعلى اتصال دائم بالواقع والحضارة المتنامية. وهذا ما يبين واقعية الإسلام وحيويته ومواكبته للحياة وتحديات التطور والتحضر.
ويتساءل المؤلف عن السبب الذي جعل هذه القاعدة القرآنية الذهبية لتبليغ الدين بما يناسب المتلقين وظروفهم لم تصبح القاعدة المعيارية التي يعتمدها رجال الدين الإسلامي في الخطاب الديني.
على سبيل المثال، لماذا يفرض بعض علماء المسلمين على أتباعهم تطبيق التفسيرات والأحكام الدينية التي أصدرها علماء القرنين التاسع والعاشر، على أبواب القرنين العشرين والحادي والعشرين، والتي قد تكون مناسبة لتلك العصور؟ والأسوأ من ذلك أن الأحكام التي يصدرها علماء عصريون، إما أن تُتهم بالانحراف أو تُرفض لأنها لا تتفق مع فتاوى العلماء التقليديين التي بقيت من غابر الأزمان.
بل الأسوأ من ذلك أن بعض رجال الدين القدامى وضعوا أو صنعوا الآلاف المؤلفة من الفتاوى الدينية والفقهية والفكرية، والتي غدت وكأنها التراث الإسلامي الأقوم للكثير حتى هذا اليوم، ولكنها في حقيقتها من صنع الإنسان لزمان مضى له ظروفه وطبيعته. المصدر الإسلامي الرئيسي يجب أن يبقى القرآن والأحاديث النبوية التي توافقه.

رأي وتوصية

ويرى المؤلف أن هذا الانزواء عن مبدأ التبليغ القرآني للدين بما يناسب حال القوم قد ساهم إلى حدٍّ كبير في إبعاد المسلمين وغير المسلمين عن الإسلام ومن ثم عن القرآن. هذا البعد عن القرآن أدّى إلى تراجع المسلمين وفشلهم دينيًا ودنيويًا. وكيف لا وهم يتبعون فتاوى وُضِعت لعُهود مضت ولظروف وبيئات وسياسات مختلفة تمامًا عن بيئات وظروف القرن الحادي والعشرين.

ح- إقامة العدل

العدل هو من أبرز أهداف القرآن. يقول الله تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا”. المائدة: 8
ومن العدل أيضًا أن القرآن يحضّ الناس على أن يتنزّهوا عن كل عمل شيطانيّ مشين:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَىٰ وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”. النحل: 90

خ- تشييد التقوى والابتعاد عن الإبليسيّة

من مقاصد القرآن تقريب الناس إلى الله وإبعادهم عن الشيطان وأوصيائه. ويستخدم القرآن في ذلك أساليب متعددة، ومن هذه الوسائل تأسيس التقوى. وقد وردت كلمة التقوى ومشتقاتها في القرآن الكريم في 258 موضعًا، معبّرة عن معانٍ متنوّعة من مبانيها. فمن معانيها التمسك بتعليمات الله تعالى وهدايته، ومخالفة الشيطان ونفي تأثيره وتسلّطه. ومعنى آخر هو الكف عن الأذى والعداوة لجميع الناس والخلق.
والتقوى تتحقق بتعمير قلوب الناس وعقولهم بالله تعالى وأوامره ونواهيه وشرائعه. فذكر الله تعالى في القلب والعقل هو أحد أبواب تحقيق التقوى. ويمكن أن يتجلّى ذكر الله تعالى بالتأمل في مخلوقاته: الكون، والمجرات، والسماوات، والأرض، والغلاف الجوي، والمحيطات، والجبال، وعوالم الحيوان والطيور، والنباتات والأزهار، وخلق الإنسان وغيره من المخلوقات الدالة على فضله وعنايته.

هذه بعض الآيات في التقوى وردع الشيطان:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”. الحشر: 18
“وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ”. المائدة: 2
“الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”. البقرة: 268
“إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ”. فاطر: 6
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”. البقرة: 168
“إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”. البقرة: 169

د- تحكيم الحرية

خلق الله الإنسان حرًّا طليقًا:
“إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا”. الإنسان: 3
ويدعو القرآن الكريم إلى حرية الاعتقاد والتعبير والمتاجرة.

ذ- حرية الاعتقاد

“وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”. يونس: 99
“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”. البقرة: 256
يقول الدكتور عدنان إبراهيم: “إن الجوهر في مبدأ لا إكراه في الدين هو بسط الحريات وحياطة الحقوق.”
انظر أيضًا:
https://youtu.be/54jnQ6M3-Dk

ر- وجوب تعاونية الناس

يقول الله تعالى:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. الحجرات: 13
تضع هذه الآية معايير التعايش السلمي والتعاوني بين جميع الناس وجميع الأمم. ومعنى كلمة “تعارفوا” هو: “تعلّموا عن بعضكم البعض للتعاون لبناء الحياة والتقدم والإصلاح”.
هذا التعاون يشمل جميع جوانب الحياة بلا حدود: الدبلوماسية، التجارة، تبادل الموارد، التكنولوجيا، الصناعة، الزراعة، حماية البيئة، وغيرها من مجالات الحياة. كما أن “التعلّم” يشمل العادات الاجتماعية، والموارد الطبيعية، والتكنولوجيا، والصناعة، والزراعة، والعناصر البيئية الأخرى المشتركة بين جميع الناس.

ز- الحضّ على الرحمة

إن الرحمة صفة إنسانية محورية وتبدو في كل وجه من الوجوه الإسلامية. يقول: “قرآن كلاسيكيات أكسفورد العالمية المترجم” : “إن الرحمة متأصلة في طبيعة الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي رزق جميع المخلوقات وصنعها وأنزل الكتب هداية وشفاءً لما في خلقه من علل”.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

“أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ”. الحج: 65
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ”. يونس: 57
“وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا”. الإسراء: 82

س- الرحمة الاستباقية والتفاعل

على عكس الفهم الكلاسيكي للرحمة في الغرب على أنها الرأفة بالمسيء، فإن الرحمة في الإسلام يمكن أن تكون أيضًا نعمة وهبة من الله تعالى للبشرية للتعامل مع بعضهم البعض بطرق رحيمة. وقد شرح الدكتور سعيد خان هذا المفهوم في الفاتيكان، ثم في وقت لاحق لشبكة سي إن إن.

ش- الرَّحْمٰن والرَّحِيم

الرَّحْمٰن والرَّحِيم، صفتان من صفات الله سبحانه وتعالى في رَحْمٰنِيَّتِه التي لا حصر لها ولا نهاية.
أولًا: الرَّحْمٰن: التجلِّيات في الرَّحْمٰن أكبر من الرَّحِيم لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. فـالرَّحْمٰن تشير إلى نعم الله الكونيَّة والمركزيَّة، كالشمس التي تهب الدفء للمخلوقات على الأرض لتبقى على قيد الحياة، وتسخير الرِّياح لتحمل السَّحاب من المحيطات محمَّلة بالأمطار الغزيرة، وتنزلها على الأرض الميتة لتُخرج الثمار والزروع والنباتات ليقتات بها الناس وسائر المخلوقات؛ وطبقة الأوزون لحماية الإنسان والحيوان من الإشعاعات الفضائيَّة الضَّارَّة، وهيَّأ الغلاف الجوِّي ليتنفَّس الناس وسائر المخلوقات الأخرى، وأتاح الليل والنهار للعمل والرَّاحة، وخصَّص الجنة والنار ثوابًا للترغيب في الخير، وعقابًا لمنع الشر.
وأما الرَّحِيم: فتشمل رَحَمات الله تعالى الذاتيَّة والشخصيَّة والظرفيَّة التابعة للشخص مثلًا. وهذا الصنف من رَحَمات الله لا يمكن حصره أو إحصاؤه. ومن الأمثلة على ذلك: خلق الفرد — شكل الوجه، والشعر، والعينين، وما إلى ذلك — والنجاة من الإصابة بحادث أو كارثة طبيعيَّة، وحنان الأمهات على مواليدهن ورعايتهن، ورَضاعة المولود من ثدي أمه، وتنوُّع ومستوى خدمات الإنسان للإنسان، وقائمة نعم الله ورَحَماته على الإنسان وبقيَّة الخلق لا تنتهي ولا يمكن حصرها أو استيعابها.

ص- حُرْمَة النَّفْس البَشَرِيَّة

يُعلِّمنا القرآن الكريم أنَّه لا تُزهق روح الإنسان إلا بالطرق القانونيَّة، وأن قتل نفس واحدة كقتل كل البشريَّة.
“مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”. المائدة: 32

كما علَّمنا النبي ﷺ أنَّ إحدى الكبائر الخمس هي قتل النفس. قال ﷺ:

“مَنْ أَعَانَ عَلَى سَفْكِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ عَلَى جَبْهَتِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ”. ابن ماجه، والبيهقي، وأبو يعلى.

ض- فَصْل الدِّين عَن الدَّوْلَة

الفصل بين الدين والدولة أمر بالغ الأهميَّة في الغرب، وهو البند الأوَّل من فقرات الدستور الأمريكي للحرِّيَّة الشخصيَّة. وهذه العبارة تعني أنَّه “لا يحق للكونغرس الأمريكي أن يضع أي قانون يتعلَّق بإقامة الدين”. تعود جذور “الفصل بين الدين والدولة” إلى مخاوف الأمريكيين المبكِّرة من تدخل الحكومة في فرض ديانة ما على المواطنين.
فَسَطْوة الكنيسة وانتصار الحكم لها في العصور الأوروبيَّة الوسطى كان السبب المباشر للحروب الدينيَّة وتنصير الناس وظلمهم وقتل العلم والعلماء، وهو ما أدخل أوروبا في ما يُسمَّى بـ”عصور الظلام”.
أمَّا الإسلام، فمن أوَّل يوم قرَّر حُرِّيَّة الاعتقاد، وعدم تدخل السلطة التشريعيَّة أو التنفيذيَّة في شؤون الناس الدينيَّة،كما نرى في الآيات التالية:
“وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”. يونس: 99
تُقرِّر هذه الآية أنَّه لا يحق لرسول الله ﷺ أن يُكرِه الناس على الإيمان؛ فالإيمان لا يكون إيمانًا صحيحًا إلا إذا خرج من القلب، ولا يصح بالإجبار. وهذا يعني أن على السلطة ألا تستخدم مكانتها وإمكاناتها لفرض الدين وأحكامه على الناس.
“لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”. البقرة: 256

ط – الرَّقَابَة من مهام السُّلْطَة التَّنْفِيذِيَّة

الرَّقَابَة في تقييم الأعمال وتدبيرها إنَّما هي من مهمات السُّلْطَة التَّنْفِيذِيَّة، وليست من مهام السُّلْطَة الدِّينِيَّة.
“وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ”. الأنعام: 107
تشير هذه الآية بشكل آخر إلى فصل الدين عن الدولة؛ فلو شاء الله تعالى أن لا يُشرك هؤلاء المشركون لما أشركوا، وأنه ما جعلناك — أيها الرسول — عليهم رقيبًا تحفظ أعمالهم، وما أنت عليهم قيِّمٌ لتدبِّر مصالحهم أو موكَّلًا عليهم.

ويقول الله تعالى أيضًا:

“إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ”. الزمر: 41
نقرأ في هذه الآية أنَّ الهداية منفعة ومصلحة شخصيَّة يختارها من يشاء ويرفضها من يشاء، وليست أمرًا تفرضه الدولة على الفرد، ومهمَّة النبي إنَّما هي التبليغ.

وتأكيدًا لهذا يقول الله تعالى:

“وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ”. الرعد: 40

ومن الآيات الكثيرة حول فصل الدين عن الدولة:

“وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ”. الشورى: 6
“نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ”. ق: 45
“قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ”. الأنعام: 104
“بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ”. هود: 86
“مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا”. النساء: 80
“فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22)”. الغاشية: 21-22
“وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ”. الأنعام: 52
“وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ”. الرعد: 40
“لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ”. آل عمران: 128
“وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ”. الأنعام: 66
“فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ”. النحل: 82
وبما أنَّ الحُرِّيَّة إحدى الغايات الأساسيَّة التي كرَّم الله بها الإنسان، فلا يمكن فرض الدين — أيًّا كان — على الناس. قال تعالى: “فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”.
كما أنَّ الإكراه في الدين يخالف مبدأ الابتلاء، ومبدأ العدل، ومبدأ الإيمان، ومبدأ العبادة. وهذا لا يعني الإقرار بصواب الإلحاد أو الأديان الأخرى، ولكن يعني أنَّه ليست هناك عقوبة شرعيَّة تُفرض على الناس في اتباع الدين إلا الدليل والبرهان والجدال بالتي هي أحسن.
إنَّ مبدأ “فصل الدين عن الدولة” من أهم القوانين التي على أثرها انتشر الإسلام في أوروبا وأمريكا في العصر الحالي.عدنان ابراهيم في لا إكراه في الدين.
ومعجبًا بهذه المبادئ النبيلة، كتب نابليون بونابرت يقول: …

 

NAPOLEON BONAPARTE on the Qur'an

“آمُل أن الوقت ليس ببعيد حين أتمكَّن من توحيد جميع الحُكماء والمتعلِّمين في جميع البُلدان، وإقامة نظام موحَّد قائم على مبادئ القُرآن التي هي وحدها الحق، والتي وحدها تستطيع أن تقود الإنسان إلى السعادة.”


الجزء الثاني

 

استشعار الخطر

توقّع النبيُّ محمّدٌ ﷺ أن قريشًا ستكذّبه وتُنكر رسالته، لأن مكّة أصبحت مركزًا تجاريًّا مهمًّا ومحطّة لمرور القوافلِ التجاريّة عبرها، وأنّ قريشًا كانت تستغلّ النّاس بقوانينِها غير العادلة.
مارك غراهام في كتابه كيف صنع الإسلام العالم الحديث:
“نقضت الرسالة التي بُعِث بها النبي محمد مكانة قريش وعاداتِهم وتقاليدِهم بشكل مباشر. فقد دحضَ محمّدٌ الخرافات التي تبِعها آباؤهم ومنعَهم عن عبادة الأصنام. كانت القوانين المطبّقة عند كبارِ قريش وأغنيائها تختلف عن قوانين باقي أفراد المجتمع. فقريش لم تعترف بالمساواة بين القويِّ والضعيف، وبين النساءِ والرّجال، وبين الحُرِّ والعبد.”
وجاء في اقتباسٍ كتبه مارك غراهام تعقيبًا على هذا الأمر:
“لقد كان الأغنياءُ المُضطهِدون والمُعذِّبون في مفاجأةٍ كبيرة، فما جاء به محمدٌ كان أقوى من مالهم وسلطانهم وجبروتهم.
﴿قُتِلَ الإِنسَانُ ما أَكْفَرَهُ، مِن أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ، مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [سورة عبس: 17-21]
فجأةً أصبح النّظامُ الجديد الذي يحكم هو الإسلام لله تعالى وحده، والذي ألغى ما قبله من مفهومِ الثروةِ والجَاه والانتماءاتِ القبليّة.” (كيف صنع الإسلام العالم الحديث، مارك غراهام)

تأسيس قاعدة واسعة 610م

عندما أدرك محمّدٌ أنّ الوحيَ الذي جاءه هو وحيُ النبوّة من عندِ الله، سرعان ما بلّغ صديقه أبا بكرٍ برسالته التي بُعِث بها والتجارب التي عاشها، فسارع أبو بكرٍ بالتصديق والإيمان بما جاء به محمّد. بدأت الدعوةُ سرّيّة خلال السنوات الثلاث الأولى من نزول الوحي، حتى لا يكون الإعلان عنها دافعًا لعرقلتها ومواجهتها بالعنف. دعا النبيُّ محمّدٌ ﷺ أفرادًا من جميع عشائر قريش إلى الإسلام، فصار أتباعُه يزيدون شيئًا فشيئًا حتى بلغ عددهم ما يقارب المئةَ رجلٍ وامرأة من مختلف عشائر قريش. وبفضل هذه الخطة كوّن قاعدةً واسعةً من المسلمين تضمّ كافة الطبقات الاجتماعية والعشائر القرشيّة، وهذا مما سيكون رادعًا لهجوم قريش على المسلمين لكون العديد منهم من أبناء قبائلها.

معاداة قريش للمسلمين وإيذاؤهم (610-613م)

اتّخذت معارضةُ قريشٍ لرسالة محمّد أشكالًا عدّة، منها: اللجوء إلى تقديم الإغراءات وحتى الرشوة بالعروض المربحة والصفقات. وعندما لم تنجح هذه الوسائل عادوا إلى التنديد والتعذيب وقتل الخدم والضعفاء. فتحمّل النبيُّ وأصحابُه الكثير من الأذى الجسديّ واللفظيّ، كالسّجن والتعذيب بالنار والخنق والصّلب. وعندما لم يُجدِ هذا نفعًا، لجأت قريش إلى إخراجهم من ديارهم ونفيهم خارج مكّة.

الانفتاح والوضوح سبيلُ محمد الأمثل

اتّخذ النبيُّ محمّدٌ نهجًا قويما واضحًا بعيدًا عن المكر والخداع، وكان يُدرك جيّدًا كلّ كلمة يقولها وكلّ فعل يقوم به، وخيرُ مثالٍ على ذلك كان العرض الذي قدّمته قياداتُ قريشٍ لمحمّد عن طريق عمّه أبو طالب، الذي عُرف بدفاعه عن النبيِّ وحمايته له، فقالوا إنهم سيزوّجونه أجمل الفتيات ويُنصّبونه ملكًا على القبائل العربيّة على أن يترك ما جاء به، فرفض محمّد ذلك العرض وقال:
“واللهِ يا عمّ، لو وضعوا الشّمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يُظهره الله أو أَهلِكَ من دونه.” (ابن هشام)
مع العلم أن محمّدًا كان بإمكانه خداع قريش بقبول عرضهم، ثمّ استغلال منصبه في نشر رسالته، ولكنه لم يكن ليخدع النّاس ويتّخذ الكذبَ والاحتيال سبيلًا. فحتى لو وضعت قريش الشّمس في يمينه والقمر في يساره، لا منصب ولا رئاسة ولا مُلك ولا كلّ هذا مجتمعًا كان يشكّل دافعًا لخيانة عهد الله تعالى. وهذا مما يوجب التساؤل في وجود جماعات من المسلمين الذين يُقدِمون على المكر والخداع والقتل وتدمير الممتلكات في سبيل الوصول إلى المنصب، مخالفين بذلك رسولَ الله والقيم الإلهيّة والإنسانيّة.

الإصرار على الحلول السلميّة وأمن المجتمع

على الرغم من سوء المعاملة التي تلقّاها محمدٌ وأصحابُه ورغبة الصحابة في ردّ الأذى بمثله، رفض النبيُّ مواجهةَ الكفّارِ بالعنف، وبدلًا من ذلك حثّ أصحابه على الصبر وتحمّل الأذى والعذاب، وظلّ دائمًا يبحث عن حلولٍ سلميّة لمواجهة المشاكل في طريق دعوته.
وهكذا، بينما كانت المشاكل تُحلّ بالعنف والأذى عند العرب في شبه الجزيرة، أصرّ النبيُّ محمّدٌ على إيصال رسالته وإيجاد الحلول الإنسانيّة السلميّة للتصدّي للظلم والاستبداد الذي تمارسه قريش ضدّ أتباعه. فطلب من بعض الصحابة الميسورين شراء الخدم والعبيد المستضعفين، ثمّ عِتقَهم، كما جعل دعوته سرّيّةً في دارِ ابن الأرقم. ووجّه النبيُّ أتباعه إلى عدم إشهار إسلامهم في الكعبة، وأن يؤدّوا الصلاة سرًّا لا جهرًا، حتى يسودَ الأمنُ في مكة ولا يكون الدين سببًا لرفع الأمان من المجتمع، ولو كان ذلك على حساب تعديلِ هيئةِ الصلاة.
كانت رسالته وما زالت باعثًا على العواطف الإنسانيّة والتقوى، والابتعاد عن التنازع وبثّ الكراهية بين النّاس. والجدير بالذّكر أن المسلمين حول العالم إلى يومنا هذا يؤدّون صلاةَ الظُّهر والعصر سرًّا تَمثّلًا برسول الله ﷺ في حفظ أمن الناس.

تحقيق الأمن والسلام

إنَّ الأمنَ والسَّلامَ في المجتمع عاملان أساسيان لنماءِ الأمَّة على كلِّ الأصعدة. فقد رفضَ النبيُّ محمّدٌ ﷺ الرَّدَّ على قريش على الرغم من أذاهم المتكرِّر والتهديدِ والتعذيب، وكان من السَّهل الانجرار وراء رغبةِ العديدِ من الصَّحابةِ بمهاجمة قريش، وحتى عندما أصبحَ المؤمنون أكثر عددًا وقوَّةً، كما في المدينة. إنَّ النبيَّ كان مُدركًا تمامًا أنَّ العنفَ ليس هو الطَّريق الصَّحيح لنشرِ الدَّعوة. والقصةُ التاليةُ تُبرهن على إصرارِ النبيِّ على الحُلولِ السِّلميَّة.

الجهر بالدعوة

استجابةً لأمرِ اللهِ بإعلان نبوَّته ورسالتِه لأقاربه على وجهِ الخصوص (بنو هاشم)، دعا النبيُّ خمسًا وأربعين من عشيرتِه إلى الطَّعام في منزلِه، وبعد الفَراغِ من تناولِ العشاء، وفورَ بدءِ محمدٍ بالكلام، قاطعه عمُّه أبو لهب الحديثَ قائلًا: “ما رأيتُ أحدًا جاء على بني أبيه بشرٍّ ممّا جئتَهم به.”
فما كان جوابُ النبيِّ لهذا الاتِّهام والإهانة والاستفزاز؟ كان جوابُه نبيلاً للغاية؛ كان جوابُه الصَّمتَ ولم يتكلَّم بكلمة.
بهذا الصَّمت تفادى النبيُّ صراعًا وشيكًا بين أفرادِ عائلتِه، واجتثَّ الجدلَ والعداوةَ من جذورهما.
كان النبيُّ يُدرك أنَّ غايةَ اللهِ تعالى في الأرض هي إعمارُها وليس خرابَها، بل تحقيقُ مجتمعٍ قويم. وهذا لا يمكنُ الوصولُ إليه إلّا بمحوِ الشِّقاق وتثبيتِ الأمنِ والاستقرار.
وإلى هذه الحقيقة كتب الدكتور خالد أبو الفضل في كتابه السَّرقة الكبرى انتزاع الإسلام من المتطرّفين:
“كلَّما ازداد الفسادُ والخرابُ في الأرض، كلَّما ابتعد النّاس عن التَّقوى وخشيَةِ الله.”
ملقيًا الضَّوءَ على القيمِ الإنسانيَّة السَّامية التي دعا إليها الإسلامُ في إعمار الأرض بالخيرِ والرَّحمةِ والعدلِ والسَّلام.

وأراد النبيُّ محمّدٌ أن ينهلَ الجميعُ من نبعِ المعرفةِ التي جاء بها، بما فيهم عمُّه أبو لهب، فجمع رسولُ اللهِ أهلَه وعشيرتَه مرَّةً ثانيةً على الطَّعام، وبادر بالحديث فقال:

“يا بني عبد المطلب، إنّي واللهِ ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومَه بأفضلَ ممّا جئتُكم به، إنّي قد جئتُكم بخيرِ الدُّنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيُّكم يُؤازرني على أمري هذا؟” رواه البيهقي.
لم يستجب لدعوةِ النبيِّ عليه السَّلام سوى ابنِ عمِّه اليافع علي بن أبي طالب، فاعتنق الإسلام. أمّا عمُّه أبو طالب فلم يُسلم ولكنَّه تعهَّد بحمايةِ النبيِّ والوقوفِ بجانبه، واستمرَّ عمُّه أبو لهب في معارضته.
والجديرُ بالذِّكر أنَّ جميعَ الحاضرين كانوا منصتين للنبيِّ وبمثابةِ فردٍ من أسرتهم. وبفضلِ أسلوبِ النبيِّ الرَّاقي والمتمثّلِ بالهدوءِ في إيصالِ تعاليمه، حال دون انتشارِ الكرهِ والفُرقةِ في عائلته ومجتمعه، فكانت شخصيّتُه مثالًا حيًّا في الإصلاحِ باللِّين واحترامِ الآخر.

 

الإسلام والعالم

يشترك الإسلام في كثيرًا من المبادئ الجلية في العالم. ويعتقد المسلمون أن الإسلام هو الشكل النهائي لنفس الدين الذي أنزل على الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجميع أنبياء إسرائيل. يقول العلامة حسن المالكي:
“إن الإسلام يشترك في عدة سمات فطرية مع جميع الشعوب والأمم. العدل والإحسان والرحمة، واستخدام العقل، وحرية الفكر والدين، ونشر المعرفة والعلوم المفيدة لبناء العالم وتثبيت الجمال هم مما يشارك الاسلام امم الارض.”
بالإضافة، الإسلام يدعو الأمم والشعوب للتعاون: إن خير الناس عند الله أكثرهم تعاونا.  كما في قول النبي محمد
 “المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس.”  رواه الطبراني

وقال الله تعالى:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.” الحجرات: 13
يرى المالكي أن التعاون المطلوب في الاية غير محدود. فهو يقوم على المستوى الفردي والوطني والدولي. يمكن أن يكون التعاون في الحيز الدبلوماسي، أو التكنولوجي، أو الاجتماعي، أو السياسي، أو الفكري، أو غيرها من الموارد البشرية، وما إلى ذلك. ويوضح أن مصطلح التقوى في الآية هو اجتناب الأذى ووقف العداوات في التصرفات والمعاملات. مما يمثل المبدأ الأفضل لبناء حياة جميلة وكريمة.

ملجأ آمن عند ملك مسيحي 615/616 م

وعلى الرغم من أن معظم آل النبي اختاروا قبوله وحمايته، إن لم يكن إتباعه، فقد استمرت قريش في إيذائه وإذلاله وتعذيب العديد من أصحابه وقد اوصى النبي محمد هؤلاء الصحابة الذين لم يستطيعوا تحمل العذاب وأرادوا الهجرة إلى الحبشة ليعيشوا في حماية من ملكها مسيحي العادل الذي يدعى النجاشي. يدل فعل النبي هذا على ان النبي محمد يدعو الى التعاون مع أهل الكتاب من النصارى واليهود.
وحول هذه النقطة، يتحدث الدكتور مزمل صديقي، أحد العلماء والقيادات الإسلامية البارزة في أمريكا فيقول:
“لما كان المسلمون في الحبشة، بعث أهل مكة قومًا في أثرهم؛ ذهبوا إلى الملك وقالوا له الا يحمي، بل ويطرد هؤلاء الخدم الذين هربوا من قومهم. فقال الملك: “لكنني أريد أن أسمعهم.” دعهم يأتون ويتكلمون. وعندما تحدث جعفر نيابة عن المسلمين الآخرين وشرح رسالة الإسلام، قال النجاشي لا، لديهم كل الحق في ممارسة دينهم. وسمح لهم بالعيش هناك. علاوة على ذلك، بادل المسلمون الولاء لذلك الملك؛ لقد ساعدوه في قتال أعدائه لأنهم قدروا الخير الذي فعله لهم.”
https://en.wikipedia.org/wiki/Muzammil_H._Siddiqi

إقصاء محمد وعشيرته إلى المنفى 616-619 م

بعد ثماني سنوات من نزول الوحي على محمد، وسَّعت قريش حملتها الهجومية ضده لتشمل عشيرته بأكملها، مسلمين أو غيرهم. لقد وضعت خطة غير إنسانية لمقاطعة الأسرة اجتماعيًا واقتصاديًا واجبرتهم على الخروج من مكة إلى منطقة قاحلة تعرف باسم وادي أبي طالب. ولم يكن مسموحاً لأي فرد من أفراد العشيرة أن يتعامل أو يتزوج أو يشتري أو يبيع أو يختلط ببقية قبائل قريش. واستمرت هذه العقوبات ثمانية وعشرين شهراً، أثرت على النبي وآله حتى أكلوا من الأعشاب والجذور والشجيرات.

زيارة الوفد المسيحي 619 م

لقد زرع عمل النبي الدعوي خارج الجزيرة العربية بذورًا غالبًا ما تنمو لتعود بعلاقات مفيدة مع الأديان المختلفة. لقد عرف النبي بحكمة أن مهمته لم تكن إدخال كل نفس في الإسلام، بل تعزيز العلاقة السلمية والمحترمة بين الإسلام والديانات الأخرى. على سبيل المثال، أرسل النجاشي ملك الحبشة وفداً مسيحياً مكوناً من ثلاثة وثلاثين شخصاً لزيارة النبي في منفاه وأعرب عن قلقه على أحوال المسلمين. ويعتقد البعض أن هذه الزيارة أدت إلى رفع العقوبات المفروضة عليهم.
وعندما زار الوفد النصراني النبي، غمرتهم حكمة النبي والنص القرآني الذي تلاه عليهم. لكن زعماء قبائل قريش أهانوا اللجنة المسيحية لإظهارها الاهتمام والتعاطف مع المسلمين.لكن الوفد امتنع عن الرد على إهانة قريش. ونزل بهذه المناسبة وحي سماوي يعظم رسالتهم الانسانية وتعاطفهم. سورة 28، الآيات 52-55، تقول:
“اَلَّذِيۡنَ اٰتَيۡنٰهُمُ الۡـكِتٰبَ مِنۡ قَبۡلِهٖ هُمۡ بِهٖ يُؤۡمِنُوۡنَ‏ ﴿28:52﴾ وَاِذَا يُتۡلٰى عَلَيۡهِمۡ قَالُوۡۤا اٰمَنَّا بِهٖۤ اِنَّهُ الۡحَـقُّ مِنۡ رَّبِّنَاۤ اِنَّا كُنَّا مِنۡ قَبۡلِهٖ مُسۡلِمِيۡنَ‏ ﴿28:53﴾ اُولٰٓـئِكَ يُؤۡتَوۡنَ اَجۡرَهُمۡ مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُوۡا وَيَدۡرَءُوۡنَ بِالۡحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنٰهُمۡ يُنۡفِقُوۡنَ‏ ﴿28:54﴾ وَاِذَا سَمِعُوا اللَّغۡوَ اَعۡرَضُوۡا عَنۡهُ وَقَالُوۡا لَنَاۤ اَعۡمَالُنَا وَلَـكُمۡ اَعۡمَالُـكُمۡ سَلٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِى الۡجٰهِلِيۡنَ‏.” ﴿28:55﴾
كشفت زيارة الوفد الحبشي عن المعاملة اللاإنسانية التي يمارسها زعماء قريش على المسلمين وبعض من اختلفوا معهم من أهلهم. وربما كانت تلك الزيارة قد أيقظت ضمير بعض زعماء قريش، حيث اتفق هؤلاء القادة على “وقف العمل الأحمق المتمثل في المقاطعة.” فجمعوا الناس عند الكعبة وطالبوا قريش بإنهاء الحصار. ونتيجة لهذا الاجتماع تم رفع الحظر.
وهكذا كانت زيارة الوفد المسيحي مثالاً صادقاً وجميلاً للمعنى الحقيقي لتضافر الأديان المختلفة لخدمة الإنسانية.

وفاة عم النبي وزوجته 619 م

وبسبب الظروف القاسية التي فرضت على قوم النبي، أصيب بعض أفراد عائلته بالمرض. فبعد فترة وجيزة من انتهاء المقاطعة، توفي عم الرسول أبو طالب، ومن ثم توفيت زوجته خديجة. وكانت وفاتهما نتيجة السنوات الطويلة من سوء التغذية والمصاعب في المنفى. لقد كان حزن النبي حزنًا شديدًا لفقد اثنين من كبار أنصاره، وعُرف هذا العام باسم عام الحزن.

الهجرة إلى الطائف 620

من ضمن العرف في شبه الجزيرة العربية حماية جميع من ينتمي إلى القبيلة، وكلما ازداد عدد أفراد القبيلة، ازدادت قوتها وقدرتها على حماية نفسها. الآن وبعد خسارة النبي لعمّه وزوجته، فقد فقد حماية عمه، بدأ النبي محمد ﷺ بالبحث عن مكان آخر غير مكّة ليكون مركزاً لدعوته خوفاً من تصاعد أذية قريش.
قرر رسول الله الذهاب إلى الطائف، على بعد 150 كيلومترا جنوب مكة. وعلى الرغم من علمه بأنه سوف يعرض حياته للخطر في الصحراء، إلا أنه ظل يأمل في إيجاد تأييدا من أهلها. ولكن للأسف الشديد، قوبل النبي بالرفض القاطع من أهل الطائف، بعدما قابل الثلاثة من كبار قادتها, بني ثقيف، وعرض عليهم رسالته، كان رد الحاكم الأول:
 “سأمرط ثياب الكعبة، إن كان الله أرسلك حقا.”

أمّا الثاني فقال:

“أما وجد الله أحدًا غيرك ليرسله؟”
أمّا القائد الثالث فرفض مقابلة محمد، ولكنّه أرسل خادمه حاملًا الرد على دعوته، والذي جاء فيه:
“والله لا أكلّمك أبدًا، لَئِن كنتَ رسولًا من الله كما تقول لأنتَ أعظمُ خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولَئِن كنتَ تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلّمك.”
فقام رسول الله من عندهم وقد يئس من خير ثقيف. وعندها طلب منهم أن يكتموا عليه ولا يُشيعوا خبره فيشتدّ عليه أذى قريش، فلم يلبّوا رجاءه، بل أرسلوا سُفَهاءهم وغلمانهم ليرموه بالحجارة، فأصيب بجروح بليغة حتى أُدْمِيَ عَقِباه.
وانتهى به المطاف إلى شجرة كَرْمٍ استظلّ بها، وهنالك دعا الله قائلًا:
“إلهي إليك أشكو إليك ضعف قوّتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنتَ ربُّ المستضعفين، وأنتَ ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يَتَجَهَّمُني؟ أم إلى عدوٍّ وكَّلتَه أمري، إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي…”
وبعد مناجاته هذه نزل ملك الجبال على النبي محمد وقال له: “لو شئتَ لأطبقتُ عليهم الأخشبين.” لكن النبي، وبالرغم من جراحه البليغة وخيبته من ثقيف، ردّ قائلًا:
“بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يُشرك به شيئًا.”
ما كان رسول الله ﷺ ليغضب لنفسه، بل رغم كل ما حصل معه، كان رحبَ الصدر طيّبَ النفس، وتمكّن من التحكّم بغضبه والأذى الذي تعرّض له. فنزل وحيٌ سماويٌّ يُمجّد قدره واهتمامه ببني الإنسان قائلًا:
﴿وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم﴾ [القلم: 4]
وجاء أيضًا في سورة سبأ: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ [الأنبياء: 107]

الرُّشد في تسيير العمل

الآن، وبعد الطائف، لم يجد النبي محمد أمامه خيارًا سوى العودة إلى مكّة، والخطوة المستوجبة لدخولها هي إيجاد قبيلة تحميه فيها. فأرسل غلامه زيد حاملًا معه أسماءً للعديد من قُوّاد القبائل، آمِلًا أن يُلبّي أحدٌ منهم دعوته، وجاءت الاستجابة من قائدٍ مُشركٍ يُدعى المطعم بن عدي.
ولمدّة ثلاث سنواتٍ تالية، كان محمد تحت حماية مُشرك، ولكنه تمكّن بفضل حكمته ورُشده من التعامل مع الظروف الجديدة، فلم يكن يُهين آلهة قريش وأصنامها بشكل متكرّر كما في السابق، وبدلًا من ذلك ضاعف جهوده في مقابلة زوّار مكّة، وخاصة خلال مواسم الحج. ساعد أسلوب النبي محمد الواعي والعقلاني في إيصال دعوته بشكل مُجدٍ ومثمر.

اللقاء مع حُجّاج يثرب وبيعة العقبة الأولى (620م)

وفي موسم الحج لهذا العام، أجرى النبي محمد لقاءً مع بعضٍ من أهالي مدينة يثرب الذين أيّدوه وصدّقوا نبوّته. وعندما عاد المعتنقون الجدد للإسلام إلى قومهم، دعَوهم إلى الإسلام فأجابوه وازداد المسلمون عددًا. وفي موسم الحج للعام التالي، اجتمع النبي مع اثني عشر فردًا منهم بالسرّ، وعاهدوه على الولاء له وحمايته والتحلّي بمكارم الأخلاق. وطلب النبي من الصحابي مُصعب بن عُمير مرافقتهم إلى يثرب ليكون ممثّلًا له فيها.

بيعة العقبة الثانية (621م)

نجح مُصعب بن عُمير وأصحابه في إدخال الكثير من أهل يثرب في الإسلام. وفي العام المقبل لموسم الحج، اجتمع المسلمون من أهل يثرب مع النبي سرًّا مرة أخرى، وكان عددهم عندئذٍ سبعين نفرًا. جدد هؤلاء النفر مبايعة النبي على التخلّق بالصِّدق والتحلّي بمكارم الأخلاق وحمايته، وقد سُمّيت هذه البيعة بـ”العقبة الثانية”. اختار النبي محمد 12 شخصًا منهم ليمثلوا قبائلهم، وعيّن عليهم مُصعب. وبفضل قيادة مُصعب الحكيمة أصبح المجتمع المسلم في يثرب ذا قوّة معتبرة، وبدأ ميزان القوى النسبي بين قريش والمسلمين يتحوّل لصالح المسلمين.

قيادة رسول الله صلوات الله عليه وفصل الدين عن الدولة

إن إقامة السلطة ليست من أركان الإسلام؛ بل أركان الإسلام هي الشهادة (الشهادة)، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. يقول الدكتور عدنان ابراهيم: “الحكومة او السلطة او الخلافة ليست من اركان الاسلام.
يُعبّر القرآن عن هذا المبدأ عندما يخاطب النبي محمد، ممثل الله الأرض، بأن يتشاور مع أمته بشأن شؤون الدولة, اذ يقول:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.” آل عمران:159 
لقد أثبتَ النبيُّ محمّدٌ أنَّ السُّلطةَ على الناس ليست ممَّن يُمثِّلُ اللهَ في الأرض، وأنَّها تأتي عن طريق الشُّورى والانتخاب من الناس أنفسهم. من هذه الأرضيّة تتشكَّلُ السُّلطة، وليس من المكانة القُدسيّة أو الدينيّة.
وهذا النِّظام في الانتخابات هو تقريرٌ للفصل بين الدِّين والدَّولة. وخيرُ دليلٍ على هذا كان بيعتا العَقَبَة الأولى والثانية. هذا المبدأ تجلَّى بشكلٍ ملحوظٍ قبل دخول معركة بَدر مع قريش. هناك أخذ النبيُّ محمّدٌ رأيَ الأنصار في الدخول في المعركة. إذ إنَّهم بايعوا الرسول في العقبتين الأولى والثانية على الطاعة والحماية والوقوف بصفّه في المدينة، وليس خارجها كما هو الحال في بدر والذي لا يُلزِمُهم بالقتال. لكن سعدُ بنُ معاذٍ قائدُ الأنصار أجاب:
“… فقد آمنّا بك وصدّقناك وشهِدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسولَ الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخُضناه معك، ما تخلَّف منّا رجلٌ واحد…”
بعد إعطاء الأنصار الولاء، وبعد موافقة المقدادُ بنُ عمرو وباقي قادة المسلمين، جاء قرارُ النبي بخوض المعركة مع قريش. إن كان سلوك النبيِّ بإجراء تصويتٍ واستشارةٍ لأصحابه يدلُّ على شيء، فهو يدلّ على مبدأ ديمقراطيّ، وأنّه لم يستخدم مكانتَه في النبوّة في تقريرٍ يَمسُّ أمرَ الجميع، بل جعله من خلال مساهمتِهم في اختيار شؤونهم، وخاصةً المهمّة منها. وهكذا هو الحال في الأنظمة الديمقراطية اليوم.
بالإضافة، يعتقد البعض أنّه إن اختار اللهُ تعالى قائداً بشريّاً ليكون له خليفةً في الأرض فسيكون هناك الكثير من الظّلم بسبب الطبيعة البشريّة الدّائمة السعي وراء الثروة والقوّة والتسلّط. كما في فِرعون الذي قال متكبّراً ومتجبّراً: “أنا ربُّكم الأعلى.” هذه بعض المعايير التي ربما أوجبت الشريعةُ الإسلاميّة بها فصلَ الدّين عن الدّولة.

معجزةُ الإسراء إلى المسجد الأقصى والعُروج إلى السّماء (621م)

ما كان الرَّفض الذي قوبل به النبي من أهل مكّة والطائف ليحطَّ من عزيمته في مواصلة مهمّته ولو لدقيقة. ومواساةً له، أسرى اللهُ تعالى به إلى القدس في معجزةٍ إلهيّة، ومن ثم عَرَج به إلى السّماء السابعة. وقابل النبيُّ في هذه الرّحلة الاستثنائية الأنبياء جميعَهم بدءاً بإبراهيم وموسى وعيسى، وباقي الأنبياء. كما صلّى بهم في المسجد الأقصى، ومن ثمّ عَرَج إلى السّماء السابعة. وفي طريقه قابل الأنبياء ثانيةً، وعندما كان بجوار عرش الرحمن فُرِضت عليه وعلى المسلمين الصَّلواتُ الخمس اليوميّة.

لقاءُ النبي محمّد بالأنبياء خلال رحلته ما هو إلا تأكيدٌ على أصول أُخوّة الأنبياء والديانات الإلهيّة وحتميّة وضرورة التضامن بين أتباع الأنبياء.

 

محمّدٌ يرفضُ السُّلطة

قابل النبيُّ محمّدٌ صلواتُ اللهِ عليه العديدَ من زعماء القبائل العربية في المواسم العربية كسوق عكاظ  وذي المجاز وموسم والحج  وكان يطلب منهم حمايته وتلبية دعوته للإسلام. بينما رفضت بعض هذه القبائل قبول دعوته، اكتفت قبائل أخرى بالاستماع لما أُنزِل عليه من الوحي. ومن بين القبائل التي تأثّرت بالقرآن بشكل عميق كانت قبيلةُ شيبان، ومع ذلك رفضت القبيلة تلبية دعوة النبي بسبب اتفاقية حماية بينها وبين الإمبراطور الفارسي.
أمّا قبيلةُ سَعسَع المعروفة ببني عامر بنِ سَعسَع، فكانت من ضمن القبائل التي قبلت تلبية دعوة النبي ولكن بشرط أن يحتفظوا بقيادة العرب بعد إحراز النصر. فكان ردُّ النبي: “الأمرُ للهِ يضعُه حيث يشاء.” فكان جوابُ زعماء سعسع: “إذًا فدينك لا يلزمنا”، رافضين تلبية دعوته.
مع الأسف، كانت سعسع على استعدادٍ للتخفّي في ثياب الدين لخدمة مصالحها الخاصة والحفاظ على سلطتها ومكانتها. ولما استقر المسلمون في المدينة، هذه القبيلة نفسها تآمرت على المسلمين وقتلت سبعين منهم عند آبار مَعُونة، وجاءت هذه المذبحة بعد عدّة شهور من معركة أُحُد.
حتى وبعد وفاة النبي كانت قبيلة سعسع من أوائل القبائل التي ارتدّت عن الإسلام. مع الأسف، نزعة الاستبداد والتسلّط على الناس، في أكثر الأحيان، تتنافى مع قيمة العدل وحبّ الخير ووحدة الصف.

هجرة المسلمين إلى يثرب 613 م

نتيجةً لنبذِهم وتصاعُدِ الاعتداءِ عليهم هاجر أغلبُ مسلمي مكّة إلى يثرب حيث الأمان، تاركين وراءهم أهلَهم وأموالَهم.

هجرة النبي نموذجٌ في التَّخطيطِ والتَّأني 623 م

غيرُ قادرةٍ على ردعِ محمّدٍ عن نشرِ دعوتِه، ومع قمعٍ لانتشار الإسلام في يثرب، لجأت قريشٌ إلى استخدامِ العُنف، وحالت إلى أن تقتلَ محمّداً. تآمرت قريشٌ على أن يُشاركَ في عملية القتل كلُّ قبائلِها، بحيثُ أنَّ كلَّ قبيلةٍ تُقدِّمُ شابّاً جَلْداً مِهْناً، ثم يجتمع الشُّبّان أمام دار محمّد، ولما يخرج من بيتِه يضربوه ضربةَ رجلٍ واحد فيتفرّق دمُه في القبائل، فلا تقدرُ عشيرتُه على حربِ قريشٍ بأكملها.
وهكذا، في أواخر عام 623 ميلاديّ نزل الوحيُ على النبيِّ محمّدٍ مؤذِناً له بالهجرةِ إلى يثرب. فما كان من النبيِّ إلا أن يرسمَ مخطَّطَ الهجرة بحكمةٍ وتبصرة. فكان أوَّل ما فعله هو إعلامُ صاحبِه أبو بكرٍ بالهجرة، وأوصاه بكتمِها. وطلب منه إعدادَ اثنين من الإبلِ للرّحيل وتجهيز الطعام وعدّة السفر. كما استأجر رسولُ الله صلواتُ اللهِ عليه عبدَ اللهِ بنَ أُريقط، سرّاً، كدليلٍ للطريق. وكانت الليلةُ التي خطّطت قريشٌ فيها للقضاء على محمّدٍ هي ليلةَ الانطلاقِ للهجرة.

خطةُ نجاةٍ مُحكَمة

وعند حلولِ ليلةِ السفر أعطى النبيُّ التعليماتِ لأسماءَ ابنةِ أبي بكرٍ وأخيها عبدِ اللهِ بإيصالِ الزادِ إليهم وتقصّي أخبارِ قريشٍ ثم إعلامِهم بها، بينما هو وصاحبُه متخفّيان في غارِ ثور. ووجّه أيضاً غلاماً لأبي بكر يُدعى عامرَ بنَ فُهيرة ليرعى قطيعاً من الغنم حيث سار النبيُّ وصاحبُه والرُّسلُ من بعدِهم لمحو آثارِ أقدامِهم. وبهذا صَعُب على مقتفي الأثر والقتلة معرفةُ طريقِهم ومكانِ اختبائهم.
وعند حلول الليل حاصر القتلةُ منزلَ النبي استعداداً لقتله، أوصى النبيُّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ أن ينامَ في فراشِه وأن يلبسَ عباءتَه، وهو يعلم أن قريشاً لن تؤذيه. وفي منتصف الليل، إذِ القتلةُ نيام، خرج النبيُّ وأبو بكرٍ وتوجَّها جنوباً واختبآ في غارِ ثور. حكمةُ النبيِّ في الاتجاه نحو الجنوب أنّ قريشاً كانت ترى، على أكثرِ الاحتمالات، أنَّ محمّداً سيسلك الطريقَ التي سلكها المسلمون من قبله ويتّجه شمالاً نحو يثرب.

الخَيْبَةُ الكبرى

شعر المتآمرون لقتل النبي بخَيْبةٍ كبيرةٍ عندما رأوا عليَّ بنَ أبي طالبٍ هو الذي خرج من بيت محمّدٍ، وأنه هو الذي كان راقداً في فراشه. عندئذٍ ثار غضبُ زعماءِ مكّة ودعوا الناس لطلبِ محمّدٍ، ولِمَن يقبضُ عليه جزاؤُه مائةُ ناقة. استقطبت المكافأةُ الثمينةُ هذه العديدَ من الناس للبحث عن محمّد، لكنّهم لم يتمكّنوا من العثورِ عليه بفضلِ حكمتِه وخطّتِه للهجرة.
بقي النبيُّ محمّدٌ وصاحبُه أبو بكرٍ في غارِ ثور ثلاثةَ أيّام، وفي الليل كان عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ يأتيهما بالطعام والأخبار والتطوّرات الحاصلة في مكّة. وبعد الثلاثة أيام استأنف محمّدٌ وأبو بكرٍ الرحلة، والتقَوا بدليلِهم عبدِ اللهِ بنِ أُريقط، وبدؤوا المسيرَ إلى يثرب غرباً متّخذين طريقَ البحرِ الأحمر بدلاً من الاتجاه شمالاً في الطريق المباشر إلى يثرب. وفي منتصف شهر يونيو / حزيران من العام 622 ميلاديّ وصل النبيُّ محمّدٌ وصديقُه أبو بكرٍ بأمانٍ إلى يثرب بعد رحلةٍ دامت ما يزيد عن السبعة أيّام. وجُعل هذا اليوم فيما بعد بدايةَ التّقويم الإسلامي.
استُقبِل محمّدٌ بالترحيبِ في يثرب، وسمّى أهلُ يثربَ مدينتَهم بمدينةِ النبي، اختصاراً المدينة. في المدينة بدأ النبيُّ عملَه ببناءِ أوّل مسجدٍ في الإسلام، ومنه بدأ بنشر رسالتِه. ثم ساهم رسولُ الله في تطويرِ المؤسّسات الاجتماعية والسياسية في المدينة إضافةً إلى الجانب الروحاني والديني. أدّت هذه التطوّرات إلى إحلالِ السلام وتمتين الروابط الاجتماعية بين الناس.

تطويرُ المدينة المنوَّرة

أراد اللهُ بحكمتِه الازدهارَ والنجاحَ لعبادِه في كافة ميادين حياتِهم، وجاء في القرآن الكريم أنَّ أمانةَ الله في عبادِه لاستخدام الأرض تكمُن في إعمارِها. وبدراسةِ دورِ محمّدٍ القيادي في المدينة يمكن بسهولةٍ رؤيةُ بنائها وتحولها إلى مدينةٍ حيويّةٍ ومركزٍ للدعوة.

من أهم الأعمال التي شيّدها النبيُّ محمّدٌ هي ما يلي:

1- بناء المسجد النبوي: قام محمّدٌ وأصحابُه ببناءِ مسجدٍ ليكون مركزَ العمل الديني والاجتماعي.
2- عقد اتفاقيةِ صلحٍ بين الأوس والخزرج: الإنجاز الثاني هو عقد اتفاقيةِ صلحٍ بين اثنتين من أكبر قبائلِ المدينة المنوَّرة الأوسِ والخزرج.
3- تكليف مشروعٍ صحي: مرض الكثير من المهاجرين في المدينة لعدم وجود مناعةٍ لديهم ضدّ الأمراض المنتشرة فيها. فشكّل النبيُّ محمّدٌ لجنةً لتنظيف شوارع المدينة من النفايات وجمعها ونقلها إلى مكانٍ بعيد في البادية يُدعى الجُحفة. هذه العملية جعلت المدينة مكاناً أكثر صحّةً وأصلح للجميع.

 

برناردشو
“لطالما حملت دين محمد – صلى الله عليه وسلم – تقديراً عالياً لما فيه من حيوية رائعة. إنه الدين الوحيد الذي يبدو لي أنه يمتلك تلك القدرة على استيعاب التطور المتغير للوجود.
لقد درسته – هذا الرجل الرائع – وفي رأيي أنه بعيد كل البعد عن أن يكون معادياً للمسيح، بل يجب أن يطلق عليه منقذ البشرية.”

الوسط السياسي في المدينة

إن تحسين الموارد الحياتية في المدينة لم يكن لتنزيل خطر قريش الوشيك؛ ولم يعتقد النبي والمسلمون أن مضطهديهم قد تخلوا عن مطاردتهم ولو للحظة. الثلاثة عشر عاماً من تعرض المسلمون للقمع والإذلال والتعذيب والاضطهاد والطرد على أيدي قريش لم تنتهِ حتى بعد هجرتهم إلى المدينة، فقريش ما زالت تنتهز فرصة لضربهم. فقد جَيَّشَت عدداً من القبائل المحيطة بالمدينة ضد المسلمين وللإغارة على المدينة. علاوة على ذلك، كانت الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية، الواقعتان خارج حدود الجزيرة العربية مباشرة، تنظران إلى المسلمين على أنهم خصوم.
تطلب هذا الوضع العدائي مساراً جسيماً يعتمد على التخطيط والاستراتيجية. ولذلك، كان على الحفنة الإسلامية الناشئة حاجة إلى استراتيجية دفاعية قوية حتى لا تتمكن قريش وحلفاؤها من القضاء عليهم.

استراتيجية البقاء على الحياة

كانت الشؤون الاجتماعية والسياسية في المدينة مختلفة عن تلك التي في مكة. ففي المدينة مارس المسلمون شعائرهم بحرية، لكن النفاق في الداخل والخارج سرعان ما سلط الضوء على سلامتهم واستقرارهم. وبما أن المسلمين كانوا أقل عدداً من خصومهم، فقد قرروا اتباع استراتيجية “الوقاية” من أجل “القضاء” على الخطر.

وفي تفصيل هذه الحقيقة، قالت كارين أرمسترونج في كتابها محمد – سيرة النبي:

“كان المسلمون بحاجة إلى إظهار صورة القوة والحسم من أجل البقاء على قيد الحياة في الدولة العربية التي ينعدم فيها القانون في القرن السابع. لذلك، في المدينة المنورة، كلما سمع النبي أن قبيلة واحدة، بتحريض من مكة، تستعد لغزو المدينة، كان يسير بقوة لإحباط الهجوم. ونتيجة لذلك، تؤول المعارضة إلى الذوبان بمجرد وصول المسلمين.”

الإذن بالدفاع عن النفس 623 م

على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، لم يستخدم المسلمون القوة للدفاع عن أنفسهم من أجل الحفاظ على أمن وسلامة مكة المكرمة. والآن بعد أن أصبح المسلمون يتمتعون بالاستقلال الذاتي، أصبح لزاماً عليهم الدفاع عن أنفسهم ضد عدو خارجي وشيك. وفي الوحي التالي، أذن الله بحكمته البالغة للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ سورة الحج 39-40
ولضرورة إظهار القوة واستراتيجية الدفاع عن المدينة، قام المسلمون بعدة غزوات على القبائل المحيطة بالمدينة. هذه الحملات كانت بمشاركة النبي المباشرة أو بدونها. عملت هذه الحملات على إنهاء محاولات لغزو المدينة، وإقامة اتفاقيات سلام وتحالفات مع تلك القبائل وقبائل أخرى. من هذه المعاهدات، معاهدات قبائل ضَمْرَة ومُدْلِج. علاوة على ذلك، مارس المسلمون ضغوطاً اقتصادية على قريش من خلال اعتراض قوافلهم التجارية. ولم تتم مصادرة أي بضائع على الإطلاق، على القوافل في سرية عبد الله بن جحش إلى نَخْلَة، باستثناء مهمة واحدة أُرسلت لمراقبة تحرك قريش، لا للاستيلاء.

حظر الاضطهاد الديني

أشرنا في الفقرة السابقة إلى إرسال فرقة استطلاع إلى نَخْلَة لترصد تحرك قريش، وهي أنه في عام 632 أرسل النبي محمد حملة استخبارية على قريش والتي آلت إلى الهجوم على قافلة مكية وقتل قائدها، واحتجاز اثنين كرهائن حرب، ومصادرة بضائع القافلة. كان هذا الحدث في اليوم الأخير من آخر الأشهر الحُرُم. والمتعارف عليه عند العرب أنه خلال هذه الشهور يسود الأمن والسلام ولا تُراق الدماء.

وعندما عادت فرقة الاستطلاع مع أسيرين والبضائع المصادرة، غضب النبي محمد ورفض قبول الأسرى والبضائع قائلاً:

“ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام.” الزايد ج1 ص 330
على أثر ذلك أسرعت قريش في الإعلان بأن محمداً انتهك قداسة الأشهر الحرم.
وقبل أن يكثر الضغط على أعضاء الحملة لقتلهم امرأً في الأشهر الحرم، نزل الوحي على النبي محمد معلناً أن القتل في الأشهر الحرم إثم كبير، ولكن الاضطهاد الديني إثم أكبر،

فجاءت الآية تقول:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ سورة البقرة 217

حكم قتل المرتد بدعة

يوضح الباحث حسن المالكي في كتابه “حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية” أن حكم قتل الشخص بسبب ارتداده عن الإسلام هو بدعة ونتيجة دوافع سياسية، ولا أساس له في الإسلام. ويعلل المالكي حرية الإسلام في الاعتقاد وعدم قتل المرتد إلى المبادئ العليا للقرآن الكريم التي هي الابتلاء والعدل والإيمان كما يلي.

الابتلاء

الدليل من كتاب الله على علة الابتلاء واختبار الإنسان فيما أعطاه الله من نعم الحواس والعقل والقلب والمال والصحة وغيرها كثير،

منها قوله تعالى في سورة المائدة:

“وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (المائدة 48)
فالابتلاء يبني عليه التكليف، والتكليف ينبني عليه حرية الاختيار، فلا ابتلاء في حق غير المكلف من حيوان ونبات وجماد وإنما هم مجبولون على أداء وظائف معينة.

العدل

فطرة العدل في القرآن الكريم مقدمة عن فطرة الإيمان. فالقرآن جعل الإيمان اختيارًا والعدل إلزامًا،

فقال عن الإيمان:

“وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف 29)

وقال عن العدل:

“لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ” (الكهف 25)

الإيمان

يعلل المالكي أن “قضية الإيمان قضية مركزية في الرسالات السماوية، والإيمان عدة قضايا تتفاوت من حيث الأهمية – وكلها على أهمية كبيرة – ولكن أهم قضايا الإيمان أمران: الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وهما أهم من الإيمان بالرسل والكتب والملائكة، لأن الذي يؤمن بالله ويعرفه يكون بحسب معرفته بالله أقوى على تحمل البلاء والاستعداد له.
فالإيمان بلا شك من أكبر دلائل النجاح في الابتلاء، ومن مثبتات العدالة ومحفزات الفضيلة، فالدنيا لا تستحق من الإنسان أن يضحي فيها بضميره وصدقه وشهادته لله ونصرته للعدالة.”
إن الفكرة المنتشرة في إعدام المرتد تنتهك تعاليم القرآن ومبادئه العليا المتمثلة في الحرية والابتلاء والعدل. ويوضح المالكي أن الردة عن الإسلام حصلت في حياة النبي، ومع ذلك، فالنبي لم يقتل المرتد، لأن المحاسبة على مثل هذه الأفعال هي لله وحده، وليست لأي شخص آخر. يستثنى من هذا من ارتد وقام بمحاربة الإسلام والمسلمين فأمره داخل في آيات الحرب.

والآيات التي تحدثت عن الردة والمرتدين لم تأمر بقتلهم، يقول الله تعالى:

“كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ 86 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ 87 أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ 87 خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ 88 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ” (المائدة 86-89)

يعقب الباحث فرحان المالكي على هذه الآية قائلاً:

“هذه الآيات أيضا صريحة جدًا بأن بعض المسلمين (الصحابة) كفروا بعد إيمانهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكفروا بعد ما جاءتهم البينات، فماذا كانت عقوبتهم في الدنيا؟ الجواب: لا شيء، إنما أخبر الله عز وجل بأن هؤلاء ظلموا أنفسهم، وأن عليهم اللعنة، ومع هذا كله دعاهم إلى التوبة ولم يقطع باب الرجاء عليهم…” (حرية الاعتقاد ص 77)

ثمة آيات أخرى تقول:

“إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيهِمْ سَبِيلًا” (النساء 4:137)
“إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ” (آل عمران 90)
“يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (المائدة 54)
لم يرد في أي مقطع من المقاطع القرآنية السابقة ما يأمر النبي أو المسلمين باستخدام العنف أو القتل، بل تُرك أمرهم إلى الله.

أيضًا، نقرأ في السيرة النبوية قصة بدوي أعلن إسلامه أمام النبي محمد، وفي اليوم التالي عاد إليه طالبًا سحب ولائه للإسلام. غير أن النبي أعرض عنه، كما في الحديث التالي للبخاري:

روى جابر بن عبد الله: “أنَّ أعرابيًا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعكٌ بالمدينة، فأتَى الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أقِلْني بيعتِي، فأبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءه فقال: أقِلْني بيعتِي، فأبَى، ثم جاءه فقال: أقِلْني بيعتِي، فأبَى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها” (البخاري)

وفي معرض شرحه لقصة البدوي، قال المالكي:

“إن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف بهدوء، وأنكر طلب الرجل، ولم يأمر بإعدامه، ولم يرسل من يقتله.” وقال أيضًا: “إن حكم إعدام المرتد بالقتل غريب عن الإسلام وهو بدعة، وباب التوبة لله تعالى مفتوح دائمًا. ولذلك فإن قتل المرتد هو تدخل في شؤون الله وحكمه سبحانه وتعالى ورحمته. ثم لماذا يتصرف النبي صلى الله عليه وسلم بما يخالف ما أوحي إليه من مبادئ حرية الإيمان؟ ألا يخالف بذلك حكمة الله تعالى وشريعته؟”

المفهوم الخاطئ للجهاد

لقد أساء بعض المسلمين استخدام فكرة الجهاد في الإسلام من دفاعي إلى هجومي وبشكل فاضح. ونتوجه إلى كتاب الدكتور خالد أبو الفضل، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة كاليفورنيا، “السرقة الكبرى – استرجاع الإسلام من المتطرفين”،

ليشرح وجهة نظر الإسلام في الحرب والجهاد:

“إن مفهوم الجهاد في الإسلام كثيرًا ما يُساء استخدامه ويُساء فهمه. بعض التصريحات الإسلامية جعلت مفهوم الجهاد أكثر إرباكًا وحتى فوضوية.” ص. 220
“إن الجهاد، الذي تدعيه وسائل الإعلام الغربية وكما يستغله الإرهابيون، غالبًا ما يرتبط بفكرة الحرب المقدسة التي يتم نشرها باسم الله ضد الكفار، وغالبًا ما يتم مساواتها بأكثر الصور المبتذلة للتعصب الديني.”
“إن كلمة الجهاد تعني أدبيًا “السعي والجهد والنضال والمثابرة.” وهي تساوي النضال من أجل تحقيق الأعمال الروحية والمادية السليمة.” إن التقوى والمعرفة والصحة والجمال والحقيقة والعدالة مستحيلة دون العمل الجاد والمستمر. ولذلك فإن التطهير من الغرور والتفاهات، وطلب العلم، وعلاج المرضى، وإطعام الفقراء، والدفاع عن الحق والعدل، حتى مع المخاطر الشخصية الكبيرة، كلها أشكال من الجهاد.
“لقد علَّم النبي محمد مرارًا أن أعظم أشكال الجهاد هو الكفاح ضد أهواء المرء…. وبنفس المنطق، فإن الجهاد أو الاجتهاد في الحرب، بشرط أن تكون الحرب عادلة، هو أيضًا جهاد.
إن عبارة “الحرب المقدسة”، التي صيغت خلال الحروب الصليبية، لا يمكن أن تساوي الجهاد. وقال: “إن الحرب في الإسلام ليست مقدسة على الإطلاق، فهي إما مبررة أو غير مبررة، وعندما تكون مبررة، فإنها تُستخدم فقط كملاذ أخير.”

وماذا عن الحرب في الإسلام؟

تابع الدكتور أبو الفضل قائلاً: “وفقًا للقرآن، قد تكون الحرب ضرورية، بل وقد تصبح ملزمة وواجبة، لكنها ليست أبدًا خيرًا أخلاقيًا.
لا يستخدم القرآن كلمة الجهاد للإشارة إلى الحرب أو القتال؛ تسمى مثل هذه الأفعال بالقتال. وفي حين أن دعوة القرآن إلى الجهاد غير مشروطة وغير مقيدة، إلا أن القتال مشروط. فالجهاد جيد في حد ذاته، والقتال ليس كذلك. الجهاد أمر جيد وأشبه بأخلاقيات العمل عند البروتستانت: العمل الجاد من أجل القضايا النبيلة.

لكن القتال أمر مختلف تمامًا. كل إشارة في القرآن إلى القتال تأتي مقيدة ومشروطة:

“وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين” (البقرة 190).
أما الحث على الجهاد، كمثل العدل أو الحق، فهو مطلق وغير مشروط. وفي كل مناسبة يحث فيها القرآن المسلمين على القتال، فإنه يسارع إلى تأهيل النداء بأمر المؤمنين ألا يعتدوا، بل يجتهدوا في العفو والسلام.

الجزء الثالث

هضم الأمن الذي وهبه الله للناس هو ظلم وفساد:

هناك أسباب أسمى لصيانة الأنفس والممتلكات في الإسلام. فالحقيقة، إن النبي محمد أمر المسلمين بالامتناع عن العنف في مكة والمدينة وأماكن أخرى لرحمة إلهية: حفظ الأمن والسلام للخلق. يعتبر القرآن إثارة الخوف والرعب والعنف وتعطيل نظم الحياة من الظلم والفساد.
إن خلق الاضطراب والتعدي والاغتيال وخلق البلبلة والاعوجاج وما شابه ذلك مما يثير المخاوف وينتهك حقوق الناس في أمنهم الذي شرعه الله لهم، يمكن أن يؤدي إلى حروب أهلية وشق صفوف الأمة.
أحد أسباب وجود الإنسان على الأرض (“واستعمركم فيها”) هو لبنائها، لا لهدمها. من أجل هذا أعطى الله تعالى الأمن الضروري للناس كفرصة حتى يقيموا حياتهم الدينية والدنيوية بالسلم. ولذلك سخر الله تعالى الأرض والسماوات (هود 61) لخدمة الإنسان.
ولهذا لم يسمح النبي محمد في مجتمعه بأي قلقلة أو اضطراب أو عنف.

يقول الدكتور عدنان إبراهيم أنه عندما طلب بعض أصحاب النبي محمد أن يغتال صناديد قريش، رفض قائلاً:

“الإيمان قيد الفتك. لا يفتك مؤمن.” الإمام أحمد بسند صحيح
تضم كلمة “فتك” كل الشرور من خيانة، خداع، بلبلة، تضليل، إبادة، اغتيال، تعدي، هجوم، سحق، تدمير، واستئصال. ربما يمكن للمرء أن يرى لماذا امتنع رسول الله صلوات الله عليه عن القيام بأي انتقام أو أعمال فيها العنف والشدة. والشيء الجيد هو أن المجتمع الإسلامي أصبح عندئذ مستقلاً في المدينة ويمكنه الدفاع عن نفسه من الهجمات الخارجية.انظر الموضوع الهام: هضم الحقوق الأمنية للإنسان ظلم وفَسَاد

غزوة بدر 624 م

تذكر أن المسلمين حاولوا الضغط على قريش باعتراض قوافلهم. وقد وقعت معركة بدر بسبب إحدى محاولات الاعتراض هذه. كانت القافلة التي يقودها أبو سفيان تحمل الكثير من بضائع قريش. فأرسل أبو سفيان رسولاً إلى مكة يستنجد بقريش لإنقاذ قافلتهم. وفي هذه الأثناء، كانت القافلة قد نجت من المسلمين إلى مكة. وبعد أن علمت قريش بمحاولة المسلمين اعتراض القافلة، استدعت حلفاءها وجهزت جيشًا قوامه ألف مقاتل لنجدة القافلة. وعلى الرغم من وصول قريش الأخبار بنجاة القافلة، إلا أن قائدهم أصر على مهاجمة 314 مسلمًا غير مجهزين للحرب. ونصح بعض شيوخ قريش، مثل عتبة بن ربيعة، بعدم الهجوم على المسلمين والعودة إلى مكة. لكن الزعيم البارز في قريش، أبو جهل، رفض الطلب وأصر على لقاء المسلمين لهلاكهم.

نهج محمد التشاوري والعقلاني في غزوة بدر

وعلى عكس القادة المتشبثين بآرائهم، تصرف النبي محمد بعقلانية ورشد. وكان من عادته أن يستشير قومه في الأمور المصيرية، خاصة فيما يتعلق بحياتهم وشؤونهم الخاصة، ولم يكن ليتمسك برأيه وهو النبي. على سبيل المثال، قبل الاشتباك مع قريش في غزوة بدر هذه، استشار النبي قومه حول ما إذا كانوا يرغبون في قتال قريش أم لا. وكان جوابهم هو قتال قريش.
عندما وصل 314 رجلاً إلى آبار بدر، وبدأ النبي في تركيز الرجال بمواقع استراتيجية، تساءل الحباب بن المنذر في قرار النبي بشأن مكان المعركة: “أرأيك يا رسول الله أم وحي من عند الله؟” وكان رد النبي: “هذا رأيي”. قال الحباب: لم يكن هذا هو الاختيار الصحيح؛ والخيار الأفضل أن تكون آبار الماء خلفنا حتى نستخدمها، وقريش عندئذ لا تستطيع ذلك. بسهولة، أخذ النبي بنصيحة الحباب وجعل آبار المياه خلف صفوف الرجال.
في 8 يناير 624 م، اشتبك 1000 من المكيين مع 314 مسلمًا نحو آبار بدر. وكانت قريش تتفوق على المسلمين ثلاثة إلى واحد.
“.اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ، فَلَا تُعْبَدُ فِي الأَرْضِ أَبَدًا”
ومد محمد يديه وهو يدعو. ثم ما أن اشتبكت القوات، حتى هبت عاصفة عنيفة في وجوه المكيين. “صرخ النبي بنشوة ’جبريل‘، ’مع ألف من الملائكة يهبطون على الأعداء‘.”
“والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا ادخله الله الجنة، فقال عمير بن الحمام أحد بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ بخ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء وقاتل حتى قتل.”

وعلى الرغم من أن المسلمين قاتلوا بجرأة وهزموا الوثنيين، إلا أن الله تعالى قال لهم:

“فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى.” الأنفال 17
وكان مجموع القتلى من المسلمين والمشركين أربعة عشر وسبعين على التوالي، فيهم عدد من قادة قريش. تم أخذ أكثر من سبعين مشركًا آخرين كأسرى حرب. وفي وقت لاحق، دفع كل سجين فدية. وكان على أولئك الذين لم يتمكنوا من الدفع أن يعلموا عشرة أطفال كيفية القراءة والكتابة.

الأسطورة:

المسلمون يدخلون الجنة بقتل المسيحيين أو اليهود
ومن الحكمة أن نفحص الأسطورة القائلة بأن المسلم يدخل الجنة بقتل مسيحي أو يهودي. ومصدر هذه الأسطورة هو استعمال قول النبي أعلاه في غير موضعه: “والذي نفسي بيده…” ففي غزوة بدر لم يكن هناك نصارى ولا يهود. بل على العكس من ذلك، فإن مبادئ الإسلام لا تسمح بالهجوم على أي إنسان من أي ملة، وخاصة المسيحيين واليهود.

على سبيل المثال، يقول الله تعالى:

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.” البقرة 62

ومن المثير للاهتمام أن المسلمين يقدسون جميع أنبياء الكتاب المقدس لإسلامهم لله:

“قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.” آل عمران 84
وأخيرًا، فإن فلسفة الاستشهاد في الإسلام المتمثلة في دخول الجنة لا ينبغي أن تكون مفاجئة؛ لأنها لا تختلف عن مفهوم الاستشهاد في المسيحية أو اليهودية. حتى يكون فهمنا صحيحا بالنسبة للقتال في الإسلام، انظر، السياسة الخارجية للإسلام سلام أم حرب؟

نبوءة من الكتاب المقدس

المسلمون يؤمنون بالعديد من نبوءات الكتاب المقدس عن مجيء الإسلام. ولكن من اللافت للنظر أن الآية التالية من الكتاب المقدس، بتفصيل كبير، عبرت عن حدث وصول النبي إلى المدينة وانتصاره في بدر.
“الإصر يقع لدى العرب، في وعر العرب ستبيتون يا رفقاء الددانيين. سكان أرض تيماء يقدمون الماء للعطشى ومن خبزهم. تقبلوا من هرب لأنهم هربوا من السيوف، السيوف المسلولة والقوس المشدودة وشدة الحرب. لأنه هكذا قال لي الرب في سنة، الأجير يَفني كل مجد قيدار وبقية أبطال بني قيدار تُقتل. لأن الرب إله إسرائيل تكلم.” إشعياء 13:21-17

النفاق

وفي المدينة المنورة، كما في مكة، تعامل النبي مع سيئي النية والنفاق البشري. فقد شعر بعض أصحاب الأهواء الشخصية أو الحقد أن النبي أو ظهور الإسلام قد سلبهم أعمالهم أو زعامتهم مثل أبي عامر الكاهن. وقد بدأ هؤلاء الأفراد في إثارة العداء للنبي والمسلمين بخبث ودهاء. وكان بعضهم يستثيرون أفرادًا من اليهود للطعن في النبي. وكان آخرون يحرضون قريشًا على مهاجمة المسلمين.

غزوة أحد 625 م

وفي عام 625 م، قامت قريش، التي حشدت العديد من القبائل وجمعت جيش قوامه ثلاثة آلاف شخص لمهاجمة المسلمين والانتقام لقتلاهم في معركة بدر من العام السابق. واستشار النبي قومه في مكان اللقاء. الخياران هما إما البقاء في المدينة أو الخروج إلى شمال المدينة أمام جبل أحد.
واختار معظم المسلمين الخيار الأخير الذي اتخذه النبي. ومع ذلك، فإن هذا “التصويت بالأغلبية” أو القرار الذي تم التوصل إليه ديمقراطيًا كان غير مريح لرأس النفاق عبد الله بن أبي سلول. وفي الطريق إلى ساحة المعركة، انقسم ثلث جيش المسلمين وعادوا إلى المدينة بقيادة عبد الله بن أبي سلول القائل متذمراً: “لقد أطاع (محمد) الصغار وعصاني.”
واستُخْرِجَت معركة أحد بهزيمة المسلمين. وأصيب النبي وكثير من أصحابه بالجروح. وكان عدد قتلى المسلمين 73؛ معظمهم من المدينة. وكان عدد القتلى من المشركين 35.
لمنع هجمات مكية أخرى على المدينة، أمر محمد المسلمين بمطاردة الوثنيين. هذه المطاردة تدل على عزم المسلمين للدفاع عن المدينة من أي محاولات هجوم أخرى. وأقام المسلمون بحمر الأسد ثلاثة أيام حتى ذهب خطر قريش.

رحمته صلوات الله عليه حتى في أرض المعركة

أن تطلب الرحمة لخصمك في أوقات اعتيادية شيء، لكن أن تطلب المغفرة لعدوك، وفي ساحة المعركة هو شيء آخر يعلو في سماه. ففي أحد، عندما انهزم المسلمون، أصيب النبي، ونزف وجهه وجبهته دمًا. فقال بعض أصحابه المشفقين عليه: يا نبي الله، ألا تلعنهم؟ فقال:
“إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لُعَانًا وَلَكِنْ رَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.” رواه البخاري
لا يمكن للأشخاص العادلين والمحترمين إلا أن يستطيبوا النبي محمد. ومن بين هؤلاء مهاتما غاندي.


Gandhi's Quote about Prophet Muhammad

“أردت أن أعرف أفضل ما في حياة الرجل (محمد) الذي يتمتّع اليوم بأثرٍ لا يقبل الجدل على قلوب الملايين من البشر. لقد أصبحتُ مقتنعًا أكثر من أيِّ وقتٍ مضى بأنَّ السيف لم يكن هو الذي أعطى مكانًا للإسلام في تلك الأيّام في برمجة الحياة. لقد كانت البساطة الصارمة، نُكران النبيِّ لذاته، واحترام العهود، إخلاصه الشديد لأصدقائه وأتباعه، وجُرأته، وشجاعته، وثقته المطلقة بالله وفي رسالته. هذه المزايا، وليس السيف، هي التي عالجت كلَّ شيءٍ صادفها وتغلّبت على كلِّ عقبة. – مهاتما غاندي.

أزمة الأيتام وتعدّد الزوجات

خلقت خسارة الثلاثة وسبعين رجلًا مسلمًا في معركة أُحُد، معظمهم من المدينة، مشكلة جديدة للمسلمين؛ حيث كان العديد من الأرامل والأطفال بدون رجلٍ يحميهم ويعطف عليهم، وليس لهم أيُّ عملٍ لكسب العيش. وغيرهنَّ مِمَّن فقدن أزواجهن كانت لديهنَّ ممتلكات وأعمال تتطلّب الإدارة والرعاية. فكيف لعلاج هذا الوضع؟ كان الحل الإلهي لهذه المشكلة الإنسانية هو تعدّد الزوجات للرجل. والرجل الذي يستطيع إعالة زوجةٍ إضافية وأطفالها بعدلٍ يستطيع أن يفعل ذلك. على الرغم من أنَّ تعدّد الزوجات في العوالم السابقة ليس له حدود، إلا أنَّ الإسلام حدّده بأربع سيدات للرجل، مرّة أخرى بشرط أن يتمكّن من معاملة الجميع على قدم المساواة. وتعدّد الزوجات بهذه الطريقة يُعالج ظرفًا إنسانيًّا. تتمتّع الأرملة الآن بالأمان والعطف ولديها من يهتمّ بأطفالها وأعمال أسرتها. في العصر الحديث، توفّر بعض الولايات في الولايات المتّحدة الأمريكية للأمهات الأرامل وأطفالهنَّ الدعم المالي والطبي بعيدًا عن عطف الزوج والتراحم.

مماثلة مبدأ الشورى في الإسلام للديمقراطية

إنَّ مبدأ الشورى يتوازى في بعض جوانبه مع الديمقراطية، وبتشجيع من الله تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران 159).
ويُؤيِّد القرآن تشييد الشورى، حتى لو كان ذلك على حساب خسارة ثُلث الجيش، في وقتٍ حرج قبل الاشتباك، في حالة معركة أُحُد. استعرض عبد الله بن أُبيّ سلول طريقة السيطرة القبلية الاستبدادية، حيث انخزل مع 300 شخصٍ من أتباعه وتركوا جيش المسلمين عرضةً للعدو. وإذ قال: “إن محمدًا انحاز إلى الأولاد وليس لي”، والذين كانوا هم الأغلبية. على الرغم من أنَّه ليس من المفترض أن يصوّت المسلمون على الله وأوامره كالمحرَّمات أو المأذونات، إلا أنَّهم أحرار في الإدلاء بالآراء حول العديد من الأمور والعوائق المتعلقة بصحّتهم ومصالحهم، على غرار المجتمع الديمقراطي.

استفزازات قريش والإجراءات الإسلامية الوقائية لعدم وقوع الحرب

وكما ذكرنا سابقًا، ومنعًا لأي هجماتٍ مكية أخرى على المدينة، أمر رسول الله جيش المسلمين بمطاردة المكيين في عرضٍ لاستعدادهم للدفاع عن المدينة من أيِّ هجومٍ جديد. ونزل المسلمون بحمراء الأسد ثلاثة أيام.
قريش في ادعائها بأنَّ “هزيمة المسلمين في أُحُد قد قرَّبت نهايتهم”، قامت بحملة تأجيجية لدى العديد من القبائل المتحالفة معها للهجوم على المدينة. بهذه العملية، تحاول قريش إخضاع المسلمين، إيقاف تجارتهم وعلاقاتهم مع القبائل الأخرى، وإفساد أي وسيلة لاستقرارهم في مجتمعهم. بعد بضعة أشهرٍ من وقعة أُحُد، وبدافع من دعايات قريش، بدأت قبيلتان في التجمّع لمهاجمة المدينة. ولكن بفضل تحرّك رسول الله السريع لإحباط الهجمات، مُنع المزيد من العداوات.
فقد بعث رسول الله 150 رجلًا إلى قبيلة بني أسد الذين فرّوا إلى الجبال، وبعثة مثلها إلى قبيلة بني هُذيل. قُتل خالد الهُذلي، الذي أعدّ ونظّم العديد من الرجال من عدة قبائل، ممّا أنهى الخلل في المجتمع والاضطراب. لقد استبقت إجراءات رسول الله الوقائية كُلًّا من دوافع التحرّش والتدخّل والتدمير. العمليات في منع الحروب هي التي حفظت المدينة بالأمن والأمان والسلام الذي وهبها الله إيّاه.

تأمُر الرَّجيع وبئر مَعونة 625 م

أدَّت مؤامرات أخرى إلى تعطيل استقرار المسلمين في مجتمعهم. ففي حادثتين منفصلتين، اقتربت قبائل مضمرَة السوء إلى النبي محمد ﷺ سائلةً إيّاه توفير الدعاة لقبائلهم القاطنة حول المدينة.
في الحالة الأولى، الرَّجيع، قامت قبيلة هُذيل برشوة قبيلة بني عامر لقتل الدعاة المسلمين لديهم. وفي الرَّجيع، تعرّض الدعاة للخيانة، حيث تم أخذ اثنين منهم كرهائن، وقُتِل الباقون. وبعد ذلك تم بيع الرهائن لقريش، ومن ثم صَلبهم في مكة.
أمّا الحادثة الثانية فكانت في قتل سبعين مسلمًا في قبيلة صَعصعة. خان زعيم القبيلة السبعين مُبشِّرًا عند بئر مَعونة. قُتِلوا جميعًا باستثناء واحد. على أثرها، أمر النبي محمد، الذي حزن عليهم كثيرًا، بغارة لمعاقبة قتلة صَعصعة الذين اختفَوا في الجبال. وعادت البعثة بالإبل والغنائم.

غزوة ذات الرِّقاع 624 م

تلقّى النبي محمد أنباءً عن أن قبائل من بني غَطفان كانوا يتجمعون في ذات الرِّقاع لأغراضٍ مشبوهة. وتقدّم محمد نحو نجد ومعه 400 شخص. فلمّا وصل المسلمون لم يجدوا التجمّع، إذ انصرفوا إلى الجبال. وهكذا انتهى الخطر المحتمل، ولم يحدث أي قتال.

محمد ﷺ يستجوب أمر الطيور المزعوجة

إنه من الممتع أنه خلال حملة ذات الرِّقاع، جاء رجل بعُشِّ طيرٍ يحمل فيه فِراخًا، فأقبلت أُمهن حتى وقعت عليهنّ معهنّ وأبَتْ إلا لزومهنّ. فقال رسول الله لأصحابه:
“أتَعجَبون لرحمةِ أُمِّ الأفراخ فِراخَها؟” قالوا: نعم يا رسول الله. قال: “فوالذي بعثني بالحق، للهُ أرحمُ بعباده من أُمِّ الأفراخ بفراخها، ارجع بهنّ حتى تضعهنّ من حيث أخذتَهنّ وأمهنّ معهنّ.” فرجع بهنّ.
(سنن أبي داود، السيرة ج 2 / 34)

معركة الأحزاب أو الخندق 627 م

قريش لم تزل مُصرَّة على ألّا تترك المسلمين يعيشون حياتهم، وواصلت حملاتها ضدهم، فجمعت العديد من القبائل للانضمام إليها لمهاجمة المسلمين في المدينة في العام المقبل.
ومن المعلوم أن حُييّ بن أَخطَب، زعيم قبيلة بني النضير اليهودية، لعب دورًا كبيرًا في إثارة قريش وغطفان والعديد من القبائل العربية لتشكيل تحالف لمهاجمة المسلمين في معركة الأحزاب أو الخندق عام 627 م.
أعدّت قبيلة النضير 2000 رجل و300 فارس، وأقنعت قبائل أَسَد وسُليم بالانضمام إلى الحِلف. وفي خلال عام وصل الحلف إلى ما يقارب 10000 شخص، وخرجوا لمهاجمة المسلمين في المدينة. فما هو مصير نحو 2500 مسلم يواجهون جيشًا قوامه 10000 شخص في المعركة؟ هل يمكن أن يعني هذا نهايتهم؟ مرة أخرى، استشار النبي محمد قومه في توصياتهم ومقترحاتهم. وكانت إحدى التوصيات هي توصية سلمان الفارسي، الذي اقترح حفر خندقٍ عميق أمام قوات التحالف لمنعهم من الوصول إلى المدينة. الامتنان والشكر لرسول الله على مشورة الآخرين ورأي سلمان القيِّم.
وسرعان ما خطط النبي محمد ﷺ عملية مفصّلة ومتكاملة لحفر الخندق. وفي غضون 25 يومًا فقط، قبل وصول الأحزاب، اجتهد المسلمون في حفر خندق ضخم، عرضه حوالي 4 أمتار، وعمقه من 4 إلى 6 أمتار، وطوله حوالي 2000 متر. لا يمكن لأي شخصٍ على ظهر حصان عبور الخندق بسهولة قبل مواجهة الخط الأول من دفاع المسلمين. تفاجأ الأحلاف عندما واجهوا الخندق ولم يتمكنوا من عبوره. ومع ذلك فقد نزلت جيوش قريش أمام الخندق. لقد فشلوا في إدخال المسلمين في معركةٍ للأيام القليلة القادمة.
وبعد ذلك، قام شُعراء قريش (عمرو بن وُدّ العامري وضرار مرداس) بإغراء المسلمين لفظيًا على القتال، وإلقاء قصائد تَسبّ المسلمين وتُذلّهم وتستفزّهم على القتال، ولكن دون جدوى. ويستمر المسلمون في الامتناع عن دخول المعركة. واستمر حصار قريش للمدينة أربعين يومًا. وفي هذه الأثناء حاول فرسان قريش مرارًا وتكرارًا عبور الخندق لكنهم فشلوا. والشكر للمسلمين الذين كفّوا أيديهم عن التحدي ولم يرتكبوا العنف أو سفك الدماء. وبعد نفاذ الخيارات، دعا وأقنع حُييّ بن أَخطَب كعبَ بن أَسَد، زعيم قبيلة قُريظة، بنقض العهد مع محمد وطعن المسلمين في الظهر. وهذا يُعتبر خيانة كبرى.
وفي هذه الأثناء، أقنع النبي محمد قبيلة غَطفان، إحدى قبائل الأحزاب العملاقة، بالانفصال عن قريش. أدّى رحيل غَطفان إلى تدهور الأوضاع وإضعاف الحِلف بشكل كبير. وأدرك زعماء قريش عجزهم عن تَورّط المسلمين في القتال، وأنَّ إمداداتهم من الغذاء والماء تُستنزَف بسرعة. وإلى جانب هذا كلِّه تأتي معونة الله – ريحٌ شديدة تضرب الرمال والأتربة في وجوه أفراد الحِلف، وتهدم خيام قريش وممتلكاتها، ممّا يُعرّضهم للطَّقس البارد. هذه العوامل مجتمعة دفعت زعماء قريش إلى إعلان الانسحاب والعودة إلى مكة.
وكان الانسحاب بمثابة انتصارٍ كبير للمسلمين. لقد استنفدت قريش كلَّ إمكاناتها؛ وكانت الأحلاف أقصى ما تستطيع (الجرعة الأخيرة). وفي وصفه لإرهاقهم الحربي، قال النبي محمد لأصحابه: “الآن نَغزوهم ولا يَغزوننا.” (البخاري). وبعد فترة وجيزة من انسحاب الحِلف، شرع رسول الله في تأديب قبيلة قُريظة بسبب خيانتها خلال معركة الخندق.
وهل ينبغي أن يكون تَشَعُّث هذا الحِلف والقضاء عليه مثالًا آخر على مَسعى الإسلام نحو الأمن والسَّلام؟ بل بالإضافة إلى ذلك، كان ذلك عملًا أدّى إلى القضاء على المزيد من الأعمال العدائية اللاحقة، وانعدام الأمن، وإراقة الدماء.


الجزء الرابع


الشريعة الإسلامية

ما إن أصبح واضحًا أنَّ المجتمع الإسلامي أصبح في مأمنٍ من التدخّل الخارجي، أضحى التركيز على التحديات الداخلية في المجتمع. فالسَّلام والأمان كثيرًا ما يجلبان الازدهار، والذي معه يأتي الجهاد في تعبئة المجتمع. وبعد أن أصبح من الواضح أنَّ المجتمع الإسلامي لم يَعُد يخشى من المعارضين الخارجيين، أصبحت التحديات أكثر تمركزًا داخل مجتمعاتهم. فبعد غزوة الخندق، وبعد أن أصبح وضع المسلمين أقلَّ خطرًا وأكثر استقرارًا، أصبح من الواضح أنَّ المدينة المنوّرة بحاجةٍ إلى قواعد تنظيمية للمجتمع وقوانين مدنية.
وقد استجاب النبي محمد ﷺ لكثيرٍ من اهتمامات الناس التشريعية. وخلال هذه الفترة، كُشِفت السُّور والآيات القرآنية عن معايير أخلاقية واجتماعية إضافية. وأصبحت جميع هذه المعايير الأخلاقية والاجتماعية المتعلِّقة بشؤون الناس اليومية هي الشريعة الإسلامية.

يقول الدكتور عدنان إبراهيم:

“إنَّ الشريعة الإسلامية تُشبه إلى حدٍّ كبير الدستور الذي يتشاور فيه المشرِّعون والكيانات المدنية في وضع الأنظمة الخاصة بكلٍّ منها.” ويقول الدكتور إبراهيم كذلك: “إنَّ الشريعة الإسلامية تتعلّق بجميع قطاعات المجتمع – قادةً وكيانات حكومية. فالجميع، وكل فردٍ من أفراد الأمة، متساوون أمام القانون.” وهذا ما يضمن العدل والحرية والأمن والكرامة لجميع رعاياها دون استثناء.
انظر فيديو “هل فهمت حقًّا الشريعة الإسلامية لأندرو مارش، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة أمهِرست في ماساتشوستس.

الشريعة الاسلامية



مبدأ الشورى في الإسلام يُجسِّد الديمقراطية في بعض نواحيه

تتجلّى الديمقراطية، أي تَشارُك الناس في الحكم، عند الخلفاء الراشدين الأوائل. ولندع خُطَبُ تنصيب الخليفتين تتحدّث عن نفسيها. الخليفة الأول، أبو بكر.

خطاب التنصيب

“أما بعد أيها الناس، فإنّي قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعِينوني، وإن أسأتُ فَقَوِّموني، الصِّدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أُريح عليه حقَّه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيف حتى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله، لا يدع قومٌ الجهادَ في سبيل الله إلا ضَربهم الله بالذُّل، ولا تَشيع الفاحشة في قومٍ قط إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.”

وبالمثل، كان خطاب تنصيب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكَفِّها عنّي، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”
ومن المثير للاهتمام أنَّ الشريعة الإسلامية تضمن حماية غير المسلمين وكرامتهم وأمنهم وسلامتهم، لكنها لا تَفرِض أي قواعد دينية على حياتهم الخاصة. تاريخيًّا، كان للمسيحيين واليهود في المجتمعات التي يحكمها الإسلام نظامُ محاكم خاصٌّ بهم تحكمه قوانينهم ومراسيمهم الخاصة. على سبيل المثال، طلبت مجموعة من اليهود من النبي محمد ﷺ التحكيم في قضية بينهم. ومع ذلك، لم يحكم رسول الله في قضيتهم بالشريعة، وبدلًا من ذلك أمرهم بتطبيق حكم الإنجيل. وتنص الفقرة القرآنية على ما يلي:
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (آل عمران 47).

وفيما يتعلّق بموقف الشريعة الإسلامية من غير المسلمين، كتب محمد حميد الله يقول:

“… لقد أضفى الإسلام اللامركزية و”الطائفية” على القانون والقضاء. في المجتمعات الإسلامية في القرون الوسطى، لم يكن بإمكان القاضي (القاضي الإسلامي) التدخّل في أمور غير المسلمين إلا إذا اختار الطرفان طوعًا حكم الشريعة الإسلامية. وعادةً ما كان للمجتمعات الذمّية [المتعاقدة] التي تعيش في الدول الإسلامية قوانينها الخاصة المستقلّة عن الشريعة الإسلامية، كما هو الحال مع اليهود الذين كانت لهم محاكمهم الحاخامية الخاصة بهم. ولم تكن هذه المحاكم تشمل القضايا المتعلقة بالجماعات الدينية الأخرى، أو الجرائم التي يُعاقَب عليها بالإعدام، أو تهديد النظام العام.”

https://en.wikipedia.org/wiki/Ottoman_law

نقلاً عن موسوعة بريتانيكا فيما يتعلّق بأنظمة المحاكم المنفصلة لغير المسلمين في الشريعة،

تقول الموسوعة البريطانية:

“تضمّنت الشريعة الإسلامية الكلاسيكية القوانين الدينية والمحاكم الدينية للمسيحيين واليهود والهندوس، كما رأينا في الخلافة الأولى والأندلس وشبه القارة الهندية ونظام المِلّة العثمانية.”

https://www.britannica.com/topic/Shariah

علاوةً على ذلك، تشرح موسوعة بريتانيكا Encyclopedia Britannica

الاختلافات الرئيسية بين أنظمة القانون الغربي والشريعة على النحو التالي:

“تختلف الشريعة في شكلها الكلاسيكي عن أنظمة القوانين الغربية من ناحيتين رئيسيتين. في المقام الأول، إنَّ نطاق الشريعة أوسع بكثير لأنها تنظّم علاقة الفرد مع الجيران والدولة، وهو الحد الأقصى لمعظم النظم القانونية الأخرى، وكذلك مع الله وضمير الفرد نفسه… فالشريعة تُعنى بالمعايير الأخلاقية كما تُعنى بالقواعد القانونية، وتُبيّن ما يحق للفرد أن يفعله أو يلتزم به قانونًا، وما يجب على الفرد أن يفعله أو يمتنع عنه ضميريًا، ولكن هل هناك جزاء قانوني بالعقاب أو الثواب أو البطلان أو الصحة في كلتا الحالتين؟ فالشريعة إذن ليست مجرد نظام قانون، بل هي مدوّنة شاملة للسلوك تشمل الأنشطة الخاصة والعامة.
والتمييز الثاني المهم بين الشريعة والأنظمة القانونية الغربية هو نتيجة للمفهوم الإسلامي للقانون باعتباره تعبيرًا عن الإرادة الإلهية.”
الجمال والعقل جزءان لا يتجزآن من الإيمان
وقد علَّم رسول الله ﷺ أنَّ الإيمان ليس بالجفاء ولا بالتشدّد ولا بالغُلوّ. قال:
“أحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السَّمحة” أي السهلة، اليسيرة، المستقيمة. (مسند الإمام أحمد والطبراني)
وقد بيَّن رسول الله ﷺ في هذه القصة وصف الإيمان المذكور أعلاه.

عن أبي هريرة قال:

بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! لقد هلكت، لقد هلكت. فقال رسول الله ﷺ: “ما شأنك؟” فقال: “جامعت امرأتي وأنا صائم”. فسأله رسول الله: “هل تستطيع أن تعتق عبدًا؟” فأجاب: “لا”. فسأله رسول الله: “هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟” فقال: “لا”. وسأله النبي ﷺ: “هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟” قال: “لا”. فسكت النبي ﷺ. في هذه الأثناء، قدم رجل معه سلة كبيرة من التمر للنبي ﷺ. فسأله النبي: “أين السائل؟” فأجاب: “أنا هنا”. فقال له النبي: “خذ هذه السلة من التمر وتصدق بها”. فقال الرجل: أفأعطيها من هو أفقر مني؟ فوالله ما بين جبلي المدينة أحد أفقر مني. فتبسم النبي ﷺ ضاحكًا ثم قال: “أطعمها أهلك”. (مسلم في صحيحه، 285)
إن معالجة محمد ﷺ لقضية “لقد هلكت” هذه، بشكل أو بآخر، تكشف طبيعيًا تمامًا عن جمال قلبه وطيبته وفهمه وسعة صدره وانفتاحه وعاطفته. فالرجل جاء يقول: “لقد هلكت” متوقعًا أن يحكم عليه رسول الله بقسوة، ولكنه غادر رسول الله بمكافأة! لم تكن المكافأة لنفسه فقط بل لأهله أيضًا.
بيّن محمد ﷺ أن الإيمان هو الترقي… البشاشة والمرونة واليسر والمحبة. الإيمان يرتقي ويملأ القلوب بالجمال والطمأنينة.
لا إفراط ولا تفريط في الدين، الغلو
ومع تنامي الإسلام في العديد من الأقطار، ظهر ميل من قبل البعض إلى التطرف في تطبيقه. ومن الضروري الآن أكثر من أي وقت مضى أن تسير دروس العقلانية والصواب جنبًا إلى جنب مع تعاليم الإسلام. فبينما علّم النبي محمد ﷺ أن المرونة والعقلانية والرفعة جزء لا يتجزأ من الإسلام، حذر من الغلو والإفراط والتشدد في الدين. وقال إن الغلو يؤدي إلى الهلاك.
“اتقوا الغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”. (ابن ماجه)

كما حذر الله تعالى:

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ﴾ (النساء 171)

إن الله يحب لخلقه اليسر ولا يحب العسر، قال:

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ (البقرة 185)
لقد كان الاعتدال والتوسط واختيار الأصلح من أي الخيارين من هدي رسول الله ﷺ. هذه الخصال الحميدة هي صفات إيمانية ضرورية لكل مؤمن لأنها مفاتيح الحياة الطيبة للجميع.

عن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا:

“ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما.” (مسلم)
لقد أثرت تعاليم محمد ﷺ الإلهية وشخصيته الجميلة تأثيرًا عميقًا في النفوس. لقد أيقظت جمال وعقل الناس ومن احتضنوه: الصغار والكبار والرجال والنساء والمتعلمون والفلاحون. لقد أيقظت حكمته ومعاييره ومحبته وعي كبار المفكرين والفلاسفة والشعراء والمؤرخين وقادة العالم وأثرت في قلوبهم.

ويقول الدكتور غوستاف ويل في كتابه “تاريخ الشعوب الإسلامية”:

“كان محمد مثالاً ساطعًا لقومه. كانت شخصيته صافية نقية… متواضعًا لدرجة أنه لم يكن ليتلقى من أصحابه أي علامة خاصة من علامات التبجيل، ولا يقبل من خادمه أي خدمة يمكن أن يقدمها لنفسه. كان في متناول الجميع وفي كل الأوقات. كان يزور المرضى وكان مليئًا بالعطف على الجميع. وكان إحسانه وكرمه غير محدود كما كان اهتمامه وحرصه على رفاهية المجتمع غير محدود”. (فايل، الدكتور غوستاف في بروكلمان، كارل (محرر): تاريخ الشعوب الإسلامية، كورنويل 1947. المرجع 2 صفحة 158)

حرية الاعتقاد

لقد امتد مثال محمد صلى الله عليه وسلم في الرحمة وقبول الجميع ليشمل المؤمنين من جميع الأديان. لا ينبغي أن يكون اعتزاز المرء بمعتقداته أساسًا لازدراء قيم الآخرين. وعلى عكس ما يدعيه المتطرفون والمتعصبون، فإن الإسلام يعتز بحرية الاعتقاد. ويذكر الدكتور مصطفى زيد الأزهري في مجلدين من 600 صفحة من كتابه ”آيات القرآن المنسوخة“ أن هناك 141 آية في القرآن تدعم حرية الاعتقاد. علاوة على ذلك، احتقر الإسلام الاضطهاد الديني.

يُبَين القرآن إن الإيمان لا يصح إلا بالاقتناع القلبي وليس بالإكراه:

﴿قُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ﴾ البقرة 18

في آية أخرى، قال الله تعالى:

﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ البقرة 256
كما هو صريح أن تكون الصراحة – يأمر الله سبحانه وتعالى – أن لا يؤمن أحد بأي دين من الأديان، بما في ذلك الإسلام؛ يقول الله تعالى:
﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ يونس 99

مبدأ لا سلطة على المعتقد

إن حرية المرء في اختيار معتقداته وحرية التعبير عنها أمران أساسيان في تعاليم محمد صلى الله عليه وسلم. لم يكن دور رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض هو فرض معتقدات معينة، بل كان دوره صلى الله عليه وسلم هو تبليغ كلام الله وترك الناس يختارون معتقداتهم ويعيشون بها. قال الله سبحانه وتعالى:
﴿قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ﴾ الأنعام 104

وجاء في آية أخرى:

﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَـٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا﴾ النساء 80

ومقطع ثالث:

﴿وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَـٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ﴾ الفتح 42
وقد خلق الله تعالى بحكمته الناس قادرين على التمييز بين الخير والشر، وأطلق لهم حرية اختيار طريقهم وإيمانهم. ثم إن الإسلام بعد ذلك يؤيد الطبيعة البشرية في التفكير الحر. وفي الوقت نفسه، ذمّ من يتسلط على عقيدة المرء، لأنه يخالف ركن الله الأساسي في ”حرية الاعتقاد“. فالشريعة الإسلامية تعترف بالأخلاق والصفات الأخلاقية التي تنطبق على جميع الناس على حد سواء، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية.

حالة المرأة والتجديد

لقد كان وضع المرأة في المنزل والمجتمع والحكومة والمجتمع مصدرًا للنقاش والصراع في كثير من الأحيان منذ البداية، ولا يزال كذلك. فمنذ المجتمعات القديمة وحتى مجيء النبي محمد في القرن السابع الميلادي، ”كانت المرأة تتوسل إلى سيدها الرجل يائسة من أجل إنصافها وإنزالها مكانتها، لكن نداءها ظل غير مسموع ومهملًا“. لم تكن الجزيرة العربية مختلفة. كانت النساء أدنى من الذكور في جميع النواحي ويعاملن ككائنات ذليلة عديمة القلب. ومع ذلك، وبشكل لافت للنظر ومدهش، غيّر رسول الله صلوات الله عليه من منظور مكانة المرأة إلى الأبد. ففي المدينة المنورة، استمع محمد بعناية إلى أحزانهن ومظالمهن، فاكسبهن كرامتهن ومكانتهن وشرفهن المجتمعي. قال:
”ما كَرَمَهُنَّ إِلَّا كَرِيمٌ وما أهانهن إلا لئيم.” كنز العمال
”خَيْرُكُم خَيْرُكُم لأهله. وأنا خيركم لأهلي.“ سنن ابن ماجه
وجعل مكانة المرأة مساوية لمكانة الرجل،

فقال صلى الله عليه وسلم:

”النِّساءُ شقائقُ الرِّجال“. سنن أبي داود
روى أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة كبيرة السن جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده وهي تقص عليه قصتها. فجلس معها بصبر ثم ساعدها في حل مشكلتها. البخاري
كما كان يقدّس دور الأمومة.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:

“يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بِحُسن صَحَابَتِي؟ قال: «أمك» قال: ثم مَنْ ؟ قال: «أمك»، قال: ثم مَنْ؟ قال: «أمك»، قال: ثم مَنْ؟ قال: «أبوك».” متفق عليه. البخاري

طاعة الولد لأمه واجبة، قال النبي ﷺ:

”الجنة تحت أقدام الأمهات“. السيوطي
كما أن استحقاق الجنة يأتي أيضًا من الاستماع إلى الأم ومعاملتها معاملة حسنة. حقوقها في الميراث والزواج والطلاق مثل حقوق الرجل. وقد علَّم رسول الله أن موافقة المرأة شرط في انعقاد النكاح.

وجاء في القرآن الكريم:

﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا﴾ النساء 7

تقديرُ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم لمشاعرِ المرأة

ومن خلال احترامِه لشخصيّةِ المرأةِ وعواطفِها وعِزّتِها كان النبيُّ محمّدٌ يتفهّم رغباتِها واحتياجاتِها ومشاعرَها كما وهبَها اللهُ. كان النبيُّ محمّدٌ عند عودتِه من مهمّاتِه اليوميّة مع الرجالِ من المدينة، يخيم خارج المدينة لإعطاءِ النساء فرصةً لتمشيطِ شعرِهن وتجديدِه وتهيئةِ أنفسِهن لأزواجِهن. السيرة ج 2 ص 33

وبالمثل، أنيتا رأى في ”محمد، كشف النقاب عن القصة الحقيقية،“ تقول:

“بالنسبةِ لي، يكفي أن محمّداً هو أعظمُ نِسويٍّ عرَفَهُ العالمُ حتى الآن، ولم يعرفْهُ العالمُ إلا قليلاً… أنا شخصيّاً ممتنّةٌ لمحمّدٍ امتناناً لا حدود له. فهو لم يتعاطف فقط مع صوتِ بكاءِ المرأةِ اليائسةِ والمستَغلّة، ومع ذلك فقد اتّخذ تدابيرَ جليلةً ضارباً بعرضِ الحائط كلَّ معارضةٍ للتخفيف من نصيبِها وتقويتِها من الناحية الواقعيّة. فعلى مدى عصورٍ وعصور، وجدت المرأةُ نفسَها تتوسّل وتتذلّل أمامَ سيّدِها الرجل، ولم تكن توسّلاتُها التي تُدمي القلبَ من أجلِ العدالة مسموعةً ولا تلقى آذاناً صاغية. غيّر محمّد هذا الوضع إلى الأبد. لقد أخرج محمّد المرأةَ من موقفِها المحرج، وانتشلها من عبوديّتِها للرجل لتكونَ سيّدةَ نفسِها. حوّلها محمّد من متسوّلةٍ إلى صاحبةِ حقٍّ وصاحبِ مصلحةٍ قويّة. كان محمّد قد استمع بعنايةٍ إلى أحزانِها وويلاتِها، بصبرٍ محبٍّ ورأفةٍ وقلبٍ يفيض بالعطفِ والتفهّم.
كان محمّد قد عالج شكواها وفقاً للأمر الإلهي حتى قبل أن تشتكي. كان محمّد قد وجد مكانَ ألمِها ورتّب لها الشفاء. كان محمّد قد وجد لها هويّتَها المفقودة. عرّفها محمّد بمكانتها وأهميّتِها الحقيقيّة. قدّم للمرأةِ شخصيّتَها وعِزّتَها كما وهبها الله. لقد كسب محمّد للمرأة ما انتُزع منها في مكانٍ ما على طول الطريق: احترامَها وحقوقَها. لقد منح محمّد المرأةَ حريّتَها. حوّلها من كونِها غيرَ ذاتِ كيانٍ إلى فردٍ واثقٍ من نفسه. أعاد محمّد للمرأةِ مجدَها. كان محمّد ولا يزال نصيرَ المرأةِ الذي لا مثيلَ له. في كلِّ هذه الأقسامِ من الأنشطة، فهو بمثابة بطل!”.
(راي، أنيتا، محمّد، كشف القصّة الحقيقيّة، 2007، المرجع 2، ص 159)

سعيُ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى السلام

وبعد أن ضمِن المسلمون الصُّلح مع خيبر، وكانت غزوةُ قريظة آخرَ قشّةٍ في يدِ قريش، بدت استراتيجيّةُ المسلمين مناسبةً تماماً لمواجهةِ قريش. ومع ذلك، من السهل أحياناً أن ننسى أن إحدى فضائلِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم الرئيسيّة كانت تقديمَ التنازلات في ظلِّ المواقفِ الصعبة. فما قد يبدو ظاهريّاً هوّةً لا يمكن عبورُها، سرعان ما كان يبني جسراً يجمع بين الطرفين المتعارضين في تسويةٍ متبادلة. وكانت اللَّبنةُ الأولى في جسرِه التالي هي إتمامَ مناسكِ العمرة أو الحجّ الأصغر إلى مكة.

العمرةُ فرصةٌ للصُّلح 628 م

تقليديّاً، لم يكن بإمكان قريش منع الحُجّاج من أيِّ عِرقٍ أو دينٍ من أداءِ المناسك في البيت الحرام. وبما أنّ المسلمين كانوا جزءاً من الديانات الإبراهيميّة، فقد كان يحقُّ لهم أداء المناسك. وقد رأى النبيُّ محمّد بروحِه التصالحيّة العميقة فرصةً جيّدة للتصالح والسلام مع قريش. ومن هذا المنطلق، دعا رسولُ الله الناسَ جميعاً، مسلمين وغير مسلمين، إلى الانضمام إليه في رحلةٍ لأداء العمرة أو الحج الأصغر. وقد توجّه رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى مكة ومعه 1400 من أتباعه لأداء مناسكهم.
ولمّا علمت قريش، خادمةُ البيت الحرام، بتحرّك المسلمين، أرسلت خالدَ بن الوليد على عجلٍ مع خمسين فارساً ليصدّوا المسلمين قبل أن يصلوا إلى حدود مكة المكرّمة. فإذا ما دخل المسلمون حدود المدينة المقدسة، فلن تستطيع قريش أن تصدّهم لأنّها ستُخلّ بواجبِها في دخول الناس إلى مكة. ولم يكن رسول الله – صلّى اللهُ عليه وسلّم – كعادتِه ليواجه الخمسين راكباً.
وعلى الرغم من أنّ الحُجّاج المسلمين كانوا أكثر عدداً وكان بإمكانهم أن ينتصروا انتصاراً سهلاً على قريش، إلّا أن النبيَّ الحصيف سلك طريقاً آخر عبر أوديةٍ غير مستخدمةٍ وضيّقةٍ وصخريّة للوصول إلى مكة. ومن خلال هذا التغيير، جاءت الفرصة لتحقيق الأمن وتجنّب العنف. عند وصولهم إلى الحُديبية، بالقرب من مكة، خيّم المسلمون لمدّة خمسة أيّام. وفي اللحظة التي ترجّل فيها عن ناقته،

أعلن محمّد الحليم:

“والذي نفسي بيده لا يسألونني (أي قريش) خطّةً يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتُهم إيّاها”.
النهاية 2/48 – السيرة للزايد 2، ص 99

صُلحُ الحُديبية 628 م

وقد بدأ الحوار، وأبلغ رسولُ الله – صلّى اللهُ عليه وسلّم – قريشاً أنّه لا ينوي إلّا أداءَ العمرة، فرفضت قريش ذلك، وأصرّت على عدم السماح للمسلمين بدخول مكة. وعلاوةً على ذلك، حاولت قريش تحريضَ المسلمين على القتال لأنّ القتال داخل الحرم سيمنعهم تلقائيّاً من دخول البيت الحرام. كما سجنت قريش مبعوثَ النبي، عثمانَ بن عفّان، لتحريض المسلمين على سفك الدماء. إلّا أنّ رسولَ الله لم يكتفِ بعدم القيام بأيِّ عنف، بل إنّه أعاد ثمانين أسيراً من المهاجمين الذين أُسروا سالمين إلى قريش، ممّا جعل سعيَهم لاستخدام العنف يفشل. أمّا الدبلوماسيّة، من ناحيةٍ أخرى، فكانت لا تزال مستمرّة. كان الحُلّاث بن عَلقَمة المبعوث التالي، وكان زعيم الأحباش في مكة.
وكانت قبائلُ الأحباش متعاقدةً مع قريش لحمايتِها، وفي المقابل كانت قبائل الأحباش تتولّى رعاية الحُجّاج. ولمّا كان الحُلّاث في طريقه إلى المسلمين رآهم في ثيابِهم البيضاء وبجانبهم ثمانون أضحيةً ترعى. فلم يكن مُقتنعاً بنيّة المسلمين الخالصة في الحجّ فحسب، بل كان يرى أنّ قريشاً قد أخلّت بميثاقها برفضها دخول الحُجّاج إلى مكة. ولذلك عاد إلى قريش دون أن يلتقي بالنبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم.

وكان خطابُه لقريش:

“يا معشرَ قريش، والله ما كان حِلفُنا معكم على منعِ الناس من الحجّ. فكيف تمنعون الناسَ من دخول بيتِ الله؟ والذي نفسُ الحارثِ بيده لتأذنُنَّ لمحمّدٍ بما جاء به، أو لأدعونَّ الأحباشَ إلى الثورِ عليكم ونقضِ حِلفِنا”.
وكان عروةُ بن مسعود الثقفي، وهو زعيم بارز من زعماء قبيلة ثقيف من الطائف، من سفراء قريش إلى رسول الله. وبعد ساعاتٍ من الحوار والمفاوضات مع رسول الله،

عاد عروة إلى قريش بهذا الخطاب:

“يا زعماءَ قريش: والله لقد وفدتُ على الملوك كِسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيتُ ملكاً يُعظّمه أصحابُه كما يعظّم أصحابُ محمّدٍ محمّداً. فواللهِ لا يَدَعون مثقالَ ذرّةٍ من أذًى يُصيبُه. فأنشدكم الله أن تُعيدوا النظرَ في موقفكم من محمّد”.

المصالحة بوابة نصر إلهي

وبعد خمسة أيام من المفاوضات الدبلوماسية العسيرة، والفشل في حمل المسلمين على القتال، والنتائج السياسية المترتبة على صد الناس عن زيارة البيت الحرام، والضغوط المتزايدة من السفراء المفاوضين، أخيرًا وافق زعماء قريش على الدخول في هدنة مع المسلمين. وبناءً على ذلك، أرسلوا مفاوضهم للسلام سهيل بن عمرو. وعندما رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المبعوث الجديد سهيل بن عمرو استبشر قائلاً: “قد سَهّلَ لكم أمركم”.
بعد ذلك، حدثت تسوية ومصالحة غير مسبوقة مع قريش، مما أثار استياء الصحابة المقربين من النبي صلى الله عليه وسلم وضد كل معتقدات أصحاب العقليات المتصلبة التي كانت تؤطرها الجاهلية القديمة، “الجاهلية: هي الميل إلى العنف والانتقام والتكبر على الاستسلام أو إعادة النظر في الأمر بشكل مختلف”. – كارين أرمسترونغ

اتفاقية السلام

وبعد ساعات طويلة من المناقشات الساخنة أحيانًا، جاءت شروط التفاوض النهائية التي اتفق عليها النبي محمد وسهيل بن عمرو، وهي: “هدنة بين قريش والمسلمين لمدة عشر سنوات. ألا تفرض قريش نفوذها السياسي على القبائل العربية، ومن ينضم إلى معسكر المسلمين فهو حر في ذلك. ولا يقع بين الطرفين غدر وعداوة، ولا بد من التأكيد على أعمال المحبة والرعاية. ويعود المسلمون إلى المدينة المنورة دون أن يؤدوا العمرة” – وهذا ما أفقدهم زيارة البيت الحرام، التي كانت الغاية الوحيدة من هذه المغامرة. وعلى المسلمين أن يعودوا في العام التالي لأداء المناسك. وعلى المسلمين أن يردوا المكيين الذين أسلموا إلى مكة، ولكن قريشًا غير ملزمة بالرد بالمثل على المسلمين الذين ارتدوا عن الإسلام. والبند الأخير يقضي بإعفاء القبائل العربية من المعاهدات السابقة مع قريش، والسماح لهم باختيار التحالف مع المسلمين أو قريش.
بالنسبة لبعض الحجاج، كانت شروط المعاهدة محبطة. فلم يستطع الحجاج القتال ولا إكمال زيارتهم لبيت الله الحرام. لقد تبدد حلمهم، على الأقل في الوقت الراهن.

حول هذا تقول كارين أرمسترونغ، في كتابها “محمد، سيرة النبي”

كارين ارمسترونغ

”لقد كان محمد صانعَ سلام. خاطرَ بحياته وكاد أن يخسر ولاء أقرب أصحابه إليه لأنه كان مصمّمًا على الصلح مع قريش. فبدلًا من خوض حربٍ ضروس حتى الموت، كان محمد مستعدًا للتفاوض والتنازل. وقد أثبت هذا الإذلال الظاهر، على حدّ تعبير القرآن، أنه فتحٌ عظيم“.

وقد أبدعت كارين أرمسترونغ في تصوير حال المسلمين عند الاتفاقية، فقالت:

”كان التمرد في الأجواء. لقد تحطّم التضامن الهشّ الذي وحد الحجاج طوال هذه الحملة الخطيرة… فوثب عمر [قائد بارز وأصبح الخليفة الثاني] على قدميه وهرول إلى أبي بكر [قائد بارز آخر أصبح الخليفة الأول]. فقال: ”ألسنا مسلمين وهم مشركون؟ لماذا نوافق على ما هو مهين لديننا؟“ كان أبو بكر منزعجًا أيضًا، لكنه استطاع أن يجيب أنه، على الرغم من كل شيء، كان لا يزال مُوقنًا بالنبي“. ص 127
”وعندما نظر إلى وجوه الحجاج المذهولة البائسة، اضطر محمد أن يخبرهم أن عليهم قبول شروط المعاهدة لأنها وحيٌ من الله..
وتوترت الأجواء أكثر عندما سمع المسلمون صيغة المعاهدة.
واستدعى محمد عليًا ليكتب ما يمليه عليه. وعندما بدأ بصيغة المسلمين المعتادة – ”بسم الله الرحمن الرحيم“ – اعترض سهيل. لطالما وجدت قريش أن هذه الصفات لله تعالى هُتر، لذلك أصر على أن يبدأ محمد بالصيغة الأكثر تقليدية: ”باسمك اللهم“. مما أثار مخاوف المسلمين هو موافقة محمد دون تردد.
وكان الأسوأ من ذلك أن يتابع محمد الصيغة: ”هذه هي المعاهدة التي اتفق عليها محمد رسول الله مع سهيل بن عمرو“. ومرة أخرى، قاطعه سهيل. فلو كان يؤمن بأن محمدًا هو رسول الله لما حاربه كل هذه السنين. ثم طلب من محمد أن يستخدم اسمه واسم أبيه بالطريقة المعتادة. وكان علي قد كتب بالفعل عبارة ”رسول الله“ وأخبر محمدًا أنه لا يستطيع أن يحذفها، فمدّ رسول الله يده للقلم وطلب من علي أن يشير إلى الكلمات التي على الرقّ وشطبها بنفسه. وتابع: ”هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله مع سهيل بن عمرو“.
في هذا التوقيت الصعب للغاية، وبينما كان يجري توقيع المعاهدة، ظهر أبو جندل ابن سهيل على الساحة. كان قد اعتنق الإسلام، ولكن سهيل كان قد حبسه في المنزل ومنعه من الهجرة إلى المدينة. أما الآن فقد تمكن من الهرب ووصل منتصرًا ليلتحق بالمسلمين في الحديبية وهو يجر أغلاله وراءه. وضرب سهيل بقبضة يده في وجه ابنه، وأمسك بقيوده والتفت إلى محمد. هل سيفي بوعده ويرد هذا المرتد إلى ولي أمره الشرعي؟ لم يتعثر محمد، رغم أن أبا جندل صرخ في حسرة وسهيل يجره إلى مكة: (أتردونني إلى المشركين ليفتنوني عن ديني يا معشر المسلمين؟) [والحجاج يتفرجون في حسرة، وأبو جندل يزيد ماءهم العكر عكراً،] وبالنسبة لعمر كانت هذه هي القشة الأخيرة… ومرة أخرى قفز على قدميه وصاح في وجه الرجل الذي اتبعه بإخلاص لمدة اثني عشر عامًا.
ألم يكن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألم يكن المسلمون على حق وأعداؤهم على باطل؟ ألم يكن محمد قد أكد لهم أنهم سيعودون للصلاة في الكعبة مرة أخرى؟ فأجاب محمد بلطف: (بلى يا عمر)، ولكن هل وعدهم محمد أن يعودوا إلى بيت الله الحرام هذا العام؟ فصمت عمر صمتًا متجهم الوجه، فأكمل محمد بحزم: (يا ابْنَ الخَطَّابِ، إنِّي رَسولُ اللَّهِ، ولَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا). ثم، على الرغم من حيرته المريرة، هدأ عمر ووضع يده على المعاهدة على مضض. ولكن الحجاج كانوا لا يزالون غاضبين، وكانت هناك لحظة خطيرة بدا فيها أنهم على وشك التمرد.
وأعلن محمد أنهم وإن لم يصلوا إلى الكعبة، إلا أنهم سيكملون الحج هناك في الحديبية: على المسلمين أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا إبلهم، كما لو كانوا في قلب مكة. وساد صمت مطبق، وحدّق الحجاج في وجه محمد متجهمين، رافضين ضمنيًا الطاعة. وأخيرًا، وفي حالة من اليأس، تراجع رسول الله إلى خيمته. ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ سأل [زوجته] أم سلمة. وكان تقديرها للموقف صحيحًا. كان على محمد أن يخرج، ودون أن ينطق بكلمة أخرى، أن يذبح الناقة التي نذرها لله. لقد كان قرارًا صائبًا تمامًا. اخترق سفك الدماء هذا السبات والاكتئاب. وعلى الفور، تهافت الرجال على ذبح إبلهم وحلقوا رؤوس بعضهم البعض بحماسة شديدة لدرجة أن أم سلمة قالت فيما بعد إنها ظنت أنهم سيصيبون جراحًا قاتلة في هياجهم الورع“.
إن ما أبداه محمد صلى الله عليه وسلم من مرونة ودبلوماسية وإعادة النظر في مواقفه وقبول الذل المتصور هو بصيرة ربانية لا هزيمة وسلبية. لقد أثبتت كل هذه المصالحات أنها كانت عند الله ”نصرًا عظيمًا“. ولم يمض وقت طويل على توقيع المعاهدة حتى نزل وحي سماوي يؤيد موقف رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وهو سورة الفتح. قرآن 48:1
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ١
لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ٢
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ٣ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ٤

المعاهدات السياسية تبطل ما دونها

إن من الأسس السليمة التي يقوم عليها المجتمع هو قدرته على مقاومة إغراء الغدر ونقض العهود مع جيرانه، مما يخلق حالة من عدم الأمان وانعدام الثقة. وفي حين أن إنكار حماية أبي جندل، النبي صلى الله عليه وسلم، يبدو ظاهريًا غير منصف، إلا أن الفهم الأعمق لمبادئ الإسلام يظهر أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأنسب. وفيما يتعلق بهذه المسألة،

قال الدكتور عدنان إبراهيم:

“إن الاتفاقات السياسية مع غير المسلمين لحفظ السلام والأمن تنسخ جميع المبادئ الإسلامية العامة الأخرى.”
الهدف الأسمى من الإيمان بالله تعالى هو عمارة الأرض، حفظ الأمن والأمان، التقوى والعدل. بيّن الدكتور إبراهيم أن حفظ الأمن بين المجتمعات والأمم أولى من إعانة الأفراد ثم على نقض الهدنة وتعريض السلام للخطر. ولذلك أمر الوحي السماوي المسلمين جميعًا بحفظ هذا المبدأ، فقال تعالى:
“… وَإِنِ ٱسْتَنْصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ.” الأنفال 72

ما بعد الحديبية – الاستقرار مبدأ ديني أساسي

أدرك محمد رسول الله أن السلام يمكن أن يحقق أكثر بكثير من العنف. وبمرور الوقت، أثبتت معاهدة الحديبية أنها كانت انتصارًا أكبر. فقد فتحت الأبواب أمام بناء السلام والاستقرار الذي كان المسلمون يتوقون إليه خلال الثمانية عشر عامًا الماضية.
علاوة على ذلك، فإن الحضارة تتطلب استقرارًا سلميًا واجتماعيًا واقتصاديًا. ولهذا الغرض، تجنب النبي محمد صلى الله عليه وسلم العنف وساعد على خلق مجتمعات متناغمة.
والآن، يمارس المسلمون عقيدتهم في أجواء هادئة ورعاية. دخل كثير من الناس في الإسلام. ولم تعد القبائل البدوية تحت قيود قريش وقبضتها. وانضمت العديد من القبائل بحرية إلى التحالف الإسلامي.
إن أعمال العنف هي ببساطة أدوات للتدمير – تدمير التحالفات والأرواح والممتلكات، وفي نهاية المطاف، تدمير الثقة والاحترام بين شعوب الأرض. إن الدبلوماسية والتفاوض والمصالحة هي وسائل أكثر فاعلية لإحداث تغيير. تأمل شرط المعاهدة الوحيد الذي ظنه بعض المسلمين مهينًا لعدم مساعدة المسلمين القرشيين الجدد. وقد تبين أن هذا الشرط نفسه أضر بقريش. إذ اعتنق عدد من القرشيين الإسلام ولكن لم يُسمح لهم بالانضمام إلى المسلمين في المدينة، ففروا من أهلهم، وأبو جندل معهم إلى منطقة على البحر الأحمر. وهناك عرقلوا قوافل قريش التجارية وهددوا تجارتهم. ونتيجة لذلك، كتبت قريش إلى محمد أن يزيل شرط إبعاد القرشيين الذين يعتنقون الإسلام، وأن يجلب إلى المدينة من تجمعوا عند البحر الأحمر. وكان من السهل على رسول الله أن يرفض طلب قريش بسهولة، ولكنه قبل هذا الطلب بكل سهولة، وكتب إلى قائد جماعة البحر الأحمر أن يلحق به مع بقية المسلمين هناك في المدينة.
لم يكن النبي محمد ليخالف حكم الله في حفظ الأمان، حتى بالنسبة لأعدائه. ففي النهاية هو الذي علّم:
“إِنَّ ٱلْإِيمَانَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَتْكِ، ٱلْمُؤْمِنُ لَا يَفْتِكُ.” سنن أبي داود
والأبلغ من ذلك أن الله عز وجل أيد توصية خصم موسى عليه السلام بأن يكون من المصلحين لا من الطاغين:
“فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ مُوسَىٰٓ أَنْ يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسَۭا بِٱلْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ.” القصص 19

استيفاء شرط العمرة 629 م

وقد جاء وقت الوفاء بالعُمرة في صلح الحديبية التي تنص على أنه يمكن للمسلمين أن يعودوا إلى مكة بعد عام من توقيع المعاهدة، وقد جاء وقت الوفاء بالعمرة، وهو من أدق الاختبارات لفاعلية الصلح. ومع ذلك، فإن المسلمين لديهم قلق مبرر. ماذا لو لم تفِ قريش بوعدها بالهدنة واعتدت على الحجاج أثناء دخولهم مكة أو أثناء أدائهم المناسك؟

التفسير الخاطئ للآيات التي تتناول قضية لها ظروفها التاريخية

الفهم الخارج عن نطاقه التاريخي يمكنه الوصول إلى نتيجة خاطئة بسهولة. مثلًا من أجل فرضية المسلمين في احتمال هجوم قريش عليهم وهم يقيمون شعائر عمرة القضاء، أنزل الله تعالى الآيات 190 و191 حتى 203 من سورة البقرة فيما يخص هذه الفرضية.انظر الفقرة “خطوة احترازية لهجوم من قريش خلال عمرة القضاء” ادناه.
ايضا، يمكن بسرعة تزييف التفسيرات الخارجة عن السياق على أنها آيات تخاطب المسيحيين أو اليهود، وليس لنقض الوثنيين للمعاهدة، كما هو المقصود هنا.

لقد وجَّه الله قلق المسلمين للنقض الوثني للمعاهدة كما في الوحي:

البقرة 190-191:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . [190]. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [إشارة إلى قريش الذين ظلّوا 14 سنة يطردون المسلمين من مكة]، لِأَنَّ الاضطهادَ الديني [الذي سَلَّطَته قريش عليكم] أشدُّ من القتل [دفاعًا عن النفس وحرية العقيدة،] وَلٰكِنْ ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [بِحُرْمَةِ البيت الحرام]. [191]
فإذا انتقضت الهدنة، كان على المؤمنين أن يقتلوا المشركين حيثما وجدوهم ويطردوهم. وإلا فقد أُمر المسلمون بحفظ حرم الكعبة بعدم القتال فيه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾.

ولمزيد من الفوائد السياقية، انظر الآيات 2: 189 إلى 203 التي تفصّل مناسك العمرة.

لاحظ: في الآية 2: 190، الفاعل في الفعل “يقاتلون” هو جملة (الذين يقاتلونكم) أي قريش. ولذلك لا يمكن أن يخطئ أحد أن المقصود بالآيات هو قريش. وكذلك في الشطر الأول من الآية 191 فإن الفاعل للأفعال “وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ” أيضًا قريش، لأنهم هم الذين طردوا المسلمين من مكة. أما بالنسبة للجزء الثاني من الآية 191، فقد ذهب معظم مفسري القرآن إلى أن كلمة “كفار” تعني مشركي قريش. وخصّ مفسرون آخرون التركيب النحوي للجمل، فأشاروا إلى كفار قريش الذين ارتكبوا القتل داخل الحرم المكي.
وقد انحاز الدكتور فتحي عثمان في كتابه “مفاهيم القرآن” إلى من أخذ بالمعنى الأخير. إن تفسير الدكتور عثمان هو الأدق لأن جزاء القتل هو موضوع الجزء الثاني من الآية 2: 191 “الذين كفروا بِحُرْمَةِ البيت العتيق”. وفي كلا التفسيرين، لا يمكن أن يؤخذ “الذين كفروا” في الآية 2: 191 على أنها تعني النصارى أو اليهود أو أي قوم آخرين غير قريش. ومن الإنصاف أن ننظر إلى الأمور في سياقها الصحيح، إذ يمكن أن تتطور مفاهيم مضللة في غير هذا السياق. المزيد من الآيات القرآنية التي تم تفسيرها بشكل خاطئ في إعادة مكة إلى حرمتها الأولى وتطهيرها من عبدة الأوثان لكونها قبلة الموحدين أدناه.

خطوة احترازية لهجوم من قريش خلال عمرة القضاء

ووفقًا لمعاهدة صلح الحديبية، كان على المسلمين أن يعتمروا في العام المقبل (عمرة القضاء). إلا أن احتمال أن تنقض قريش عهدها وتهجم على المسلمين العُزَّل من السلاح إذ يعتمرون، كان واردًا. هذا الاحتمال والخوف من هجوم مفاجئ هو الذي دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليجند مائتي فارس مع خيولهم خارج مكة متأهبين للدفاع عن المسلمين إن هجمت عليهم قريش. وفي هذا الموضع أنزل الله تعالى على نبيه آيات بيّنات تأمره بقتال المشركين إن بدؤوهم بالقتال، وألّا يقاتلوهم في المسجد الحرام إلا إذا قاتلوهم فيه.

انظر الفخر الرازي، التفسير الكبير ج ٢، ص ١٣٩، يقول الله تعالى:

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة 190-191
اتخذ بعض المغالين من المسلمين هذه الآية ذريعة لقتال الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، بعيدًا عن موضعها التاريخي الواضح. فمشركو قريش هم من قاتل المسلمين وأخرجوهم من ديارهم.

مصلحة الاسلام تعلو على غيرها من المصالح

من شأن العمرة، إلى جانب القيام بالنسك الدينية، تعزيز التواصل الاجتماعي والمتاجرة بين الناس وفي التقاء الأدباء والشعراء. ولما كان حب رسول الله صلّى الله عليه وسلم لإفشاء الأمان وإزالة الحواجز وتوحيد الناس متأصلاً فيه، كان يطمع بإيصال الإسلام إلى المعتمرين في موسم العمرة هذه. إلا أن قادة قريش التي لا ترغب أن يتصل الناس بالمسلمين خوفًا من إسلامهم، أمرت الناس أن يخرجوا من مكة إلى أعالي الجبال، محتالةً، كذبًا، أن المسلمين موبوؤون بحمّى يثرب.
كما ذكرنا مسبقًا في فقرة صلح الحديبية 628 م، أنه من مسؤوليات قريش ألّا تمنع الناس من الحج أو الاعتمار إلى بيت الله الحرام. فحتى تُبعِد عن نفسها خرق عهودها في صدّها الناس عن الاعتمار، ابتدعت كذبة مرض المسلمين، وأشاعت بين الناس أن المسلمين مصابون بحمّى يثرب. هذا التدليس من شأنه عزل الناس عن المسلمين. لم تكن خطة قريش في العزل ناجحة تمامًا، فقد بقي الكثير من المعتمرين وأبناء قريش في مكة ليشاهدوا المسلمين وهم يؤدون المناسك، ربما عن حذر أو رغبة.
كردّ فعل من رسول الله صلّى الله عليه وسلم على تزوير قريش للحقيقة وكشف نوايا قادتها، أمر النبي المسلمين أن يُروا قريشًا من أنفسهم قوة (رحم الله من أراهم من نفسه قوة)، وأن يرتدوا الرداء الأبيض كالمعتاد ولكن يتركوا مناكبهم اليمنى عارية، كإشارة إلى نفوس رياضية تجذب الناس إلى القوم. وهكذا دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم الكعبة كرائد، وتبعه ألفان من المسلمين بعرض رياضي متناسق وجذّاب، كاشفين العارض الأيمن، جهرًا مرددين: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والشكر والنعمة لك لبيك.”
من مناسك العمرة أن يتمّ المعتمر سبعة أشواط حول الكعبة مشيًا. ولكن لما وصل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ناحية الركن اليماني من الشوط الأول، بدأ بالهرولة واتبعه المسلمون، إذ إن مقابل الركن اليماني كان الجمهور من الناس مجتمعًا ليشاهد المسلمين. ولما كانوا في الركن المعاكس تابعوا الشوط مشيًا للاستراحة، مثبتًا خداع قادة قريش لبنيهم وجاذبًا الناس إلى الإسلام.
ما بدا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الحكمة هو أنه غيّر من طبيعة مناسك العمرة ليُحسِّن عرض الإسلام على الناس ويحببهم فيه. هذا السلوك النبوي في إضافة الهرولة عند الركن اليماني وكشف الكتف الأيمن للمحرمين، إنما هو مفازة للإسلام وتحبيب الناس فيه، ولو كان على حساب تغيير المناسك. الأمة الإسلامية مفتقرة جدًا إلى مثل هذا الفكر، والنظر إلى ما هو أبعد حتى يكون الرابح هو الإسلام. هذا التفكير هو تمامًا ما يجب أن يُؤخذ كمبدأ في بناء الفكر الإسلامي وخاصة في ميزان العمل الدعوي والتربوي.
المسلمون اليوم يُحرِمون وعارضهم الأيمن مكشوف ويهرولون عند الركن اليماني كما هرول رسول الله توقيرًا لبراعته وحكمته في ظرف كهذا، مبينًا أنه على المسلم، إن خُيّر، بين نجاح الإسلام أو الكيفية في تأدية المنسك، فالأولى والأوجب اختيار نجاح الإسلام.

بناء علاقات إيجابية وإزالة العداوة – زواج النبي من إحدى أشراف قريش

كما رأينا في الفقرة السابقة، نفس محمد الشغوف بالعواطف الإنسانية وذوبانه في الله، لم يكن ليترك أي فرصة فيها إصلاح ونجاح للإسلام إلا واستعملها. مثلًا، لم يكن ليترك العادة العربية في زواج المرء من قبيلة غير قبيلته، والتي بها يُضمَنُ للعريس حماية قبيلة العروس ويكون له منصب شرف من كل أفراد قبيلتها. من هذا المنطلق، وهو لم يزل بمكة في عمرة القضاء، طلب يد ميمونة الهلالية للزواج منها، وهي إحدى أشراف قريش. وهكذا عرّس عليها وبنى جسرًا آخر مع قبيلتها وأخمد نارًا من العداء.

قدسية النفس الإنسانية

تعلّم المسلم من القرآن أن الله تعالى خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه. وأنه لا تُقتل نفس إلا من خلال القضاء. كما أشار رسول الله أن من أعلى الجرائم خطورة هو قتل النفس التي حرّم الله، فهو القائل:
“من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله عز وجل مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله.” ابن ماجة
والأبلغ من ذلك أن الله عز وجل أقر توصية خصم موسى عليه السلام بأن يكون من المصلحين، ثم وصف القتلة بالطاغين:
﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ مُوسى أَنْ يَبْطِشَ بِخَصْمِهِ قَالَ يَا مُوسى أَتُريدُ أَنْ تَقْتُلَني كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُريدُ إِلّا أَنْ تَكونَ جَبّارًا فِي الأَرْضِ وَما تُريدُ أَنْ تَكونَ مِنَ المُصْلِحينَ﴾ القصص 19
وفي هذا القول بيان، ومن غريم موسى، أن الله تعالى أقر بحفظ النفس الإنسانية ولو كان نداء الحفظ والإصلاح قد بدر من غريم موسى.

غزوة الميفعة 629 م

غرض هذه الغزوة هو تأديب من خان المسلمين في الميفعة، وفيها قتل أسامة رجلًا نطق بالشهادة.
عن أسامة بن زيد – وهذا حديث ابن أبي شيبة – قال: “بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقال لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.” مسلم 227
بعد هذا الحادث بقليل، أرسل رسول الله علي بن أبي طالب إلى أهل القتيل لأداء دية القتل. سمو أخلاق رسول الله وحرصه على السلام والأمن رفعاه إلى السمو والمعالي.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾
“إن كانت عظمة الطلب، وأحقر الوسائل، والنتائج المذهلة، هي المعايير الثلاثة لمقياس العقل البشري، فمَن يجرؤ أن يكون مثل محمد؟”

Alphonse de La Martaine

أعظم وأشهر الرجال هم من اخترع السلاح، القانون، والإمبراطورية فقط. إن أوجدوا شيئًا على الإطلاق، فهي قوى ربما تحطمت أمام أعينهم. هذا الإنسان لم يَسِر فقط الجيوش، التشريعات، الإمبراطوريات، الناس (بأشكالها وألوانها)، والأسر الملكية، بل أيضًا الملايين (من البشر) لثلث الأرض المأهولة آنذاك؛ بالإضافة، فقد أنهى وغير الظلم الكنسي، والآلهة المختلفة، والديانات (الفاسدة)، والأيدلوجيات… الثبات للنصر، طموحه من أجل أفكاره والتي لم تكن من أجل (خلق) إمبراطورية، وصلواته اللانهائية ووصله الصوفي بالله؛ موته، ونجاحه بعد موته، كل ذلك لا يشهد إلى دجل ولكن إلى إيمان راسخ والذي أعطاه القوة لإعادة العقيدة الصحيحة؛ وهي ذات شقين: وحدانية الإله والأمادية. الأولى تُبين من هو الله والأخرى تُبين من هو غير الله.
حكيم، خطيب، نبي، مشرّع، محارب، مفتاح للأفكار، معيد الاعتقاد المنطقي، المؤسس لعشرين إمبراطورية دنيوية وإمبراطورية واحدة روحية – هذا هو محمد.
عندما نأخذ بكل المعايير التي اخترعها الإنسان في مقاييس العظمة، ربما نطرح السؤال: هل هناك رجل أعظم من محمد؟
Alphonse de La Martaine ‘Historie de la Turquie,’ v. ii، Paris، 1854 ref 2 p 164

معركة خيبر 629 م

واحات خيبر تقع على بُعد قدره 90 ميل شمال المدينة في شبه الجزيرة العربية. كانت هذه الواحات مأهولة بقبائل يهودية. خيبر مؤلفة من حصون، أكبرها ثمانية، مبنية على عدد من الهضاب الفولكانية. كل حصن يمثل مستوطنة صغيرة تحتوي على ترسانة (ذخيرة حربية)، أسلحة، مخازن للغذاء والتعزيزات، حظائر ومياه. تحيط بكل قلعة مزرعة ذات نمط معين بحيث تحاط كل مزرعة بأشجار التمور، وقسم لزراعة الحبوب والخضار. هذه المزارع ما هي إلا بمثابة الاكتفاء الذاتي لكل مستعمرة.
https://en.wikipedia.org/wiki/Battle_of_Khaybar
المنظمة الشبه عسكرية لخيبر كانت مصدر تآمر وتدسيس ضد المسلمين. كمثال، نأخذ حُيَيّ بن أخطب الذي حاول قتل النبي محمد في المدينة، والذي لعب دورًا جوهريًا في تحريض قريش والقبائل العربية كغطفان وغيرها لتأليف الأحزاب للهجوم على المدينة وإنهاء المسلمين في معركة الأحزاب.
فلما أُطفئ خطر قريش من قتال المسلمين في معاهدة الحديبية، توجه محمد ليعالج خطر خيبر المحدق.

كما يقول ابن إسحاق، كتب محمد إلى قواد قبائل خيبر، فقال:

“هل وجدتم أن الله أرسل إليكم الإيمان بمحمد؟ لا حرج عليكم أن تؤمنوا إن لم تجدوا هذا في كتابكم. الحق والباطل بدا ظاهرًا. إني أدعوكم إلى الله وإلى رسوله.” (ص. 256)
في سنة 629 م، خرج المسلمون نحو خيبر وطوّقوا أول الحصون، الناعم. بعد عدد من الأيام سقط الحصن في أيدي المسلمين. وبطريقة مشابهة، سقطت بقية الحصون. غير أن رسول الله لم يُعامل اليهود كما يُعامل المنتصر غريمه في ذلك العصر، أي بإبادتهم، بل اجتمع مع زعمائهم وخرجوا باتفاقية الاستسلام التي تنص على تجريدهم من السلاح وأن يُعطوا نصف المحصول من مزارعهم – الذي كانوا يعطونه لغطفان – إلى المسلمين.
مجموع الخسائر الحربية لخيبر هو 20 قتيلاً من اليهود و93 جريحًا. وخسائر المسلمين هي 50 جريحًا.

منع التسلح الشبه عسكري

عبر التاريخ هناك بعض الجماعات ممن يستخدمون العنف لتحقيق مطالبهم فيتسلحون لأغراض سياسية أو لمكاسب شخصية. المجموعات الشبه عسكرية هذه سرعان ما يُضحون مخربين، مُخلِّين بكل أمن واستقرار وسفاكي دماء. جرد النبي ﷺ السلاح من مثل هذه الجماعات. مثلًا، حُيَيّ بن الأخطب، زعيم بني النضير في عام 625 م، أعد المؤامرة لقتل محمد حيث لم يكن هناك سبب يدعو إلى الاغتيال، وخاصة في وجود عقد تحالف بين اليهود والمسلمين للعيش بسلام ولحماية المدينة. فلما أخلف بنو النضير عهدهم مع رسول الله، جردهم من السلاح لإخلالهم بالعهد واستحلالهم لأمن وسلامة المدينة، وكذلك جرد رسول الله قبيلة بني قريظة وقبائل خيبر من السلاح لنفس السبب: الخيانة بالعهود والخلل بأمن الناس.

السمو والتعالي – رسول الله يتزوج من سيدة يهودية، صفية

من سبايا خيبر كانت صفية ابنة حُيَيّ بن أخطب زعيم القبيلة، وأرملة كنانة بن الربيع. هذا الأخير قُتل في خيبر. أما أبوها حُيَيّ فقد قُتل مع من قُتل من قبيلة قريظة التي خانت رسول الله في معركة الأحزاب. لكن للحد من أو إطفاء العداوة مع بني النضير فقد تزوج النبي محمد من صفية. وبهذا أصبحت صفية إحدى أمهات المؤمنين المكرمات لدى كل المسلمين.

المسلمون أطلقوا سراح أسراهم اليهود تشريفًا لزوج رسول الله صفية

كان رسول الله ﷺ يعلم أن صحة المجتمع تصبح أصح وأجلّ عندما يُكرم الإنسان أو حتى يُكافأ، في مجتمع تختلف فيه الديانات عن الإسلام. كانت حياته ووجوده مبنيين على تطوير وإنشاء المشتركات والمحبة بين الناس والجيرة. فلما تزوج النبي من صفية، أطلق أصحاب محمد سراح كل أسير يهودي إكرامًا لها.
كان زواج رسول الله ﷺ من صفية فعالًا في احتضان علاقة أطيب مع اليهود. مناقشًا أفكار الغلاة في إضرام نيران العداوة بين المسلمين وأهل الكتاب،

يقول الدكتور عدنان إبراهيم:

“إن صفية أعطت من ورثتها أخاها اليهودي. ونتساءل: بماذا نعلل هذا في ضوء إقامة أسوأ علاقة مع أهل الكتاب؟ فمن هناك أفضل للتشريع من أهل بيت النبي محمد؟”

إلقاء نظرة على زواج رسول الله

علاوة على زواج النبي من صفية، فإنه تزوج من مارية النصرانية. بالإضافة، فإن رسول الله تزوج أم حبيبة ابنة ألد أعدائه آنذاك، أبي سفيان. بهذا الزواج فإن رسول الله أضعف من عداوة أبيها للإسلام.
الخط التاريخي لزواج رسول الله يُبين أن النبي تزوج أول زوجاته، خديجة، وكان عمره 25 سنة، وكان عمر الأرملة خديجة 40 سنة. وبقي هذا الزواج أحاديًّا حتى بعد وفاتها. وكان عمره عندئذ 50 عامًا. بعد ذلك تزوج من سودة، لكن بين 53 و58 من العمر تزوج من خمس زوجات أُخر. خلال هذا الوقت كان في طور إصلاح بينه وبين قريش وبينه وبين القبائل الأخرى حول المدينة.
فزواج النبي محمد من مختلف الملل والطبقات ما هو إلا رمز يثبت أن الإسلام يتجاوز حدود العنصرية الدينية والطبقية والاجتماعية، وأن عمل محمد هذا أكثر منه بناء لجسور من العلاقات الودية بين القبائل المختلفة والإسلام، أكثر مما هو كضرورة إنسانية. معلقًا على زواج النبي محمد، الدكتور جون إسبوسيتو المدرس في جامعة جورج تاون قال:
“زواج النبي محمد حدث لعدة أسباب. هو تزوج من أرامل ونساء لا عون ولا حماية لهن. لكنه اشتبك في زواج أيضًا لترميم العلاقات بينه وبين قبائل أخرى.”
The Legacy of Peace documentary الفيلم الوثائقي تراث من السلام

توسع دعوته دبلوماسيًّا 629 م

أمر الله تعالى نبيه محمدًا بتبليغ الوحي بكلمة “بَلِّغْ.”
“يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ” المائدة:67

ووفق تعليم الدكتور وجيه عبد الواحد:

“الكلمة بلِّغْ هي مُشتقّة من الاسم البلاغ، وهو العلم الذي يؤول إلى مطابقة الكلام لمقتضى الحال أو حال السامع، والذي يُفضي إلى فَهمِ الناس وإفادتهم.”
وتتجلى هذه المعاني في كافة أعمال رسول الله صلوات الله عليه كما رأينا وسوف نرى.
إدارة رسول الله ﷺ بدأت تأخذ أبعادًا لما وراء المدينة. أخبار نبوته وصلت عبر الحجيج ورُسل النبي إلى العديد من المواطن على أطراف الجزيرة العربية وما حولها. كان ذلك نتيجة لوجود استقرار نسبي في مجتمعه الصغير. بدأ محمد بإرسال الرسل إلى ما يجاوره من الأقوام، البعيد منهم والقريب. كتب رسول الله رسائل إلى رؤساء الأقوام من حول الجزيرة العربية وملوك الفرس والروم، كسرى وقيصر، يدعوهم فيها إلى الإسلام. وكان رسول الله دقيقًا في اختيار الرسل وبما يناسب صاحب الرسالة.

اختيار السفراء

لم يكن النبي محمد بعيدًا عن التحديات السياسية والطرق المثلى الدبلوماسية. فإنه كما تبنّى الطريق الدبلوماسي، فإنه بنفس الأسلوب انتخب الطريقة المناسبة لنجاح الخطى الدبلوماسية. كان رسول الله يعلم أن نجاح الخطى الدبلوماسية يعلو إن كان اختياره للسفراء مبنيًا على النتيجة المرجوّة من هذه السفارة.
هذا يقتضي أن يُؤخذ في عين الاعتبار عدد من الأمور. لننظر الآن إلى بعض من اختيارات رسول الله لهؤلاء السفراء. دِحية الكلبي مثلًا كان اختيار رسول الله إلى هرقل ملك الروم للإمبراطورية البيزنطية. بينما كان عمرو الضمري هو اختيار رسول الله إلى ملك الحبشة النجاشي.

مقارنة تقريبية لهذين السفيرين تُنبئ بما يلي:

السفيران يتميزان بفصاحة الخطاب، والذي يُعتبر محوريًّا في الدبلوماسية.
بالإضافة، لو أمعنّا النظر في شخص دِحية الكلبي لوجدنا أنه كان طويل القامة حسن الجمال، حتى إنه قيل إن جبريل كان يأتي النبي على شكل دِحية الكلبي. وكان الكلبي اختيار رسول الله لهرقل لما في شخصيته من استلطاف وجاذبية للأوروبيين.
يحدث المؤرخون أن هرقل تقبّل رسالة النبي محمد. وإن دِحية وهرقل استغرقا في حديث طويل. من ذلك الحديث أن هرقل سأل دِحية عن أخلاق وخصال رسول الله وعن الدين الذي أتى به. بعد أن انتهى هرقل من أسئلته الكثيرة، قال:
“إن كان ما تقوله صحيحًا، فإن هذا النبي سوف يقف حيث أقف.”
(انظر: سيرة رسول الله، محمد الحبش، ص 230)
أما بالنسبة لاختيار رسول الله لعمرو الضمري كرسول إلى النجاشي ملك الحبشة، ففي القصة التالية ما يُنبئ عن هذا الاختيار. لم يكن عمرو الضمري شخصًا معروفًا أو ذا شهرة لدى الصحابة، غير أنه كان صديق الطفولة للنجاشي.
يقول المؤرخون إنه عندما توفي أبوه وكان ملك الحبشة، كان النجاشي صغير السن. عمه أخذ الملكية وهرب النجاشي إلى الجزيرة العربية. في الجزيرة العربية عمل النجاشي راعيًا في قبيلة الضمري نواحي بئر بدر. هناك كوّن عمرو الضمري والنجاشي صداقة وصلة عريقة.
أثر وانعكاس هذه الصداقة يبدو بوضوح في خطاب عمرو إلى الملك النجاشي، إذ اختار أن يخاطب الملك باسمه لأيام الطفولة: أصحمة. فقال:
“يا أصحمة، أنا عليّ القول وعليك الاستماع: إنك كأنك في الرِّقَّة علينا منّا، وكأنّا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرًا قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء إلا أمِنّاه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك…”
(سيرة رسول الله، محمد الحبش، ص 233)

بعد أن اطّلع النجاشي على كتاب رسول الله وسمع خطاب الضمري، قال:

“أشهد أنه النبي الأُمِّي الذي ينتظره أهل الكتاب…”
أيضًا، لما توفي النجاشي صلى رسول الله عليه صلاة الجنازة.
هذه الأمثلة في انتخاب السفراء تُسفر عن عمق وجودة الفكر عند رسول الله. ويجب علينا أن نكون على يقين أن نجاح رسول الله في عمله ودعوته لم يكن لأنه نبي الله ورسوله فحسب، بل لأنه بذل الفكر والجهد والتخطيط قبل القيام بالعمل. وبعد كل هذا اتكل على الله ودعاه أن يكون معه وينجح عمله.

 

الجزء الخامس


قبول واسع النطاق للإسلام في الجزيرة العربية

في كتابه سيرة رسول الله، علّق الدكتور محمد الحبش على أن الغزوات التي أرسلها رسول الله إلى الأصقاع لم تكن للحراب ولكن كانت تصالحية في معظمها. وتابع قائلًا: كل تلك الغزوات أرسلت إلى منطقة الحجاز فقط، لكن الجزيرة العربية برمتها دخلت الإسلام. والحق أنه كان فضل ذلك إلى العشرات من حملات الدعوة إلى أنحاء الجزيرة العربية. فالدعاة حملوا الإسلام إلى القبائل في اليمن وعُمان والخليج العربي وشمال الجزيرة، الشام وبلاد الرافدين.

رد فعل عدائي للإسلام من الخارج

مماثلًا لعداء قيادات الطوائف القريشية وديكتاتورياتهم تجاه المسلمين، بعض من القيادات العالمية أبدت عداءها للمسلمين. مثلًا، الإمبراطور البيزنطي وعملاؤه وبعض القبائل العربية الموالية له اعتدوا على رسل النبي وقتلوا منهم. علمًا بأن المسلمين لم يقوموا بأي عداء أو نوع من الجدل يُظهر ويُبدي العداء لهم أو للنصرانية.

الحرب مع البيزنطيين

في مكة، المسلمون والنصارى واليهود تعاونوا مع بعضهم للتصدي لعبدة الأصنام، حيث إنهم يشتركون في تراث واحد بدأ من أبي الأنبياء إبراهيم. القرآن أعطى النصارى واليهود اللقب أهل الكتاب استثناءً وتقربًا. النبي محمد تأمّل ورجا من أهل الكتاب التعاون كما شاهدنا في هجرة المسلمين إلى الحبشة وتعاقده مع اليهود في المدينة. إلا أن السياسة والأنانية طغتا على جزء من نصارى بيزنطية وحلفائهم من العرب، مما أدى إلى الحرب معهم.

الأعمال العدائية المسيحية ضد المسلمين

عرض للمواجهات بين المسلمين والنصارى يمكن أن يُوضح اضمحلال العلاقة بين المسلمين والنصارى. كما أشرنا في الفقرة السابقة توسيع دعوته دبلوماسيًا 629 م، بعث النبي محمد العديد من الرسل إلى الآفاق ضمن الجزيرة العربية وخارجها، يدعوهم فيها إلى الإسلام. منهم الحارث بن عمير الأزدي الذي كان يحمل رسالة إلى حاكم بُصرى في سورية. لكن في طريقه إلى بُصرى اعترضه شُرحبيل الغساني، حاكم البلقاء.
البُلقاء والبُصرى كانتا تحت تصرف الإمبراطورية الرومانية، وكان معظم عامليها عربًا من نصارى الغساسنة تحت تصرف هرقل.
شرحبيل مزّق رسالة رسول الله إلى حاكم بُصرى، وأهان رسول الله، وعذّب ثم صلب وقتل الحارث بن عمير الأزدي.
في عمله هذا انتهك شرحبيل القوانين العرفية في حماية الرسل والمبعوثين. علاوة على ذلك، هذه الوحشية تعتبر إعلان حرب. على أثر هذه الحادثة، سير رسول الله خمسة عشر نفرًا إلى سورية، لكنهم لقوا حتفهم إلا واحدًا نجا من عشرات سهام الروم ناحية القرى على حدود سورية.
وتلقى المسلمون المزيد من الفظائع المسيحية. فقد صلب القيصر البيزنطي فُروة بن عمرو الجذامي، والي بيزنطة على معان في سورية. وكان فُروة قد أسلم وأرسل بعض الهدايا إلى رسول الله محمد ﷺ، فلما علم هرقل بذلك سجنه وصلبه في ماء عَفراء. وأصدر هرقل تشريعًا بصلب كل من اعتنق الإسلام في بيزنطة.
وكان هناك عدوان آخر بشكل دسائس لإفساد الأمة، ولكن لم يكن معروفًا حتى أنزل الله تعالى على نبيه آيات تكشفه. قال الله تعالى:
“وَالَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقٗا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ.” (التوبة: 107)
والخلفية لهذه الآية أن هرقل ملك الروم والراهب أبو عامر الذي خرج من المدينة إلى مكة بائسًا لما دخلها رسول الله، وبعد سنوات، لما دخل المسلمون مكة، ترك أبو عامر مكة إلى بلاد الروم. وهناك تآمر هرقل والراهب أبو عامر مع المنافقين ليشقّوا عصا المسلمين ببناء مسجد للتدسيس والإفساد وإضرار المسلمين. فأمر رسول الله ﷺ بهدم مسجد ضرار لإنهاء هذا التدليس والتداخل الغربي في أمان المسلمين.
هذه الأنواع من المعاداة والتدخل لإفساد الأمة أدت إلى معركتي مؤتة واليرموك بين المسلمين والنصارى.

غزوة مؤتة 629 م

كما ذكرنا في الفقرة السابقة، فإن قتل الروم للمسلمين دفع رسول الله ﷺ إلى إرسال ثلاثة آلاف رجل لمعاقبة القتلة. في مؤتة في سورية تغلب الروم على المسلمين وهزموهم، فعادوا إلى المدينة المنورة.
أقلقت مواجهة مؤتة وتمدد المسلمين في أنحاء الجزيرة العربية القيصر البيزنطي هرقل، فشعر بالتهديد، خاصة بعد سقوط مكة وإسلام زعماء قريش. دفعه هذا القلق إلى حشد المزيد من القوات لمهاجمة المدينة المنورة. وربما كان التعصب الديني وهيمنة الكنيسة هو الذي خلق هذه المخاوف خلال العصور المظلمة الأوروبية.

الربحية والفعالية في توزيع الموارد

كما كان رسول الله حكيمًا في اختيار السفراء إلى الأمصار والملوك، كان يعرف حق المعرفة قيمة الفعالية في المعارك. من هذا المنطلق، وعندما نادى رسول الله للخروج لتأديب القتلة على تخوم سورية، سأل المتطوعين للتجمع شمال المدينة في مكان معين، وأنه سيلتقي بهم بعد صلاة الجمعة من اليوم التالي.
وفي اليوم التالي لما وصل إلى الجمع لدفعهم للخروج إلى مؤتة، لم يجد عبد الله بن رواحة في الجمع. لكن بعد برهة بدا غبار فرس من بعيد، ولما وصل كان هو عبد الله بن رواحة.

فسأله رسول الله ﷺ:

“ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟”
قال: أردت أن أُصلي معك الجمعة، ثم أَلحق بهم.
فقال رسول الله ﷺ: “لغدوة أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها. أتدري بكم سبقك أصحابك؟”
قال: نعم، سبقوني اليوم بغدوتهم.
فقال رسول الله ﷺ: “والذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعد مما بين المشرقين والمغربين في الفضيلة، ولو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما أدركت فضل غدوتهم.”
(مسند أحمد، طبقات ابن سعد، الترمذي)
ما كان المتطلب بالنسبة للنبي، والمهم هو الناتج من العملية، في هذه الحالة المعركة. فوجود فارس كأبي طلحة بين المحاربين له تأثير معنوي كبير وعميق.
يوم أُحد كان أبو طلحة يقي رسول الله ﷺ بنفسه، ويرمي بين يديه، ويتطاول بصدره ليقي رسول الله، ويقول: نحري دون نحرك، ونفسي دون نفسك. حتى إن صوته في المعركة كان بمائة رجل، كما قال رسول الله ﷺ:
“صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل.”
(موطأ مالك)
نستخلص من هذا أن تسخير وتوزيع الثروات والمواهب – ومنها البشرية – بحيث يكون نتاج العمل أكبر، وخاصة ما يعود بالفائدة على الأمة ككل، هو أعظم وأجل في ميزان رسول الله من تسخير تلك المواهب والثروات بشكل يعود بربح أو نتاج صغير أو منفعة شخصية، حتى لو كانت المنفعة في إقامة الشعائر الدينية.

معركة ذات السلاسل 630 م

اِنهزام المسلمين في مؤتة خَلَق فرصة لإلحاق المسلمين بهزيمة أُخرى من قِبَل القبائل العربية الموالية للروم: بَليّ وقُضاعة. بعد شهور قليلة من انهزام المسلمين في مؤتة أجمعت طوائف بَليّ وقُضاعة النصرانيّتَين للهجوم على المسلمين وهزيمتهم مرة أُخرى. موقف رسول الله ﷺ من هذا التجمّع أن أرسل عمرو بن العاص على رأس 300 مقاتل لتشتيت وإخضاع ذلك التجمّع.
لكن لمّا وصل عمرو إلى حدود الشام تبيّن له أن أعداد المحاربين النصارى أكبر بكثير ممّا كانوا يتوقّعون. لهذا أرسل بطلب الإمدادات، فأرسل له رسول الله 200 رجل على رأسهم أبو عبيدة بن الجرّاح. تقدّم الخمسمئة مقاتل نحو التخوم الشامية غير أنّهم لم يجدوا أيًّا من الجموع.
كانت هذه الأماكن عبارة عن معسكرات مهجورة اختفى سكّانها حديثي العهد. فعاد عمرو دون معرفة موقع التحالف العربي الروماني.

قريش تنقض عهد الحديبية 629 م

بعد سنتين من الحديبية نقضت قريش العهد. ففي عتمة الليل أعانت قريشُ قبيلةَ بني بكر على الانقضاض على قبيلة خُزاعة، حليفة النبي، فقتلت منهم عشرين نفرًا. مع أنّ خُزاعة لجأت إلى المسجد الحرام لدرع قريش من القتل، إلا أنّ بني بكر لم يمنعهم ذلك من ارتكاب المجزرة. وهكذا انتهكت قريشُ حُرمة البيت وخرقت السلام.

فتح مكة 630 م

وبعد نقض قريش لصلح الحديبية والجريمة التي ارتكبتها في خُزاعة، التقى عشرون رجلًا من خُزاعة برسول الله ﷺ في المدينة المنوّرة، وأخبروه بما حدث، وطلبوا منه المعونة. فوعدهم رسول الله بذلك.
وفي هذه الأثناء، أدركت قريش أنّها ارتكبت منكرًا، فأرسلت زعيمها أبا سفيان إلى المدينة لمقابلة النبي والتأكّد من صِحّة معاهدة الصلح. غير أنّ رسول الله لم يستجب لالتماس أبي سفيان؛ ولذلك عاد إلى مكة خاليَ اليدين. لقد كان نقض قريش لمعاهدة الحديبية سببًا وجيهًا دفع النبي محمدًا ﷺ إلى اتّخاذ خطوة مدروسة والعودة إلى مكة. غير أنّ رسول الله لم يكن غريبًا عليه أن ينهى عن العنف ويحافظ على الأمان. فهل كان بإمكانه أن يجعل مثل هذه العودة إلى مكة سِلميّة؟

خطة محمد ﷺ لفتح مكة مع الحفاظ على أمن الناس

كان النبي محمد ﷺ على وشك تحقيق المستحيل. أراد فتح مكة ولكن دون أن يتسبّب في انعدام الأمن أو جلب الرعب لسكانها. فهل استطاع أن يحقق هاتين الرغبتين في آنٍ واحد؟ علاوة على ذلك، فقد كان بعض المكيّين يَكنّون حقدًا شديدًا ويودّون خوض قتال مرير مهما كان الثمن لمنع المسلمين من العودة إلى مكة.

الخطة السرية والتنفيذ السري

احتفظ النبي محمد ﷺ بنيّته في فتح مكة لنفسه ومعه اثنان فقط من خاصّته، وأغلق المنافذ المؤدّية إلى المدينة، وحشد جيشًا جسيمًا دون أن يصرّح بوجهته أو غايته. هذه الخطوة كانت ضرورية حتى لا تصل أخبار الجموع إلى قريش فتتهيّأ لملاقاة المسلمين ولربما يتحتم القتال وسفك الدماء.
بدأ الزحف بعد العاشر من رمضان سنة 8 هـ (يناير 630 م). والتحقت القبائل في الطريق حتى وصل عدد الحشود إلى ما يقارب عشرة آلاف إنسان. بعد عشرة أيّام من السفر، أحاط المسلمون مكة ليلًا من جوانبها الأربع، مشعلين آلاف النيران في مداخلها وعلى جبالها، مُعرِبين عن حجم وضخامة الجيش المحيط بها، بما قد يُشجّع على الاستسلام عوضًا عن الحرب.
ومن حكمة النبي محمد ﷺ أنّه في ذلك الليل أرسل عمَّه العباس، الذي ما زال بين ظهراني قريش، ليستحضر أبا سفيان لإقناعه بالاستسلام. ولمّا وصل أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ دعاه لأن يُسلِم مكة ويسلِم لله، وأراه الجموع من المسلمين والعشرات من القبائل العربية التي تقف إلى جانبه. بعض المصادر الإسلامية تذكر أنّ أبا سفيان أسلم لله في تلك اللحظة ووعد رسول الله أن يُسلِّم مكة للمسلمين دون حرب.

عند ذلك، نادى المسلمون:

«مَن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، ومَن ترك سلاحه فهو آمن.»
وهكذا كان. تحققت خطة النبي محمد ﷺ في دخول مكة دون قتال. وهذا نجاح عظيم. ها هو النبي ﷺ يدخلها مطأطئ الرأس، منحنِيًا لله تعالى الذي أكرمه بدخولها وبقاء أهلها في أمان وسلام. فالمعركة الوشيكة باتت وراءهم الآن. الشكر والامتنان لله تعالى الذي أيّد نبيَّه ليدخل البلد الحرام ويبقيه على حرمته.
لقد أثمر جهاد محمد ﷺ المتواصل من أجل الحفاظ على الأمان والسلام. إتمامًا لفضل الله عليه، فقد دعا أهل البيت الحرام من المكيين وأكرمهم بالعفو عنهم قائلًا:
“ما تظنون أني فاعل بكم؟” قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء.”
مثابرة رسول الله ﷺ وجهاده ليبقي أمان الوطن والأمة خولته لقطف الثمرة. تحقيقًا لفضل الله عليه، نادى محمد بالناس في البيت الحرام لإعطائهم العفو لأهل مكة، عملًا بأعلى الشهامة والشرف، لأنه في القمة من القوة والعزة، وكان باستطاعته أن يسحقهم.

في هذا يقول جون إسبوسيتو، البروفيسور في جامعة جورج تاون:

“إن عبقرية النبي هنا كقائد رائعة. ولأنه لم يختر ما كان سيختاره الكثيرون في ذلك الوقت، أي الإخضاع ثم الذبح، بطريقة ما، للانتقام والثأر، فقد ارتقى إلى مستوى أرفع”. جون اسبوسيتو
(جون إسبوسيتو، The Legacy of Peace documentary – الفيلم الوثائقي تراث من الإسلام)
ثم إن رسول الله ﷺ لم يكره أحدًا على الإسلام؛ لأنه كان ينافي أصول الإيمان.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]
لا يحتاج المرء إلى البحث بعيدًا بين ما كُتب عن رسول الله محمد ﷺ ليجد شهادات وأدلة على شخصيته ﷺ وحبه الإنساني.

ستة رؤى في شخصية رسول الله من خلال فتح مكة

1- تغيير مسير الجيش البالغ عشرة آلاف مقاتل بغية أمن كلبة وجرائها

في طريقهم لفتح مكة، صادفوا كلبة مع جرائها، فأمر رسول الله أن يتحول مسير الجيش بعشرة آلافه عنها وجرائها حتى لا يحرمهم حقهم في أمنهم. عظمة أمر فتح مكة وتدبير المعركة والاحتمال في أنه ربما يسوس الجزيرة العربية بعد فتح مكة، كل هذا لم يزن شيئًا يوازي هضم حقوق الكلبة وجرائها في الأمن الذي وهبه الله لكل الخلق. (الواقدي، المغازي 2/804)
حدثني عبد الرحمن بن محمد، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: لما سار رسول الله ﷺ من العرج، فكان فيما بين العرج والطَّلوب، نظر إلى كلبة تَهِرّ على أولادها، وهم حولها يرضعونها، فأمر رجلًا من أصحابه يقال له جُعيل بن سُراقة أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش ولا لأولادها. اهـ. ولم نجد من تكلّم عليه من أهل الحديث، لكن على أي حال، فعبد الله بن أبي بكر بن حزم تابعي، وروايته عن النبي ﷺ منقطعة، وعليه يكون الأثر مرسلًا.

2- النبي محمد ﷺ لم يسلب زعامة مكة من قريش

عندما فتح مكة، لم يتوج محمد نفسه عليها كملك وينزعها من بني أمية، بل عين عليها عتبة بن أسيد الأموي. تعيين عتبة أثبت لقريش، مرة بعد الأخرى، أن رسول الله ﷺ لم يكن أبدًا يطلب الزعامة، ولا كانت يومًا من أجندته.

3- إطفاء شرارة العنف والقتال على أبواب مكة

خطة رسول الله ﷺ في دخول مكة محتفظًا بأمانها وأمان أهلها وبدون قتال، بدت على وشك الاندثار عندما أحد قواد الأجنحة الأربع الداخلة إلى مكة، وهو سعد بن عبادة، بدأ صارخًا بالشعار: “اليوم يوم الملحمة.” فلما علم رسول الله ﷺ بنداء عبادة، أسرع فعزله عن منصبه وعين بدلًا منه أباه حارثة بن النعمان. واستبدل الشعار بـ: “اليوم يوم المرحمة.” عمل رسول الله ﷺ هذا بتلك السرعة أكد للمكيين صدق النبي في أمنهم وسلامة موطنهم. بالإضافة، أظهر رسول الله ﷺ حسن إدارته، بالأخص العسكرية، بتبديل قائد أحد الأجنحة الأربع بأبيه، مطفئًا بذلك نيران خلاف وشقاق في صفوف عسكره.

4- الدين والمصلحة العامة متلازمان

في طريقهم لفتح مكة كان المسلمون صيامًا، وكان الطقس شديد الحرارة، وشق على الناس الصيام. بين حين وآخر كان رسول الله ﷺ يرش الماء على رأسه ووجهه من شدة العطش. ولما كان الجيش على واحة الكديد بعد الظهيرة، وقف رسول الله ﷺ على راحلته حتى يراه الناس، وطلب إناء من ماء فشربه إيذانًا للجميع بالإفطار. بعد ذلك قيل له إن بعض الناس لم يفطر، فقال: “أولئك العصاة، أولئك العصاة.” (البخاري)
فرسول الله ﷺ بهذا يشير إلى أن المصلحة العامة تقتضي أن يأتمر كل فرد بالقائد، وأنها معصية في غير ذلك. أيضًا، لربما تكون العبادة موضع تفاوت وجدَل بين الجموع. وهكذا فالدين والانضباط وإدراك الأسباب ومسبباتها ليسوا في تضارب. غير أن محمدًا ﷺ لم يعاقب العاصين، فهو كما ذكر القرآن مرارًا: مبلغ وليس رقيبًا ومحاسبًا.

5- مجرمو الحروب لم يُتركوا بدون عقاب

استثنى النبي محمد ﷺ من الغفران الذي منحه لأهل مكة عشرة أنفار. هؤلاء العشرة كانوا وبنشاط مثيري الحروب والعنف. غير أنه عندما ناشد بعضهم النبي ﷺ في الغفران، عفا عنهم.

6- من قضاء رسول الله ﷺ النظر إلى تاريخ المجرم قبل إصدار العقوبة

على الرغم من السرية الواسعة التي استخدمها رسول الله ﷺ للخروج إلى مكة والإحاطة بها، فإن حاطب بن أبي بلتعة، وهو ممن شارك رسول الله في معركة بدر، كتب رسالة إلى قريش يطلعهم فيها على ما يقوم به محمد ﷺ من التهيؤ لغزو مكة. أعطى حاطب الرسالة إلى سيدة من الأنصار، فانطلقت بها من المدينة نحو مكة. غير أن الله أطلع نبيه على ما فعل حاطب، فأرسل علي بن أبي طالب مع نفرين خلف السيدة. لما وصلوا إليها وطلبوا منها إبداء الرسالة أنكرت ذلك، لكن في النهاية اعترفت وأخرجت الرسالة من ضفائر شعرها وسلمتها لعلي.
عندما واجه رسول الله ﷺ حاطبًا وسأله عما فعل، اعترف بما فعل، ولكنه أتم حديثه بأنه ممن آمن بالله ورسوله، لكنه ترك أهله في قريش وليس لهم حماية، وأنه إن فعل ما فعل فإن قريشًا لن تؤذي أهله. عند ذلك قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: دعني أقطع عنقه، فإنه خان الله ورسوله. عندها أجاب رسول الله ﷺ: “لا يا عمر. أَلا تدري أنه كان أحدَ من حضر بدرًا؟” ثم تابع القول:
“وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطّلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.”
كقاضٍ أو مشرّع، اطّلع النبي محمد ﷺ على ماضي المتهم وتاريخه الجنائي قبل أن يصدر قرار الحكم. ومن خلال العمق الأخلاقي لما سبق ذكره من تنوير النبي محمد ﷺ وأفعاله، يمكن للمرء أن يدرك لماذا يعشق الملايين من الناس محمدًا ويحبونه.

وقد قال برنارد شو، الفيلسوف البريطاني، في محمد والإسلام كلامًا يؤكد ذلك:


برنارد شو

“لقد كنت دائمًا أكن لدين محمد ﷺ احترامًا كبيرًا. إنه الدين الوحيد الذي يبدو لي أنه يمتلك تلك القدرة على استيعاب أطوار الوجود المتغيرة التي يمكن أن تجعله في ذاته نداءً إلى كل عصر.” جورج برنارد شو
“إن تولى العالم الحديث رجل مثله — أي محمد ﷺ — لنجح في حل مشاكله ووجب له السلام والسعادة المطلوبين بشدة. لقد درست عن الرجل وبرأيي هو أبعد ما يكون عدوًا للمسيح، بل يجب أن يُسمّى منقذ البشرية. لقد تنبأت أن دين محمد ﷺ سوف يكون مقبولًا غدًا، كما بدا مقبولًا عند أوروبا اليوم.”

معركة حُنين 630 م

بعد فتح مكة، قبيلتا هوازن وثقيف، وهما أكبر القبائل العربية التي تعيش في مناطق الشرق الشمالي والجنوبي لمكة، عزموا على قتال محمد ﷺ علمًا أنهم أدركوا أنه ليس بطالب للسلطة أو الغنى. واستدعت هوازن وثقيف كل القبائل ومواليهم لاجتماع للبث في الأمر والإعداد له. وكانت نتيجة الاجتماع الخوض في معركة ضد المسلمين، وأنه على كل محارب أن يأتي إلى المعركة مع النساء والأطفال والذهب والمعادن الثقيلة والأنعام والزاد والمؤن. هذا الشمول يلزم ويحث الرجال على القتال بعنف لحماية أعراضهم وعائلاتهم وأموالهم.
جمع هوازن وثقيف والقبائل الحليفة لهم أكثر من 4000 إنسان لحرب المسلمين. هذا الجمع دخل وادي حُنين وارتفع إلى أعالي الجبال بيوم سابق لدخول المسلمين إليه. ولما دخل المسلمون الوادي وكانوا حوالي 12,000 رجل وامرأة، انقضت عليهم جموع المشركين بهائل من الحجارة من أعالي الجبال. خلق هذا الانقضاض المفاجئ الرعب والالتباس في صفوف المسلمين، واضطربت الخيول والجمال حتى اختلف الناس عن رسول الله ﷺ.
ضخامة الارتباك والخلل في صفوف المسلمين دعت رسول الله ﷺ أن يدعو الناس وأصحابه ليقبلوا عليه ويلتفون حوله إذ اقترب العدو منه. ودفعت القلة القليلة ممن كان حول رسول الله ﷺ من المسلمين المشركين ووضعوا صدورهم حصنًا لصدْره ﷺ.
سرعان ما استرد المسلمون وعيهم واسترجعوا قواهم ومعنوياتهم وانصبوا حول رسول الله ﷺ. بدأ القتال إذ التقى الطرفان. ولما سقطت أعداد من المشركين على أيدي المسلمين، بدأت ثقيف وهوازن وحلافاؤهم بالانسحاب. ودخل المشركون حصن بني ثقيف في الطائف، فحاصره المسلمون ثلاثين يومًا ولم يستطيعوا فتح الحصن. فكَّ رسول الله ﷺ الحصار ودعا الله أن يهدي ثقيف ويعيدها إليه مسلمة، وعاد إلى مكة.
أما بالنسبة لغنائم المسلمين، فقد بدت وكأن كل حصائل غطفان وثقيف ومن حالفهم من الماشية والذهب والنساء والأطفال غنيمة في أيدي المسلمين. وأمر رسول الله ﷺ أن تجمع الغنائم في الجِعرانة وأمر عليها من يحرسها. دام رسول الله ﷺ ثلاثة عشر يومًا لم يقسم الغنائم منتظرًا وفد هوازن ليحوز ما هو له. ولما لم تأتِ هوازن بدأ بتقسيم الغنائم فأعطى محمّدًا نُبلاء الناس وقادتهم ليتالفهم ويتألف بهم قومهم ويحببهم في الإسلام، حتى قيل إن محمدًا ﷺ يعطي عطاءً من لا يخشى الفقر. أعطى من الغنائم المئات والمئات من الأغنام والإبل والذهب لعشرات من نبلاء وزعماء مكة وغيرهم من الناس.
ولما جاءه وفد هوازن وهم أربعة عشر نفرًا، خيرهم بين أموالهم أو سباياهم، فاختاروا أبناءهم ونساءهم. فأعادها إليهم رسول الله ﷺ والمسلمون من خلفه، وكان عددهم ستة آلاف إنسان.
“إن حب محمد ﷺ البليغ في إنقاذ الناس والإفراج عن كربهم حقًا هائل وعظيم. فهو لم يعطي الناس نصيبهم من الغنائم فحسب، بل ونصيب بني طالب. تكريمًا لعمله الإنساني هذا، اتبعه المسلمون ممتثلين بإنسانيته، فأفرجوا عن سباياهم.” (Al-Zayed V2، ص 250)

ويعلق الدكتور عدنان إبراهيم عن حال رسول الله ﷺ قائلاً:

“إن شوق رسول الله ﷺ ليحرر الناس ولرخائهم جاوز رغباته لنفسه.”

أغنية من صفاء الروح الإنسانية

كيف لنفس مجبولة في الروح الإنسانية وفعل الخير والسخاء أن تفوّت فرصة لفعل ذلك حتى في الحروب؟ من موقعة حُنين نتطلع على ما يكمن في صدر محمد ﷺ من نبله ورحمته لبني البشر ولو كانوا عدوًّا له؛ لم يكن ليدعو عليهم، بل دعا لهم بالصلاح.
لما أمر رسول الله ﷺ قومه بالكف عن حصار الطائف والعودة إلى مكة، ساء ذلك بعض المسلمين، فسألهم أن يغدوا إلى القتال، فغدوا، فأصابهم جراح، فقالوا: “يا رسول الله، اخترقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم”، فقال ﷺ: “اللهم اهدِ ثقيفًا وائتِ بهم.” فسعة قلبه ﷺ وحبه للخلق لم يدعو عليهم لتسوء أحوالهم، بل دعا لهم بالهداية وأن يصلح أحوالهم، بالرغم من عداوتهم وحربهم له. حقًا، استجاب الله دعاؤه، فعندما رجع إلى المدينة وجاءت الوفود من كل أطراف الجزيرة العربية لتعطيه الولاء، قدمت ثقيف وقد أسلمت.

لم يدخل محمد ﷺ الحروب للغنيمة

حبس محمد ﷺ غنائم حُنين في الجِعرانة متأملًا أن يعود أصحابها فيعيدها إليهم. وبعد حصار الطائف، نزل رسول الله ﷺ فيها ومن معه من الناس، وأقام فيها ثلاث عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، متأملًا أن يأتي وفد هوازن مسلمين، فيحرزوا ما أصيب منهم. ولما لم يجئه أحد، أمر بإحصاء الغنائم لتوزيعها. وهو بالجعرانة، صلى محمد ﷺ أمام بعير من المغنم، أخذ وبرة من سنامه بين إصبعيه ثم رفعها وقال:
“أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم…” (سيرة ابن هشام)

إعطاء محمد ﷺ من لا يخشى الفقر

أعطى النبي ﷺ الأشراف وزعماء القبائل لتأليفهم وقومهم على الإسلام. أعطى دون تحفظ المئات والمئات من الغنم، والإبل، والذهب لعشرات من أشراف مكة وغيرهم من زعماء القبائل. فوَهب الكثير من المغانم، حتى أنه وهب لصفوان بن أمية وادٍ كامل فيه قطعان من الماشية، مثل أبي سفيان وابنيه يزيد ومعاوية، وحكيم بن حزام، والحارث بن الحارث وغيرهم من سادات قريش الأعلام. كما أعطى مئات من الإبل ومبالغ مختلفة من الذهب. وأعطى ما لم يعطه أحد غيره، حتى قيل: “أعطى محمد ﷺ عطاءً من لا يخشى الفقر.” (الزايد ج2، ص 246)

الإقرار بالمكانة الاجتماعية والسياسية للناس

الأستاذ الحذق لا يدير المدرسة بأكملها. النبي محمد ﷺ كان مبَلَّغًا لتعاليم الله، وكان كل ما قال أو فعل في خدمة ذلك. مرة أخرى، النبي محمد ﷺ أثبت لقادة قريش وغيرهم من الناس أنه لا يطلب السيادة والحكم، وأنه لن يسلب الناس مكانتهم الاجتماعية والسياسية، ولكنه منحهم وأعطاهم أكثر من المكاسب. بهذا كسب ثقتهم وثقة قبائلهم، وهم بدورهم أَجَلّوا محمّدًا ﷺ والإسلام.

الأخلاق هي الأساس في كل شيء حتى في المعارك والحروب

على غير عادة الحُرّاب الذين يحققون النصر بالتشنيع وقتل النساء والأطفال، بالنسبة لمحمد ﷺ، حقيقة انتصار المسلم هي تغيير القلوب غير الربانية إلى قلوب وعقول شغوفة باحتضان الربوبية والاستقامة والصلاح. هذه السمة لمحمد ﷺ تعكس ارتفاع مقامه، تقديره وإشادته للأخلاق الاجتماعية والدينية، وتبنيه للسلم والأمن. دعنا نعتبر القصتين التاليتين:

أمر رسول الله ﷺ بعدم قتل الأطفال

لما فرت هوازن وثقيف من معركة حُنين، أمر رسول الله ﷺ أن يلاحق المحاربون. وهنا حدث أن بعض المسلمين قتلوا المحارب وأبناءه. ولما علم رسول الله ﷺ بهذا العمل القاسي والتعسفي، اعترض قائلاً:
“ما حملكم على قتل الذرية؟”
قالوا: “يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين.”
فقال ﷺ: “وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد ﷺ بيده، ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها.” (البداية والنهاية)

أمر رسول الله ﷺ بعدم قتل النساء والعسيف

بالنسبة لرسول الله ﷺ، معظم النساء في المعارك كانت لمساعدة الجرحى، وأن النساء في الحرب تؤخذ كسبايا. النجاح الحقيقي للمسلم ليس قتل النفوس، بل لحقن الدم من أجل اعتناق الكمال والآداب الإلهية.
لما كان رسول الله ﷺ يتفقد معركة حُنين، مر بامرأة قد قُتِلت، فقال: “ما هذا؟”
فقالوا: “امرأة قتلها خالد بن الوليد.”
فقال رسول الله ﷺ لبعض من معه: “أدرك خالداً فقل له: إن رسول الله ﷺ ينهَاك أن تقتل وليدًا أو امرأة أو عسيفًا.” (البداية والنهاية)
العسيف هو الشخص غير المحارب، كالطباخ أو الممرضة أو الطبيب أو الخدم أو غيرهم من غير الخاضعين للقتال. شكراً للنبي محمد ﷺ في امتثاله للأخلاق حتى في المعارك.
هذه الصفات الشريفة للنبي ﷺ دفعت دبليو مونتغمري وات إلى القول:
“ما قاله مونتغمري وات في النبي محمد ﷺ”

W. Montgomery Watt -Muhammad 


 “استعدادُه لتحمّل الاضطهاد بسبب معتقداته، والأخلاقُ الرفيعة التي يتحلّى بها الرجال الذين آمنوا به وتطلّعوا إليه كقائد، وعظمةُ إنجازه النهائي – كل ذلك يجادل الجميع في أصالة نزاهته.” ويليام مونتغمري وات

في نهاية المطاف تتدخل قوة الله ولطفه

ومن حسن حظ المسلمين، والأفضل أن يُقال المؤمنين، أن الله تعالى يتداركهم برحمته وحمايته في كل وقت وحين، أفرادًا أو جماعات. كما وعد سبحانه وتعالى أن ينصرهم بحوله وقوته في أوقات الشدة والضيق وحتى عند الهزيمة في حرب ما، ما دام المؤمنون قد أدّوا ما عليهم من واجبات والأدوار المطلوبة منهم. وتأتي هذه المعونة بأشكال وطرق متنوعة. ولغرضنا، سننظر في مثالين قتاليين:

المثال الأول هو غزوة حُنين

وفيما يلي آيتان تصفان الوضع الحرج لغزوة حُنين وأشكال العون الإلهي: الشكل الأول هو رفع الروح المعنوية لدى المؤمنين، والثاني هو إمداد المؤمنين بقوات غير مرئية في ساحة المعركة.
إن مثل هذا التوفيق والمساعدة الحاسمة هي مكافأة لا تقدر بثمن للإنسان المؤمن الصادق. يقول الله تعالى:
“لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ 25 ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ ٱلْكَافِرِينَ.” (محمد 25-26)

المثال الثاني هو غزوة بدر

“وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 123 إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ ٱلْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ 124 بَلَىٰٓۚ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ ٱلْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ 125 وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ.” (آل عمران 123-126)
والمسلمون موقنون بعون الله إن استنفذوا نصيبهم من التقوى والإخلاص والأداء.

 


الجزء السادس

غزوة تبوك 630 م

في عام 630 م، أرسل قيصرُ رُوما جيشًا قوامه 4000 جندي من الخيالة، مزوّدين بأحدث الدروع والأسلحة، إلى سوريا الكبرى، التي كانت مستعمرةً تابعةً للإمبراطورية الرومانية وعاصمتها القسطنطينية. وتمركزوا جنوب دمشق في حصن قوي يسمى تبوك. أبلغت القوافل التجارية العائدة إلى الجزيرة العربية من سوريا رسولَ الله ﷺ بتجمع الرومان.
بعد ذلك، وصلت تعزيزات إضافية قوامها 40 ألف جندي روماني إلى تبوك. بالنسبة للمسلمين، يشكّل تجمع الروم هجومًا وشيكًا، وكان الخوف من هجوم البيزنطيين والمسيحيين الغساسنة في سوريا ظاهرًا بينهم. وظهرت علامة على هذا الخوف بشكل محرج في خبر الطلاق المزعج في بيت النبي ﷺ، الذي نُقل إلى عمر بن الخطاب. فأفاد عمر أن شريكه في حراسة النبي ﷺ جاء فجأة وطرق بابه في وقت متأخر من الليل خلال هذه الفترة من الهجوم المتوقع. استيقظ عمر منزعجًا وهرع إلى الباب. وعندما رأى شريكه، كانت كلماته المباشرة: “أجاءت غسَّانُ.”

إليك الرواية لما حدث بعمر:

…قالَ وَكانَ منزلي بالعوالي في بني أميَّةَ وَكانَ لي جارٌ منَ الأنصارِ كُنَّا نتناوَبُ النُّزولَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ (لحمايته) فينزِلُ يومًا فيأتيني بخبَرِ الوحيِ وغيرِهِ وأنزَلُ يومًا فآتيهِ بمثلِ ذلِكَ. قالَ كُنَّا نحدِّثُ أنَّ غسَّانَ تنعَلُ الخيلَ لتَغزونا. قالَ فجاءني يومًا عشاءً فضربَ على البابِ فخرجتُ إليْهِ فقالَ حدثَ أمرٌ عظيمٌ. قلتُ: أجاءت غسَّانُ؟ قالَ: أعظمُ من ذلِكَ، طَلَّقَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ نساءَه. (البخاري 2468)
رابط المصدر
لم تكن رؤية المسلمين لتجمع الروم على الحدود السورية انتظارًا حتى تدخل الروم المدينة وتخل بأمنها، بل كان المقصود مواجهتهم في تبوك. هذا التحرك إلى تبوك لم يكن سهلاً، وخاصة في الجفاف والحر، كما أن هذا العدد الكبير من الجموع يحتاج إلى العدة التي لم تكن موجودة. لهذا دعا رسول الله ﷺ أصحابه للتبرع والمساهمة.
وفي خطوة استثنائية، جلب أصحاب رسول الله ﷺ الكثير من ثرواتهم وأموالهم إلى النبي ﷺ دعمًا لهذه الخطوة الكبرى. أما أبو بكر فجاء بكل ماله، وأما عمر فجاء بنصف ماله، وأما عثمان بن عفان فجند خمسين فارسًا وجاء بـ 950 جملًا والكثير من الذهب، وأما عبد الرحمن بن عوف فقدم 200 أوقية من الذهب.
لما وصل جيش المسلمين إلى تبوك كان عدده 30,000 محارب. غير أنه لما وصل الجيش تبوك لم يجدوا أحدًا من الرومان. ما وجدوه هو رحى خالية من أناس قد رحلوا منه حديثًا.
على ما يبدو، أن الرومان لم يكونوا يتوقعون أبدًا أن يخرج من جزيرة العرب هذا الحجم من الجيوش في هذا الحر والجفاف. ومع ذلك، وصل المسلمون إلى ساحة المعركة، وكما يقال: “إن كان باستطاعة القوم فعل هذا، فمن المؤكد أنهم يستطيعون فعل المستحيل.” فكان الهروب أولى.
وأمضى المسلمون عشرين يومًا في تبوك ومنطقة الكشافة. وعلى الرغم من أنهم لم يشاركوا في أي مواجهة، تفاوض رسول الله ﷺ والعديد من الوفود القبلية على اتفاقات التضامن والسلام على الحدود السورية. وأكثر من مجرد التضامن، اعتنقت بعض قبائل البدو الشمالية الإسلام. علاوة على ذلك، تم الاستحواذ على دومة الجندل، وهو موقع استراتيجي بين المدينة المنورة وسوريا، كونفدرالية جديدة.

عهد محمد ﷺ مع مسيحيي سانت كاترين

قبل مغادرة الجيش منطقة تبوك بقليل، جاء رهبان دير سانت كاترين في سيناء لمقابلة رسول الله ﷺ. ووفقًا لما ذكره الدكتور جون مورو في “عهود النبي محمد إلى مسيحيي العالم”، فقد استقبلهم. ومنحهم ميثاقًا مشابهًا لميثاق المدينة الذي قدمه لليهود. وكانت شروطه الرئيسية هي:
-على المسلمين حماية كنائس وأديرة المسيحيين. ولن يهدم المسلمون أي ممتلكات كنيسية لبناء مساجد أو بيوت للمسلمين.
-إعفاء جميع الممتلكات الكنسية (للمسيحيين) من كل ضريبة.
-ولن يجبر المسلمون أبدًا أي سلطة كنسية على التخلي عن منصبه.
-لن يجبر المسلمون أبدًا المسيحي على اعتناق الإسلام.
-إذا تزوجت امرأة مسيحية من مسلم، فإنها ستكون حرة في اتباع دينها.
-وقد أتاحت إقامة الجيش المطولة في تبوك فرصة للاستجمام من عناء وتعب الرحلة الطويلة. وبعد عشرين يومًا، أشار النبي ﷺ إلى العودة إلى الوطن.

إعادة مكة إلى حرمتها الأولى وتطهيرها من عبدة الأوثان لكونها قبلة الموحدين

لنتذكر أنه بعد فتح مكة، عين النبي ﷺ عتبة بن أسيد واليًا على مكة وغادر إلى المدينة المنورة. على الرغم من نبذ كل الأصنام التابعة للعامة وتدميرها، إلا أن بعض طقوس المشركين والأوثان المملوكة من قبلهم لا تزال تُعبد في الحرم المكي. ربما تختفي عادة العبادة هذه بإعطائها الوقت الكافي. ولكن توقفت عبادة الأوثان وإقصاء المشركين عن مكة، على وجه التحديد، بعد عامين من فتحها، كما سنوضح فيما يلي.
بعد عامين من فتح مكة (631 م)، نزل على النبي ﷺ تشريع جديد ينظم معاهدات المشركين القائمة مع المسلمين وإعادة مكة لحرمتها الأولى وإنهاء عبادة الأوثان في سورة التوبة (براءة).
توضح سورة التوبة: فسخ العهود مع المشركين ممن نقضوا بنودها، والاستمرار في احترامها مع القبائل التي لم تنتهك الشروط. كما أسست سورة التوبة لإنهاء عبادة الأوثان ضمن حدود مكة لتعيدها إلى حرمتها الأولى كما في عهد سيدنا إبراهيم، فهي إنما قبلة الموحدين. أنزلت هذه الآيات في موسم الحج الذي كان بقيادة أبو بكر الصديق (631 م).
لما نزلت سورة التوبة، أرسل النبي ﷺ على وجه السرعة علي بن أبي طالب، ابن أخيه، إلى مكة ليعلن للحجاج عن التشريع الجديد في السورة. ويتجلى إعادة حرمة مكة في وصية رسول الله ﷺ على “أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.” (الفخر الرازي، التفسير الكبير ج 8 ص 226)
وكان أبي هريرة هو من مجموعة المؤذنين لهذه السورة، قال:
“عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسولُ اللهِ ﷺ، قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: لا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ.” (مسلم)

تفاصيل دستور البراءة:

الخطوة 1. إعلان براءة الله ورسوله من المشركين الذين نقضوا عهودهم مع النبي ﷺ.
الخطوة 2. الاستمرار بالوفاء بالعقود القائمة، أو جزء منها إلى الوقت المحدد، ما لم تنقض.
الخطوة 3. لن يكون هناك مزيد من المشركين وعبادة الأوثان في الحرم وحدود مكة حتى تعود إلى حرمتها الأولى.
ملاحظة: حرم مكة المكرمة بالنسبة للمسلمين يشبه إلى حد كبير حرم الفاتيكان بالنسبة للمسيحيين، إلا أن مكة قبلة الصلاة لجميع المسلمين.
الخطوة 4. مهلة أربعة أشهر للذين نقضوا المعاهدة السلمية (معاهدة الحديبية) واختاروا الاستمرار في عبادة الأوثان والشرك بالله، إما أن يتركوا الحرم (فسيحوا في الأرض) أو يعتنقوا الإسلام. يقول الفخر الرازي في التفسير الكبير حول قوله تعالى، “فسيحوا في الأرض أربعة أشهر،” (أصل السياحة: الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة.) وهذا إقرار ظاهره وباطنه إبعاد المشركين عن الحرم المكي وما حوله.
الخطوة 5. إنذار شديد بالحرب الفعلية على المشركين الذين نقضوا المعاهدة وأصروا على قتال المسلمين والبقاء في أرض الحرم ورفض الدخول في الإسلام بعد انتهاء فترة الإمهال.
انظر التفسير المنير ج10 ص 99، والتفسير الكبير ج 8 ص 223
ومن المؤسف أن الآية ذات الخطوة الخامسة يساء استخدامها أو تفسيرها لاتهام الإسلام بتأصيل العنف وقتال الغير، وخاصة المسيحيين واليهود.

الآية 5 من سورة التوبة:

“فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.”

نقطتان أساسيتان في إيضاح الآية:

1- المعنى المتعدد لكلمة مشركين

“مُشْرِكُونَ” جمعُ مشرك من اسم شرك، وهو الازدواجية في العبادة. وثنائيات العبادة من دون الله يمكن أن تكون أصنامًا، أو أشخاصًا، أو مادة، أو تجارة، أو مالًا، أو منصبًا، أو سلطة، أو عبادة الإنسان لأموره الشخصية واهوائه. فالناس قد يكونون مشركين عندما تصبح هذه الثنائيات أثمن عندهم من الله ودستوره.
وكثيرًا ما تُترجم كلمة المشركين ب الكفار وهذه الترجمة غير دقيقة. كلمة الكفر تضم كل من لا يؤمن بالله وبما أُنزِل على أنبيائه. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجوانب التاريخية والسياقية لهذه المناسبة هي في إعادة مكة إلى حرمتها الأولى – أي محورها مشركو مكة، وليس المسيحيين واليهود أو غيرهم من المشركين.
ومن الجدير بالملاحظة أن عبد الله يوسف علي، وبيكتال، وم. شاكر، ومؤخرًا ترجمة مطبعة أكسفورد العالمية للقرآن، ترجموا المشركين بدقة إلى “عبدة الأصنام” وليس الكفار.

2- منع الحروب من خلال الترهيب والتهديد والقسوة

إن التأثير النفسي لقدوم حرب مفرطة وشنيعة يدفع الناس إلى تغيير أو تسوية لمنع تلك الحرب واختراق الأمن. وبعد مهلة الأربعة أشهر، كما بينا أعلاه، تحققت رؤية الآية الخامسة من براءة في اجتناب الحرب – فلم يقم قتال، ولم يخرج أحد من مكة.
انظر المزيد من الآيات القرآنية التي أُسيء تفسيرها في: ”تأملات حول العقوبة في الشريعة الإسلامية“.

فيما يلي الآيات من 1 إلى 6 من سورة براءة، التي توضح موضوع الآيات وسياقها:

“بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ
وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ”
(سورة براءة، 1-6)

عام الوفود 630-631 م

بشير عام الوفود إلى وصول المئات من الوفود القبلية إلى المدينة المنورة لتعطي البيعة للنبي محمد ﷺ. ويرجع الفضل بذلك إلى فتح مكة وإسلام قريش وهوازن وغطفان وثقيف قبائل عربية قوية وعريقة.
معركة تبوك أيضًا تركت شمال الجزيرة العربية موالية للمسلمين باتفاقيات السلام. وفي وقت لاحق، وصلت العديد من الوفود القبلية إلى المدينة المنورة، معلنة ولاءها للنبي ﷺ. ومن بين الوفود قبيلة عبد قيس المسيحية؛ دخلت عبد قيس في الإسلام؛ وفد نجران المسيحي؛ نجران لم تدخل الإسلام، وأقام وفد نجران في المسجد النبوي أيامًا عديدة، وأدوا أثناء إقامتهم صلواتهم وطقوسهم في المسجد النبوي. وعلى الرغم من أنهم اختاروا عدم اعتناق الإسلام، إلا أن النبي محمد ﷺ أعطاهم عهدًا يضمن لهم حرية العبادة والسلامة.
“ولنجران، وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي ﷺ على أنفسهم، وملتهم، وأرضيهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم، وألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغيروا حقًّا من حقوقهم، ولا ملتهم، ولا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا من رهبانيته، ولا واقهًا من وقيهاه، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير، وليس عليهم دنية، ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النصف غير ظالمين، ولا مظلومين بنجران.”
(سيرة، ج2، ص320)
رابط المصدر

حجة الوداع

لقد مرت سنتان منذ آخر زيارة قام بها النبي محمد ﷺ لمكة. الآن يستعد لأداء فريضة الحج. وصلت المئات من الوفود والأفراد القبلية إلى المدينة المنورة عندما علموا بالزيارة. وانضم إليه العديد من الناس في طريقه إلى مكة. الحضور كان أكثر من 114 ألف حاج. وبينما كان يؤدي النبي ﷺ مناسكه، كان الحجيج يتعلمون ويقلدونه في كل خطوة. وفي جبل عرفة، خطب النبي ﷺ الجمهور في ما يدعى خطبة الوداع.

استعراض من خطبة الوداع

“إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمَةِ يومِكُم هَذَا، في شهرِكُم هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت، وإن لكم على نسائكم حقٌّ ولنسائكم عليكم حقٌّ، استوصوا بالنساء خيرا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلِمُه….”
(متفق عليه)
واستمع الناس إلى النبي ﷺ، وهم يعلمون أن هذه الخطبة ستكون في الأرجح هي المرة الأخيرة التي يسمعون فيها كلامه. لكنهم لن ينسوا أبدًا وجهه اللطيف، وكلماته المليئة بالحنو والرحمة.

الختام

“كيف يمكنك التقاط الجوهر الحقيقي لما بطن في صدر النبي محمد ﷺ في بضع صفحات؟ الأمر يمكن أن يسهل – كما تم التعبير عنه – من خلال ما أملى ومن أفعاله. إن روحه ونفسه واضحة كوضوح صباح كاشف عن يوم باهر ورائع.”
ألا يكفينا قسم الله تعالى:
“وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.” (القلم 4)
“في مماته، كما في حياته، لم يرتدِ النبي ﷺ سوى عباءة التواضع والفضيلة.”
في 8 يونيو 632 م، همس محمد ﷺ كلماته الأخيرة بين ذراعي زوجته عائشة ثم استسلم بسلام لإرادة الله.


البروفسور راما كريشنا راو


“في نفس اليوم الذي تُوُفِّيَ فيه، كانت أمواله عبارة عن عدد قليل من العملات المعدنية، بعضها، كما هو أمر، ذهب لسداد دين، والباقي للصدقة. كانت الملابس التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة مرقعة… [حتى أن] المنزل الذي منه انتشر النور إلى العالم كان مظلمًا لأنه لم يكن في المصباح زيت.”
البروفيسور ك. س. راماكريشنا راو
هل هناك عظمة تفوق هذه العظمة؟ هذا هو محمد بن عبد الله ﷺ، نبي الله ورسوله. صلى الله تعالى عليك وعلى آلك وأصحابك ومن تبعك بإحسان إلى يوم الدين.
يرجى مراجعة المصادر والوسائط الأخرى لمعرفة المزيد من المزايا الإنسانية التي تركها النبي محمد ﷺ خلفه هدى لكل الناس والخلائق.

انظر مثلا:

-معاملة محمد ﷺ الأطفال بالبهجة.
-محمد ﷺ يعجل الصلاة من أجل طفل يبكي.
-رحمة محمد ﷺ بالحيوان.
-الصيد لا يكون من أجل الرياضة.
-توصية محمد ﷺ في رعاية الحيوان.
-محمد ﷺ يحذر من تعذيب الحيوانات.
-عَلَم محمد ﷺ أنه لا ينبغي استخدام الحيوانات كأهداف.

 

References:

1- https://books.google.com/books?id=3ZK98cShxwYC&pg=PA170&lpg=PA170&dq=Gerbert+Of+Aurillac+studied+at+Vich&source=bl&ots=IivBERjAOK&sig=a-4ganZh7jkR9Galup3ChXLuWGg&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwii_5mW_63QAhWqjlQKHaY9ChMQ6AEISzAJ#v=onepage&q=Gerbert%20Of%20Aurillac%20studied%20at%20Vich&f=false https://www.britannica.com/biography/Sylvester-II Richard Erdoes، 1000 AD (Berkley: Seastone، 1998)، 60-61.http://everything2.com/title/Historical+Evidence+Regarding+the+Libraries+of+Muslim+Spain Muslim Spain http://www.webpages.uidaho.edu/engl257/Don%20Quixote/moorish_influence_on_renaiss.htm 2- www.supremecourt.gov/about/figures of justice.pdhttps://en.wikipedia.org/wiki/United_States_Supreme_Court_Building https://blogs.wsj.com/law/2015/01/14/muhammad-sculpture-inside-supreme-court-a-gesture-of-goodwill/ 3- http://www.newworldencyclopedia.org/entry/Muhammad Byzantium Viewed by the Arabs، By Nadia Maria El-Cheikh، Harvard CMES. Copyright. https://books.google.com/books?id=QC03pKNpfaoC&pg=PA48&lpg=PA48&dq=abu+sufyan+meeting+with+heraclius&source=bl&ots=Bk2IYjbC8U&sig=-TSOe6jfbQ2I4bLrQNWrL25QeFc&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwjH9PuV953SAhUOzmMKHSKxDoMQ6AEIPzAG#v=onepage&q=abu%20sufyan%20meeting%20with%20heraclius&f=false Byzantium Viewed by the Arabs Author: Nadia M El Cheikh-Saliba. Publisher: Cambridge، Mass. [u.a.]: Harvard Univ. Press، 2004. 4- https://en.wikipedia.org/wiki/Kaaba