نشأة الانقسام السني الشيعي
By Faysal Burhan
Published: 2018
Revised: 2025
نشأة الانقسام السني الشيعي
Be not part of any divided groups
The Qur’an states: Turning to Him, and be careful not to assault and aggression to one another, and keep up prayer, and be not of the infidels, of those who divide their religion into sects and become separate groups, each group rejoicing in whatever beliefs they have.[30:31 and 32]
الجزء الأول
الانقسام السني الشيعي: الأحداث السياسية
تنويه
الغرض من هذا المقال تعليمي بحت. ومن خلال فحص الأحداث التاريخية، نهدف إلى تقديم تنوير تاريخي بخصوص الماضي حتى يمكن تصحيح المستقبل. إن القرآن يأمر جميع الناس -سنة وشيعة وغيرهم- بأن “يقرأوا”. ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن ثلث القرآن يتكون من قصص تاريخية عن الأنبياء السابقين واقوامهم. قُدمت كدروس لنا لنتعلم منها ونبني مستقبلاً أفضل. هدفنا هو أن تكون الأجيال القادمة (الذرية) حرة من الانغلاق المذهبي، مستنيرة، ومتحدة تحت اسم واحد وهو “المسلمون”، الهوية التي اختارها الله لنا.
ملخص
يُنظر إلى مسألة الخلافة المحتملة للإمام علي بن أبي طالب للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على نطاق واسع بأنها السبب الرئيسي للانقسام السني الشيعي. ومع ذلك، يبدو أن الجذور الحقيقية للانشقاق أعمق من مجرد نزاع على قيادة علي؛ إذ يبدو الانقسام متجذراً في “العصبية” (الولاء القبلي) وفي جهد لتقويض الأمة الإسلامية وصرفها عن مبادئ القرآن. إن المقاصد الجوهرية للقرآن تؤكد على العدل قبل الايمان، والتقوى، ومنع العدوان والخصومة، والأمانة، وطلب العلم والتقدم فيه، والوحدة، والتعاون.
وعوضاً عن ذلك، كانت العصبية، والفرقة، والسعي وراء الثروات الشخصية، والرغبة في السيطرة بأي ثمن، هي المحفزات التي تسببت في تصدع الأمة. وتصف “كارين أرمسترونغ” مفهوم العصبية هذا بقولها:
“التضامن مع القبيلة أو مع زعيمها؛ فكل ما يقوله الزعيم يُنفذ سواء كان صواباً أو خطأً، دون أي اعتبار للغرباء الذين يُنظر إليهم على أنهم لا قيمة لهم ويمكن التضحية بهم. فإذا اضطر (الزعيم) لقتلهم من أجل مصلحة قبيلته، لم يكن يشعر بأي تأنيب ضمير، ولم يكن يضيع وقته في التجريدات الفلسفية أو الاعتبارات الأخلاقية” (كارين أرمسترونغ، محمد: نبي لزماننا).
كانت الخلافة المحتملة لعلي بن أبي طالب تُعتبر سليمة لاهوتياً ومناسبة؛ إذ مكّنه ورعه وصلته الوثيقة بالنبي -كونه ابن عمه (الذي تبناه النبي) وصهره- من استيعاب علوم القرآن ومقاصده الجوهرية وسنة النبي ﷺ، حيث كان الإمام علي بمثابة الرجل الأول للنبي ومساعده الأيمن.
ومع ذلك، كان الإمام علي من بني هاشم (الفرع المتواضع اقتصادياً من قريش)، وليس من فرع بني عبد الشمس الثري الذي هيمن على الحكم في مكة. وكان من العوامل التي منعت أرستقراطية قريش من تفضيل علي هو دوره كفارس صنديد في ساحات المعارك؛ إذ كان قد قتل عدداً من رموز قريش البارزين خلال المعارك ضد المسلمين.
وعلى الرغم من أن أبي بكر أصبح الخليفة الأول، إلا أن الإمام علي لم يثر ولم يمارس أي أنشطة ضده، ولا ضد الخليفتين الثاني والثالث، عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان على التوالي.
وربما أثرت ضغوط أرستقراطية قريش على عمر (الخليفة الثاني) لتعيين معاوية بن أبي سفيان والياً على دمشق في الأربعينيات من القرن السابع الميلادي. وكان كل من أبي سفيان وابنه معاوية قد عارضا وحاربا النبي محمد والمسلمين لمدة واحد وعشرين عاماً. ومع ذلك، وعقب الفتح السلمي لمكة عام 629م (8 هـ)، نالا عفو النبي ﷺ مع غيرهما من أعيان مكة (الطلقاء).
قام معاوية وأعضاء آخرون من الأمويين بالتأثير على عثمان بن عفان، حيث قام عثمان بتعيين العديد من أقاربه ولاةً على الامصار الإسلامية الممتدة، مهتماً بهم على حساب القبائل المؤسسة الأخرى مثل الأنصار وقبيلة النبي نفسه. كما منح أقاربه أموالاً من بيت المال. وأدى رفض عثمان لتغيير هذه السياسات إلى تولد معارضة أفضت إلى ثورات واسعة النطاق، انتهت باغتيال عثمان في منزله بالمدينة المنورة في 17 يونيو 656م.
قبل علي بن أبي طالب منصب الخليفة الرابع على مضض في يونيو 656م. وشملت مهامه مداواة جراح الأمة بعد انهيار الخلافة السابقة واستعادة المبادئ التأسيسية للإسلام: العدل، والأخلاق، وعدم التمييز، وإحقاق الحق، وتعليم القرآن الاولية كالصدق والشهادة لله.
وعند تولي علي الخلافة، رفض معاوية -الذي نمت سلطته ونفوذه في الشام خلال عهد عثمان- مبايعة علي وثار ضده، وهو فعل يخالف هدي القرآن. وزعم معاوية أن على علي أن يثأر لدم الخليفة المقتول عثمان كونه أموياً.
سلّح معاوية آلاف الرجال من القبائل النصرانية وحشد قواته لمحاربة علي في “وقعة صفين”، التي قُتل فيها أكثر من 70 ألف شخص. هل كان معاوية يرغب حقاً في الثأر لعثمان؟ وهل كان يوماً مؤمناً صادقاً؟ إن انتهاكاته للمبادئ الإسلامية وأفعاله التي خرقت المجتمع تثير تساؤلات حول نواياه الحقيقية. هل كان منافقاً مسؤولاً عن “الفتنة الكبرى” التي فتتت الأمة؟
أدى قبول علي لعملية التحكيم (المصالحة) مع معاوية إلى اغتياله في 21 رمضان (661 م). ثم أصبح ابنه الإمام الحسن الخليفة الخامس، وثار معاوية ضد الإمام الحسن أيضاً. ولحماية الأمة من مزيد من الانقسام وسفك الدماء، تنازل الإمام الحسن عن منصبه لمعاوية بعد ستة أشهر فقط من الخلافة (أواخر 661 م). وكان من شروط التنازل أن يخلف الحسنُ معاويةَ بعد وفاته، أو أن يختار المسلمون الخليفة القادم عبر الشورى. سُمِّم الإمام الحسن عام 670 م. وفي مخالفة للاتفاق، عين معاوية ابنه يزيد ليقود الأمة عام 676 م، مؤسساً بذلك للحكم الوراثي الذي ما زال المسلمون يعانون منه حتى اليوم.
رفض المسلمون تعيين معاوية لابنه. وعندما رفضت مدينتا المدينة ومكة مبايعة يزيد، أرسل جيشاً لقمع المعارضة. وأدى الهجوم على المدينة، المعروف بـ “وقعة الحرة” في 26 أغسطس 683 م، إلى مقتل الآلاف من الصحابة وعلماء المدينة. ثم تقدم جيش يزيد لمهاجمة مكة، حيث حاصرها وضربها بالمنجنيق والنار لمدة 40 يوماً، مما أدى لتضرر الكعبة ونهب المدينة في أواخر عام 683 م. بموت هذا الكم من الصحابة والعلماء مات الكثير من القيم العليا للاسلام.
وفي 10 أكتوبر 680 م، ارتكب جيش آخر ليزيد مجزرة بحق 75 من آل بيت النبي وأنصارهم في “كربلاء” (العراق حالياً)، حيث قُتل الإمام الحسين وأطفاله.
هزت مأساة كربلاء العالم الإسلامي، مخلفةً جرحاً مؤلماً ودائماً لدى السنة والشيعة على حد سواء. تاريخياً، جاء الأمويون ليمثلوا هيكل السلطة السياسية الذي شكل المذهب السني (بالمعنى السياسي اللاحق)، بينما شكل آل بيت النبي وأنصارهم المذهب الشيعي. حكم يزيد من عام 680 حتى نوفمبر 683 م.
وذكر الدكتور خالد أبو الفضل، أستاذ القانون المتميز في جامعة كاليفورنيا (UCLA)، أن التشيع تبلور كهوية متميزة عقب مذبحة كربلاء، وتعمق الانقسام السني الشيعي مع تشابك الاختلافات العقائدية بصراعات السلطة السياسية.
يبين المفكروالباحث حسن فرحان المالكي ان انتصار معاوية السياسي ادى الى تغيير ثقافي ابعد المجتمع عن تعاليم النبي ومبادئ القرآن العليا. فقد جذب بعض العلماء المقربين والمؤيدين لسياسته الى ايجاد منهج اجتماعي ديني همش به القرآن وقوى المرويات حتى اصبح المجتمع بعيدا عن القيم العليا للاسلام كالعدل والشهادة لله وطلب العم.
مناقشة
مبادئ إسلامية أساسية للقارئ المستنير
غالباً ما يرتبك الناس بسبب تعقيدات “الفتنة” (الاضطراب الداخلي أو الانقسام الذي يؤدي إلى الصراع والفوضى) ويحتاجون إلى توجيه لفهم عناصرها ورسم مسار للمستقبل. ويقدر المؤرخ والباحث حسن فرحان المالكي هذا القلق لمنع أبنائنا وبناتنا (الذرية) من الاستمرار في الغوص في الخطأ. فأحياناً يصعب تمييز الحق من الباطل. ويوصي المالكي باكثار العودة إلى القرآن مع تقليل الاعتماد على الأحاديث (المرويات). وكما سنرى لاحقاً، يشير الدكتور خالد أبو الفضل إلى أن الفكر الديني تمت “تسييسه” بشكل فج بعد مذبحة كربلاء. وقد وضع المؤلف عدة مبادئ قرآنية رئيسية تهدف لمساعدة القراء على قياس الأحداث التاريخية للفتنة بميزان قرآني:
ا. اقامة العدل
العدل في الإسلام ليس خياراً متروكاً لمزاج الإنسان، بل هو فريضة ملزمة وقانون إلهي لا يستثني أحداً، حتى مع الأعداء.
أبرز الآيات التي تنص على أن الإنسان “لا خيار له” إلا أن يكون عادلاً:
ا. العدل كأمر إلهي مطلق (لا استثناء فيه)
- “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ…” [النحل: 90].
هنا جاء الفعل “يأمر”، والأمر الإلهي في القرآن يفيد الوجوب والالزام القطعي على كل مسلم. - “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” [النساء: 58].
الآية تخاطب الحكام والمحكومين، وتربط بين أداء الأمانة وبين وجوب الحكم بالعدل كقاعدة أساسية لا يجوز الحياد عنها.
ب. العدل مع الخصوم والأعداء (حتى في حالة الكراهية)
لا يسمح القرآن للإنسان أن يظلم شخصاً لمجرد أنه يكرهه، وهذا من أسمى مراتب إلزامية العدل:
- “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” [المائدة: 8].
(شنآن قوم: أي بغضهم وكراهيتهم). الآية تلزم المؤمن بالعدل حتى مع عدوه، وتعتبر أن العدل واجب لا يسقط بالخلاف السياسي أو الشخصي.
ت. العدل ضد النفس والأقربين
لا خيار للإنسان في المحاباة أو المجاملة إذا كان الحق ضده أو ضد أهله:
- “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ” [النساء: 135].
هذه الآية تقطع الطريق على “العصبية” أو “المحاباة”؛ فالحق فوق الجميع، والعدل واجب ولو أدى لإدانة النفس أو الأهل.
ج. العدل في القول (الصدق والموضوعية)
- “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ” [الأنعام: 152].
حتى الكلمة التي ينطق بها الإنسان يجب أن تكون عادلة وموزونة بالحق، بعيداً عن الانحياز.
ح. عاقبة ترك العدل (الظلم)
بما أن العدل واجب، فإن نقيضه (الظلم) محرم تحريماً باتاً ولا خيار فيه:
- “وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ” [آل عمران: 108].
- “أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ” [هود: 18].
“اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (القرآن 5:8)
-
الكف عن الاعتداء
“وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (القرآن 2:190)
وفقاً لمقاصد القرآن عندالبحث حسن فرحان المالكي، فإن الامتناع عن العدوان والخصومة هو جوهر “التقوى”، وهي إحدى مقاصد القرآن.
-
عدم الإفساد في الأرض
“وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ” (القرآن 2:60)
-
عدم كتمان الحق والشهدة لله
الشهادة في القرآن الكريم ليست مجرد نطق باللسان، بل هي قيام بالقسط وقول للحق ولو على النفس، وهي مسؤولية أخلاقية كبرى أمام الله.
إليك أبرز الآيات التي تتحدث عن الشهادة لله ووجوب الالتزام بها:
ا. الشهادة بالقسط (حتى ضد النفس والأقربين)
هذه الآية هي المبدأ الأعلى للنزاهة، حيث تمنع المحاباة العائلية في الشهادة:
- “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا…” [النساء: 135].
ب. الشهادة لله مع الخصوم (منع الظلم)
تأمر هذه الآية المؤمن بأن لا يدفعه بغض شخص أو جماعة إلى تزوير الشهادة أو الظلم:
- “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ…” [المائدة: 8].
ت. التحذير من كتمان الشهادة
يعتبر القرآن كتمان الشهادة إثماً قلبياً كبيراً وظلماً للنفس وللحق:
- “وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمُهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ” [البقرة: 283].
- “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” [البقرة: 140].
ح. القيام بالشهادة كصفة للمؤمنين الصالحين
في وصف عباد الرحمن والذين يستحقون كرامة الله، ذُكر التزامهم بالشهادة الصادقة:
- “وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا” [الفرقان: 72].
- “وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ” [المعارج: 33].
خ. الشهادة كعهد مع الله
يؤكد القرآن أن الشهادة هي عهد وميثاق غليظ لا يجوز تبديله من أجل منفعة دنيوية:
- “…وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ” [المائدة: 106].
-
السعي نحو السلم والوحدة
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (القرآن 2:208)
-
التعاون على البر
“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (القرآن 5:2)
-
أولوية الأمن والأمان على الانقسام (قصة موسى وهارون)
يدين القرآن بشدة الأفعال التي تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار. وتوضح قصة موسى وهارون هذا المبدأ خلال حادثة “العجل الذهبي”. فقبل ذهابه إلى جبل سيناء، عيّن موسى أخاه هارون قائداً مستخلفاً له، وأوصاه قائلاً: “اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ” (القرآن 7:142).
وعندما عاد موسى ووجد بعض القوم يعبدون العجل، واجه هارون قائلاً: “مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي” (القرآن 20:92-93). فأجاب هارون: “يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي” (القرآن 20:94).
تثبت هذه القصة أن انعدام الأمن، والحرب الأهلية، والفرقة، وسفك الدماء، والاغتيالات هي ضرب من “الفساد” الذي يدينه الإسلام.
-
السعي نحو الإصلاح
“قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ” (القرآن 28:19). تعطي هذه الآية إشارة مباشرة للمؤمنين بأن أوامر الله تنسجم مع الإصلاح، وحل النزاعات، وإعادة بناء العلاقات، لا القتال والبغي.
-
حرمة الحياة
مُنع المسلمون من مهاجمة مكة لكون مؤمنون مجهولون بها (مستضعفون) لتجنب إيذائهم وقتلهم. يقول الله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25).” (القرآن 48:25).
لقد منع الله تعالى القتال حماية لأولئك المؤمنين المجهولين (خمسة رجال وامرأتان)، مما يظهر حرص الإسلام على عدم انتهاك حرمة الروح، وبالاحرى المؤمنة منها.
-
تحريم المؤامرات الخفية والاغتيال (الفَتْك)
عندما اقترح بعض الصحابة اغتيال قادة مكة، أجاب النبي محمد ﷺ: “إن الإيمان قَيَّدَ الفَتْك، لا يفتك مؤمن”.
والفتك يشير إلى التآمر والإيذاء، بما في ذلك إثارة الفوضى، والاغتيال، والتسميم، والخداع، والتخريب. كل هذه العناصر تسبب انعدام الأمن وهي محرمة. لقد دعا النبي محمد ﷺ إلى المواجهة العلنية والصادقة مع الخصوم، وهي المحجة البيضاء: و،هي جادة الطريق ومسلكه الواضح. البيضاء: صفة تدل على النقاء والوضوح التام، فهي لا تحتمل الشبهات أو التأويلات المظلمة.
-
تجنب الفرقة الطائفية
يحذر القرآن من تشكيل جماعات منقسمة: “مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ” (القرآن 30:31-32).
-
تحريم القتل إلا بحكم قضائي
“وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ” (القرآن 17:33)؛ أي من خلال العدالة وعبر محكمة مختصة.
-
التحريم القاطع واللعنة الإلهية للقتل العمد
“وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا” (القرآن 4:93).
علي بن أبي طالب: الوريث الشرعي للقيادة
كان الإمام علي بن أبي طالب من القلائل الذين استحقوا بجدارة فريدة القيادة السياسية والروحية والدينية للمسلمين بعد وفاة النبي محمد ﷺ عام 632م. وبصفته ابن عم النبي اللصيق، أقام علي معه تسعة وعشرين عاماً؛ ثماني سنوات قبل البعثة كابنٍ بالتبني، وواحد وعشرين عاماً خلال البعثة النبوية. علاوة على ذلك، كان متزوجاً من فاطمة ابنة النبي. هذا القرب غير المسبوق أتاح لعلي اكتساب معرفة مباشرة وعميقة وخبرة من النبي محمد ﷺ، مما جعله الرجل الأول للنبي وخبيراً في دعوته.
حياة من التفاني والشجاعة
ظهر تفاني علي المطلق خلال الهجرة إلى المدينة عندما نام بشجاعة في فراش النبي ليخدع القتلة المتربصين، مخاطراً بحياته من أجل سلامة رسول الله.
كان علي بن أبي طالب صحابياً ورعاً وجوهرياً للنبي محمد ﷺ منذ الأيام الأولى للإسلام. وبصفته داعية تقياً، غالباً ما كان يرافق النبي في الصلاة والتأمل في الشعاب والجبال المحيطة بمكة. وعندما أمر الله النبي بأن ينذر عشيرته الأقربين، كلف علياً بجمع 45 من أقاربه على مأدبة عشاء ليبلغهم محمد ﷺ الرسالة.
لاحقاً، مع هجرة النبي إلى يثرب (المدينة)، أثبت علي ولاءه بالبقاء لتأدية الأمانات ورعاية أهل بيت النبي وضمان هجرتهم بسلام. ومع استمرار قريش في مهاجمة المسلمين في المدينة، تميز علي كفارس صنديد، واشتهر بهزيمة أبطالهم المرموقين في معارك بدر وأحد والخندق.
الاعتراف النبوي: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى”
أدرك النبي استيعاب علي العميق لرسالة القرآن ومقاصده، فأعلن: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي”. هذا التصريح تضمن أن علياً كان مؤهلاً بشكل فريد لتمثيل النبي وقيادة المجتمع في غيابه، تماماً كما استخلف موسى هارون.
العفو عن معاوية
بعد فتح مكة عام 630م (8 هـ)، كان معاوية وعائلته -الذين كانوا خصوماً بارزين للنبي محمد ﷺ- ممن شملهم العفو العام. وتحولت مكانته من خصم سابق إلى عضو جديد، وإن كان بارزاً، في المجتمع الإسلامي.
تعيين معاوية كاتباً
تقديراً لإلمام معاوية بالقراءة والكتابة، عينه النبي محمد ﷺ واحداً من كُتّابه؛ حيث كُلف معاوية بكتابة بعض مراسلات النبي وخطاباته وقيل ايضا كاتبا للوحي.
معاوية بن أبي سفيان: إسلامه والجدل حوله
ظل إسلام معاوية بن أبي سفيان موضوعاً للجدل بين بعض الصحابة الأوائل، خاصة فيما يتعلق بصدقه وعمق إيمانه، لا سيما في ظل النزاعات السياسية والمالية اللاحقة.
على سبيل المثال، تذكر المصادر التاريخية (مثل مصنف ابن أبي شيبة وتاريخ الطبري) أنه خلال وقعة صفين، قال عمار بن ياسر عن جيش معاوية بن أبي سفيان: “والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرّوا الكفر، فلما وجدوا عليه أعواناً أظهروه”. استخدم عمار مصطلح “استسلموا” للإشارة إلى أن إسلام بعض خصومه (الطلقاء) عند فتح مكة كان ظاهرياً فقط، بدافع الخوف من السيف، وأنهم لا يزالون يضمرون العداء للإسلام الحقيقي.
ورأى نقاد آخرون أن إسلام معاوية كان إسلام “الطلقاء” (الذين أُطلق سراحهم يوم الفتح)، وأنه لم ينبع من إيمان عميق بل كان إسلاماً سياسياً مشوباً بالنفاق. واعتبروه “باغياً” (خارجاً عن الإمام الشرعي) بعد رفضه مبايعة علي بن أبي طالب خليفةً.
هذه الرؤية يتبناها عدة تيارات ونقاد تاريخيين عبر العصور، وأبرزهم:
- حسن فرحان المالكي (المفكر السعودي المعاصر):
هو من أبرز من ركز على هذه النقاط في العصر الحديث. ويرى المالكي أن معاوية لم يسلم إلا “رهبة” بعد فتح مكة، ويستدل بلقب “الطلقاء” ليؤكد أن هذه الفئة ظلت تحمل رواسب الجاهلية. كما يشدد في كتبه (مثل “قراءة في كُتب العقائد”) على أن خروج معاوية على علي بن أبي طالب هو “بغى” صريح بنص الحديث النبوي “تقتله الفئة الباغية”.
- المعتزلة:
تعتبر مدرسة المعتزلة (مثل الجاحظ في رسالته “النابتة” وأبي جعفر الإسكافي) من أشد الناقدين لمعاوية. ورأوا أن إسلامه كان “إسلام ضرورة”، ووجهوا له انتقادات لاذعة فيما يخص شرعية حكمه وتحويله الخلافة إلى “ملك عضوض”.
- بعض المؤرخين والعلماء من أهل السنة:
- الإمام النسائي: صاحب السنن، الذي ألف كتاب “خصائص علي” ورأى فضل علي ومظلوميته، وتعرض للمضايقة بسبب عدم ذكره لمناقب معاوية لأنه لم يجد فيها شيئاً يصح عنده سوى حديث “لا أشبع الله بطنه”.
- المقريزي: في كتابه “النزاع والتخاصم”، انتقد بني أمية ومعاوية بشدة واعتبر حكمهم خروجاً عن روح الإسلام.
- سيد قطب: في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، وجه نقداً حاداً لمعاوية واعتبر أن روح الإسلام تلاشت في عهده لصالح النزعات الجاهلية والأطماع السياسية.
- علماء ومؤرخو الشيعة:
هذا الموقف هو الركيزة الأساسية في الفكر الشيعي (الإمامية والزيدية)، حيث يجمعون على أن معاوية لم يؤمن بقلبه، وأنه رأس “الفئة الباغية” التي حاربت الإمام الشرعي (علي بن أبي طالب).
- العقاد وطه حسين:
في القراءات الأدبية والتاريخية الحديثة (مثل “عبقرية علي” للعقاد و”الفتنة الكبرى” لطه حسين)، يتم تصوير الصراع كصدام بين “مثالية” علي و”براجماتية/سياسة” معاوية، مع الإشارة إلى أن معاوية استخدم وسائل لا تقرها التقوى الدينية للوصول إلى السلطة.
في المقابل، يعتبر العديد من علماء السنة معاوية صحابياً جليلاً، وأنه أسلم بصدق، وله فضائل، وأنه كان من كُتّاب الوحي، وأنهم “اجتهدوا فأخطأوا” ولهم أجر الاجتهاد، ولا يعتبرونهم كفاراً. من هؤلاء:
- الإمام أحمد بن حنبل: الذي سُئل عمن يقول “لا أقول معاوية خال المؤمنين”، فغضب وقال: “ما أحمق هذا! يُهجر ويُحذر منه”.
- الإمام البخاري ومسلم: حيث أخرجا له في “الصحيحين” واعتبروه راوياً عدلاً.
- شيخ الإسلام ابن تيمية: في كتابه “منهاج السنة النبوية”، دافع عن معاوية واعتبره من أفضل ملوك المسلمين، وأن خطأه في الاجتهاد (خلال الفتنة) لا يُسقط صحبته أو عدالته.
- الإمام الذهبي: في “سير أعلام النبلاء”، وصفه بـ “ملك الإسلام” وأكد على فضله وصحبته رغم ذكره للأحداث التاريخية التي وقعت.
نبوءة عمار بن ياسر
تعرض موقف معاوية الفئوي-الفئة الباغية- لتحدٍ كبير خلال وقعة صفين، حيث كان معاوية هو من حارب علي بن أبي طالب. ففي الحديث المتواتر المتعلق بعمار بن ياسر.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمار بن ياسر: “وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ”. (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما).
تجلت الأهمية التاريخية لهذه النبوءة خلال “وقعة صفين”، حيث قُتل عمار بن ياسر وهو يقاتل في صفوف خليفة المسلمين علي بن أبي طالب ضد جيش الشام بقيادة معاوية.
ويرى المؤرخ والباحث حسن فرحان المالكي أن مقتل عمار على يد جنود معاوية هو التحقق الفعلي لهذه النبوءة. وبالنسبة للمالكي، فإن هذا الحدث يعد دليلاً لا يقبل الشك على انحراف النهج السياسي والديني لمعاوية، مؤكداً أن فئته هي “الفئة الباغية” التي تعمل ضد الهدي النبوي الصادق. https://almaliky.org/subject.php?id=1304
ما قاله أبو ذر الغفاري وصحابة آخرون حول إسلام معاوية
موقف أبي ذر الغفاري من معاوية:
لم يشكك أبو ذر الغفاري بشكل مباشر في صحة إسلام معاوية كفعل علني (حيث أسلم معاوية عند فتح مكة)، لكن خلافه معه كان حول تطبيق الشريعة الإسلامية وقضايا العدالة الاجتماعية والأموال العامة.
قضية الثروة واكتناز المال: نشأ خلاف شهير بين أبي ذر ومعاوية في الشام حول تفسير الآية القرآنية: “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” (سورة التوبة: 34).
قال معاوية أن الآية نزلت في “أهل الكتاب” (اليهود والنصارى) فقط، بينما أصر أبو ذر على أنها نزلت في المسلمين وأهل الكتاب على حد سواء. وحذر معاوية وأتباعه من اكتناز الأموال وبناء القصور (مثل “قصر الخضراء” في دمشق).
أدت هذه الخلافات بمعاوية إلى الشكوى من أبي ذر للخليفة عثمان بن عفان، مما أدى في النهاية إلى نفي أبي ذر إلى “الربذة”، حيث عاش ومات وحيداً. انظر: (هل يجوز اعتقاد أن معاوية باغٍ مع إسلامه وإيمانه؟).
واقعة غدير قم
بعد حجة الوداع، وأثناء عودة الحُجاج إلى المدينة، أوقف النبي القافلة عند غدير قم وخطب في نحو 40 ألف حاج حول مكانة علي. وكانت المكونات الرئيسية لخطابه:
- الثقلان: ذكر النبي أنه تارك فيهم “ثقلين” ثمينين، إذا اتبعوهما لن يضلوا أبداً: كتاب الله وعترته (أهل بيته).
“إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي”. - إعلان الولاية لعلي: اللحظة الأكثر محورية كانت عندما رفع النبي يد علي وأعلن: “من كنت مولاه، فعلي مولاه. اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه”.
يؤكد العالم السني الشيخ حسن فرحان المالكي أن حديث غدير قم وأقوال النبي في علي هي في غاية الصحة والتواتر، حيث نُقلت من خلال 28 طريقاً منفصلاً. لقد عاش علي في بيت محمد لثماني سنوات كابن بالتبني قبل بدء الوحي، وثلاثة وعشرين عاماً بعده. وفي نواحٍ كثيرة، كان علي هو الساعد الأيمن للنبي طوال مسيرته، ومعرفة علي وخبرته هي الأقرب للنبي؛ ولذلك أوصى به النبي كقائد يشبهه.
معلومات حول علم علي بن أبي طالب
يُبَجل الإمام علي بن أبي طالب من قبل الشيعة والسنة على حد سواء باعتباره “باب مدينة العلم”، لامتلاكه براعة لا تضاهى في علوم القرآن والبلاغة العربية والفصاحة. وتقدم رؤاه العميقة حول طبيعة الله، وخلق الكون، وأصل البشرية نافذة فريدة على حكمته الواسعة. وتؤكد تعاليمه على توحيد الله وصفاته، فضلاً عن الركائز الأساسية للأخلاق الاجتماعية؛ بما في ذلك التقوى، ومنع العدوان والعداء، والزهد في الدنيا، والسعي وراء العدالة الاجتماعية. وقد جُمعت هذه الثروة المعرفية لاحقاً في عام 400 هـ (1009-1010 م) في العمل الشهير “نهج البلاغة” .
إكتمال الوحي
إما قبل واقعة غدير قم بقليل أو بعدها، تلقى النبي الوحي الذي يقول:
“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة: 3).
العصبية القبلية: استياء قريش من خلافة علي للنبي محمد ﷺ
كان هناك تنافس شديد وعصبيات قبلية عميقة التاريخ بين بني هاشم وبني عبد شمس (الذين انحدر منهم بنو أمية)، وهو صراع بدأ في الجاهلية واستمر وتطور بشكل سياسي وعسكري بعد الإسلام.
جذور وأشكال هذا التنافس:
-
في الجاهلية: الصراع على السيادة
بعد وفاة “عبد مناف”، انقسمت السيادة في مكة بين أبنائه. وكان التنافس الأبرز بين هاشم وعبد شمس:
- الرفادة والسقاية: نال هاشم بن عبد مناف شرف سقاة الحجيج وإطعامهم، مما منحه مكانة دينية واجتماعية مرموقة، وهو ما أثار حفيظة أخيه عبد شمس ثم ابنه أمية.
- المنافرة: تذكر المصادر التاريخية (مثل كتاب الأغاني للأصفهاني) وقوع “منافرة” (محاكمة قبلية للمفاخرة) بين هاشم وابن أخيه أمية بن عبد شمس، انتهت بنفي أمية إلى الشام لمدة عشر سنوات، وهو ما زرع بذور الحقد التاريخي بين الفرعين.
-
عند ظهور الإسلام: الصراع العقدي والسياسي
عندما بُعث النبي محمد ﷺ (من بني هاشم)، قاد بنو عبد شمس (وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب) جبهة المعارضة في مكة:
- بنو هاشم: وقفوا مع النبي ﷺ (حتى من لم يسلم منهم مثل أبي طالب) حمايةً لدمه وعصبيةً له.
- بنو عبد شمس: رأوا في النبوة “سلطاناً هاشمياً” يسلبهم مكانتهم التجارية والسياسية، فكانت قيادة قريش في الحروب ضد النبي (بدر، أحد، الخندق) غالباً في يد الأمويين (فرع عبد شمس).
-
بعد الفتح وبداية الدولة الأموية
انتقل الصراع من “القبيلة” إلى “الخلافة”:
- في عهد معاوية: استعاد بنو عبد شمس (الأمويون) بريقهم السياسي. ويرى باحثون مثل حسن فرحان المالكي أن معاوية أحيا “العصبية الأموية” في مواجهة الإمام علي (الهاشمي)، وحوّل الخلافة إلى ملك وراثي محصور في بيته.
- المظالم: اعتُبرت أحداث مثل مقتل الحسين بن علي (في كربلاء) على يد جيش يزيد بن معاوية قمة الصدام الدموي بين الفرعين، حيث نظر إليها الكثيرون على أنها تصفية حسابات قديمة تعود ليوم بدر.
-
التفسير السياسي (العصبية)
يؤكد المؤرخ الشهير ابن خلدون في مقدمته أن “العصبية” كانت المحرك الأساسي لهذه الأحداث. فبنو أمية كانت لهم عصبية قوية وتكتل عسكري وتجاري في الشام، بينما كان بنو هاشم يمثلون الشرعية الدينية والروحية.
وقد سجل القرآن الحالة العصبية للاعراب بقوله:
“وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ” (أي الوليد بن المغيرة من مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من الطائف). 43:31.
النهم للسلطة والسيطرة
في محاضرته بعنوان “ظهور الانقسام السني الشيعي“، طرح الدكتور خالد أبو الفضل من جامعة كاليفورنيا سؤالاً جوهرياً: “ماذا نفعل تجاه السلطة السياسية الضارة والفاسدة والظالمة؟”. ومن ناحية أخرى، هل كان نهم معاوية للسيطرة والسلطة عنصراً أساسياً في نشأة الانقسام السني الشيعي؟ قد يوفر العرض التسلسلي للأحداث التاريخية بعد غدير خم مزيداً من البصيرة حول نشأة هذا الانقسام.
التسلسل الزمني لنشأة الانقسام السني الشيعي
أزمة الخلافة: الأحداث التي تلت وفاة النبي محمد ﷺ
بعد أشهر قليلة من واقعة غدير قم، مرض النبي محمد ﷺ بحمى شديدة استمرت نحو أسبوعين. وفي لحظاته الأخيرة، انتقل إلى الرفيق الأعلى في المدينة المنورة في 8 يونيو 632 م.
الأحداث بعد وفاة النبي: اجتماع السقيفة
بعد وقت قصير من وفاة النبي، وبينما كانت الاستعدادات لدفنه جارية، اجتمعت مجموعة من الأنصار في “سقيفة بني ساعدة” لمبايعة زعيمهم سعد بن عبادة الأنصاري كخليفة تالٍ.
وعندما علم كبار المهاجرين بهذا الاجتماع (ومنهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح)، انضموا إليه. وبعد مداولات مكثفة، اختار الحاضرون أبا بكر ورشحوه ليكون الخليفة الأول.
مخالفة او تباطئ الصحابة عن امر النبي خلال مرضه الأخير
اتسمت الفترة التي سبقت وفاة النبي ببعض الجدل، بما في ذلك ما قيل عن مخالفة بعض الصحابة لأوامره. وفقاً للمؤرخ حسن فرحان المالكي في كتابه، “نحو انقاذ التاريخ الاسلامي،” أمر النبي مراراً وتكراراً بإرسال بعث عسكري فوراً بقيادة الشاب أسامة بن زيد للرد على القوات البيزنطية على الحدود السورية. ويذكر أن هذا الأمر العسكري لم يُنفذ رغم إصرار النبي عليه، حتى تولى ابى بكر الخلافة.
الارتياب حول خلوة السقيفة واحتمالية الترتيب المسبق
السرية المحيطة باختيار الخليفة في السقيفة تثير تساؤلات جوهرية: لماذا اتخذ هذا القرار الحاسم بعيداً عن أعين الناس، ومع استبعاد عائلة النبي المباشرة وعشيرته (بني هاشم)؟
لقد كان النبي ﷺ يشرك الناس باستمرار في القرارات المجتمعية الكبرى؛ فعلى سبيل المثال، في معارك بدر وأحد والخندق الكبرى، كان النبي يستشير الناس ويحصل على موافقتهم العلنية.
قد تساعد عدة عوامل في تفسير الأحداث التي وقعت أثناء وفاة النبي ﷺ والانقسام السني الشيعي الناتج عنها:
أ- نفوذ “الطلقاء” (مشركو مكة الذين عفا عنهم النبي)
يوضح الدكتور سهيل زكار، المؤرخ في جامعة دمشق، نفوذ “الطلقاء” الذين شملهم العفو. فبعد فتح مكة عام 630م، منح النبي ﷺ عفوًا عامًا عن أعدائه السابقين من أهل مكة، والذين عُرفوا باسم “الطلقاء”. بلغ عدد هذه المجموعة حوالي 5000 شخص، وكان لديهم قاعدة اقتصادية قوية. وقد تنامى نفوذ هذه المجموعة، مما أدى إلى احتمال تغلبهم على المجموعات الأقل عددًا مثل الأنصار (2000)، والمهاجرين، وعشيرة النبي من بني هاشم (200).
ب- الضغوط السياسية والنزعة القبلية (العصبية)
يبدو أن الطلقاء من قبيلة قريش مارسوا ضغوطًا على قادة المهاجرين الأوائل لمنع علي بن أبي طالب من خلافة النبي ﷺ. وكان هذا الضغط يعود بشكل أساسي إلى العصبية القبلية، وتاريخ علي كفارس بارز في ساحات المعارك، حيث كان قد قتل العديد من قادة قريش في الحروب ضد المسلمين.
ج- النفاق – شكوك حول صدق إيمان معاوية
يعتقد البعض أن معاوية لم يكن مسلمًا ممارسًا. ويذكر حسن فرحان المالكي أن العديد من الصحابة الذين عرفوا أصحاب الرتب العالية من الطلقاء (مثل معاوية) كانوا يشتبهون في إبطانهم للكفر. وقد شكك معاصرون له، مثل عمار بن ياسر، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وغيرهم ممن شهدوا معركة بدر، في إيمان معاوية وسلوكه.
د- نظرية المخطط المسبق
يقترح الدكتور زكار أن الأنصار ما كانوا ليجتمعوا في السقيفة قبل دفن النبي ﷺ لولا علمهم بخطة من “طلقاء قريش” للاستيلاء على القيادة. ويرى الدكتور زكار أن اجتماع السقيفة جاء ليعكس التوجهات النبوية السابقة التي كانت تشير إلى أن علياً هو من يجب أن يخلفه.
عهد أبي بكر (632-634م): التوطيد والتوسع الأولي
ركز عهد أبي بكر القصير كأول خليفة على تثبيت أركان الأمة الإسلامية بعد وفاة النبي ﷺ. فقد ارسل سرية اسامة التي أمر بها رسول الله قبلل مماته ونجح في قمع حروب الردة وتوحيد الجزيرة العربية، كما بدأ أولى الحملات العسكرية خارج الجزيرة لتصل إلى الأراضي البيزنطية والفارسية.
عمر بن الخطاب (634-644م): التوسع الإداري
شهدت خلافة عمر التي دامت عقداً من الزمن توسعاً سريعاً للدولة الإسلامية في مصر وسوريا وفارس. وعُرف عمر بحنكته الإدارية، حيث أسس هياكل الحكم الأساسية، وكان من بين تعييناته تعيين معاوية والياً على دمشق. وقبل وفاته، أنشأ عمر مجلس الشورى الانتخابي الذي اختار عثمان بن عفان خليفةً له.
بيعة علي ودعمه للخليفتين الأولين
حافظ علي بن أبي طالب على علاقة تعاونية وداعمة مع الخليفتين الأولين، أبي بكر وعمر. ورغم الجدال الأولي حول الخلافة فور وفاة النبي ﷺ، إلا أن علياً بايع كلاهما رسمياً ولم يثُر أبداً على سلطتهما. شارك علي بفعالية في مجالسهما الاستشارية، مقدماً مشورات قيمة في المسائل القانونية والإدارية والدينية. وأظهرت أفعاله التزاماً راسخاً بوحدة الأمة الإسلامية الناشئة واستقرار الدولة، مما ضمن استمرارية الإسلام وتقدمه خلال عهدهما.
دور علي خلال عهد عثمان
خلال عهد عثمان بن عفان (644-656م)، عمل علي بن أبي طالب في المقام الأول كمستشار مؤثر وقوة كابحة، وكثيراً ما كان يتوسط بين الخليفة ومعارضيه المتزايدين.
جوانب رئيسية من دور علي:
- -المستشار والمرشد: شارك علي بانتظام في مجلس شورى الخليفة، مقدماً المشورة في المسائل الهامة. وأظهرت أفعاله التزاماً باستقرار الأمة، رغم أنه رفض في البداية قبول الخلافة بشرط اتباع نهج الخليفتين الأولين [فيما يخص الاجتهاد الخاص]، بينما قبل عثمان ذلك.
- -نقد سياسات عثمان: لم يتردد علي في نقد سياسات عثمان، خاصة الاتهامات بالمحاباة (تعيين الأقارب، وكثير منهم من بني أمية، في مناصب الولاية الرئيسية) والإنفاق المسرف للأموال العامة. وأعرب عن اعتراضه على انحرافات عثمان عن ممارسات النبي ﷺ والخليفتين الأولين.
- -حماية الصحابة: حمى علي الصحابة الجاهرين بالحق، مثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، عندما واجهوا غضب الخليفة بسبب انتقاداتهم العلنية لإدارة عثمان وتراكم الثروة.
- -الوسيط أثناء الاضطرابات: مع تصاعد المظالم وتوافد الثوار من الأمصار إلى المدينة، عمل علي مراراً كوسيط بين عثمان والمعارضين، وتفاوض على وعود باسم عثمان لمعالجة مخاوفهم، وحث عثمان علناً على تغيير سياساته.
- -الدفاع أثناء الحصار: خلال الحصار النهائي لمنزل عثمان، لم يدعم علي الثورة بل عمل على تخفيف حدتها. وضمن إيصال الماء إلى بيت الخليفة المحاصر، بل وأرسل ابنيه الحسن والحسين لحراسة منزله، في جهد أخير لمنع سفك الدماء. ورغم تعاطفه مع بعض مظالم الثوار ومكانته كرمز أخلاقي للمعارضة، إلا أنه رفض طلبات قيادة الثورة ولم يكن له دور مباشر في عملية الاغتيال.
التدهور السياسي في عهد عثمان (644-656م)
أصبح عثمان بن عفان الخليفة الثالث، واتسمت نهاية عهده بتدهور تدريجي أدى لاغتياله. تركزت اتهامات الثوار حول المحاباة وتعيين أقاربه من بني أمية ولاةً. وكان لابن عمه ومساعده “مروان بن الحكم” نفوذ كبير صاغ قرارات الخليفة الذي بلغ من العمر ثلاثاً وثمانين سنة. أدت المظالم إلى مظاهرات كبرى من مصر والعراق طالبت باستقالته، لكنه رفض. تحول المتظاهرون إلى ثوار حاصروا منزله واقتحموه وقتلوه، مما زعزع استقرار الخلافة ووحدة المسلمين. طوال هذه الفترة المضطربة، لعب الإمام علي وابناه الحسن والحسين أدواراً محورية؛ حيث شاركوا في المفاوضات بين الثوار وعثمان، وقاموا بشكل بارز بدور الحراس لحماية دار الخليفة. (https://en.wikipedia.org/wiki/Siege_of_Uthman)
الإمام علي: الخليفة الرابع (656-661م)
قبل الإمام علي بن أبي طالب منصب الخليفة الرابع على مضض. ويوضح الدكتور خالد أبو الفضل ظروف توليه قائلاً: “رفض الإمام علي الترشيح للخلافة في البداية؛ فقد صُدم باغتيال عثمان ولم يرغب في أن يبدو كمستفيد من الموقف. ولكن في النهاية، نصحه مؤيدوه، ومنهم طلحة والزبير (عضوا مجلس الشورى السابقين)، بتولي الخلافة، مؤكدين أنه الوحيد الذي يملك السلطة لمنع الخلافة من مزيد من التفكك”. قبل الإمام علي المسؤولية لإصلاح الوضع، لكن الفوضى القائمة وطموح معاوية في الاستيلاء على السلطة أديا إلى استمرار الاضطراب. واجه علي معركة شاقة على جبهتين: استعادة إيمان الأمة وصد النفاق المتجذر.
تمرد معاوية واغتيال علي
خلفية: في عام 639م، عُين معاوية بن أبي سفيان والياً على دمشق من قبل عمر بن الخطاب. ومعاوية هو ابن أبي سفيان، زعيم قريش الذي اضطهد النبي ﷺ والمسلمين لواحد وعشرين عاماً، ثم نال العفو العام يوم الفتح، فسموا بـ “الطلقاء”.
معاوية يرفض الولاء:
رفض معاوية مبايعة الإمام علي، واتخذ من اغتيال عثمان ذريعة للتمرد وطالب علياً بالثأر لدم عثمان الأموي.
رسالة علي إلى معاوية:
رد الإمام علي على اتهامات معاوية برسالة أوضح فيها الموقف: “إنك تتوهم أنك تتهرب من بيعتي باتهامي بدم عثمان، والكل يعلم أني لم أقتله، ولا قود (قصاص) عليَّ. وورثة عثمان -أبناؤه الخمسة- أولى منك بالمطالبة بدمه. علاوة على ذلك، كنت أنت ممن خذل عثمان؛ فطلَبَ نصرتك [أثناء الحصار] فما نصرته حتى قُتل”. ولم يرد معاوية على هذه الرسالة، واستمر في تمرده وحشد قواته ضد الخليفة.
وقعة صفين (657م)
كانت وقعة صفين صراعاً محورياً وعنيفاً خلال الفتنة، دارت بين قوات الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان والي الشام.
الصراع: حشد معاوية جيشاً كبيراً من الموالين له في الشام وزحف لمواجهة قوات علي على ضفاف نهر الفرات “صفين”. نبعت المواجهة من رفض معاوية الاعتراف بعلي خليفةً حتى تتحقق العدالة لدم الخليفة السابق المقتول، عثمان بن عفان، الذي كان نسيباً لمعاوية.
الخسائر: كانت المعركة ضارية واستمرت لعدة أشهر شهدت مناوشات مستمرة، وتوجت بأيام قليلة من القتال العنيف. تختلف التقديرات حول إجمالي القتلى، لكن الروايات التاريخية تشير إلى مقتل عشرات الآلاف من الجانبين (حوالي 45,000 من طرف معاوية و25,000 من طرف علي، وفقاً لبعض التقارير)، مما جعلها واحدة من أكثر المواجهات دموية في ذلك العصر.
التساؤل حول دوافع وأفعال معاوية
يثير البعض تساؤلات حادة حول صدق اسلام معاوية وأفعاله:
- هل كان معاوية مؤمناً حقيقياً، وهل كان حقاً يثأر لعثمان؟ دوافع معاوية هي موضوع نقاش تاريخي ومذهبي مكثف. تشير بعض المصادر إلى أنه سعى بصدق للعدالة لدم عثمان، وهو ما كان من حقه -وفقاً للأعراف القبلية وحكم المحكمة خلال مرحلة التحكيم- بصفته ولي الدم. إلا أن الدكتور عدنان إبراهيم يجادل قائلاً: إذا كان معاوية صادقاً جداً بشأن دم عثمان، فلماذا لم يأتِ إلى المدينة، حيث وقعت الجريمة، ويرفع دعوى قضائية؟ ويرى أن الثأر لعثمان كان في المقام الأول استراتيجية سياسية لحشد الدعم، وتحدي شرعية علي، والحفاظ على قاعدة سلطته في الشام، والمطالبة بالخلافة لنفسه في نهاية المطاف.
- هل كان عشرات الآلاف من القتلى كافٍ كثأر لدم عثمان؟ لقد تجاوز حجم سفك الدماء في صفين بكثير مفهوم “العين بالعين” المتناسب مع مقتل فرد واحد، مما يشير إلى أن الصراع كان مدفوعاً باحتمالات أوسع فيها من الكراهية وتقذيم المبادئ القرآنية والصراع السياسي على السلطة. الواقع لا يدل على مجرد عمل ثأري شخصي أو مبرر ديني.
- هل الثأر مسموح به في الإسلام؟ يسمح الإسلام بالقصاص في حالات القتل الفردي، ولكن يجب أن يتم ذلك من خلال عملية قانونية عادلة تحت سلطة القضاء، وليس من خلال الانتقام الشخصي أو الحروب الشاملة. ويحث القرآن والأحاديث بشدة على العفو كخيار أخلاقي أسمى، وكان النبي محمد ﷺ معروفاً بعفوه عن الإساءات الشخصية. لذا، فإن قرار معاوية بشن حرب أدت لمقتل الآلاف، وبشكل خارج عن سياق قضائي شرعي، يعد نقطة انتقاد جوهرية من قبل العديد من العلماء.
التداعيات والتطورات اللاحقة
كانت النتيجة السلبية لرفض معاوية مبايعة الخليفة الشرعي وادعاء الثأر هي الفساد والفوضى والبلبة والحروب وفقدان الأرواح، وخلق الاحزاب، وأبرز هذه التداعيات هي موضوع هذا الكتاب وخلق الفساد. مثلا:
أ. التحكيم والخوارج:
لوقف الخسائر الهائلة في الأرواح، وافق علي على تسوية مسألة الثأر من خلال التحكيم. ومع ذلك، أثار هذا القرار تمرداً من فئة من مؤيديه، بحجة أن “لا حكم إلا لله” (ومن هنا جاء اسمهم “الخوارج”).
ب. مؤامرات الاغتيال:
يسجل التاريخ أن بعض الخوارج تآمروا لاغتيال القادة الرئيسيين في الحرب الأهلية. وقد نجح الخارجي عبد الرحمن بن ملجم في اغتيال علي عام 661م. أما محاولة اغتيال معاوية فقد قيل إنها أصابته فقط وتعافى من جراحه. إلا أن الدكتور سهيل زكار يرى أن معاوية اختلق هذه القصة لإخفاء مؤامرة محتملة لاغتيال علي -وفقاً لتحليله التاريخي-. فقد كان معاوية ينتهك القرآن باستمرار، ويثير الفتن، ويرفض المصالحة، واستخدم قصة الثأر لعثمان كغطاء لتقويض عهد علي، بل وتحالف مع البيزنطيين.
نقطة الدكتور زكار التاريخية هي جزء من فحصه النقدي للتاريخ الإسلامي المبكر، حيث يعتمد على السجلات العربية المبكرة لإظهار مناورات معاوية السياسية خلال صراعه مع علي. والمصدر الأساسي الذي يشير إليه الدكتور زكار ومؤرخون آخرون لهذا الادعاء هو عمل “البلاذري” (كتاب فتوح البلدان)، الذي سجل رواية تذكر أن معاوية سعى لعقد هدنة مع البيزنطيين خلال صراعه مع علي واوافق على دفع جزية سنوية لتأمين حدوده الشمالية بينما يتفرغ للحرب الأهلية داخلياً.
ج. سب علي:
تشير رواية تاريخية منتشرة، مؤكدة في العديد من المصادر السنية والشيعية، إلى أن معاوية سنّ سياسة رسمية للدولة بسب علي علناً خلال خطب الجمعة في جميع أنحاء الإمبراطورية. واستمرت هذه الممارسة خلال العصر الأموي لمدة ستين عاماً تقريباً حتى ألغاها الخليفة عمر بن عبد العزيز (717-720م). ورغم أن مؤيدي معاوية ينازعون في ذلك أو يقدمون تفسيرات بديلة، إلا أن الأدلة التاريخية من شخصيات مثل الطبري وصاحب الصحيح مسلم بن الحجاج تشير إلى حقيقة هذه الممارسة.
هذه الانكسارات (أو التصدعات) داخل الأمة هي نتيجة عدم التزام معاوية بأوامر الله، وأهمها ‘الشهادة لله’. وبدلاً من ذلك، قام بتوظيفها كصيغة للانتقام والعصبية، وتلا ذلك سفك الدماء وإخراس الحق عبر قتل أهله وحامليه.
الإمام الحسن يصبح الخليفة الخامس (661م)
عقب اغتيال الإمام علي بن أبي طالب عام 661م، اعتُرف بابنه الأكبر الحسن بن علي كخليفة تالٍ في الكوفة (عاصمة خلافة علي) وفي معظم أرجاء العالم الإسلامي، مما جعله الخليفة الراشد الخامس وفقاً للعديد من التقاليد الإسلامية.
معارضة معاوية للحسن:
جاءت المعارضة الكبيرة الوحيدة من معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يسيطر على الشام ويعتبر نفسه خليفة منافساً. وحشد معاوية قواته لمواجهة جديدة مع الحسن.
اتفاقية المصالحة:
بدلاً من الدخول في حرب أهلية جديدة من شأنها تمزيق المجتمع الإسلامي وتؤدي لسفك دماء هائل، اتبع الإمام الحسن المسار القرآني في المصالحة والسلام. وبعد دراسة عسكرية أولية، دخل الحسن في مفاوضات مع معاوية.
شروط الاتفاق (صلح الحسن ومعاوية): وقع القائدان معاهدة سلام تاريخية، عُرفت بـ “عام الجماعة”. وكانت الشروط الأساسية لهذا الاتفاق هي:
- التنازل: يتنازل الإمام الحسن عن الخلافة لمعاوية، الذي يتولى القيادة الوحيدة للدولة الإسلامية.
- الخلافة: عند وفاة معاوية، تعود الخلافة للإمام الحسن، أو إذا كان الحسن قد توفي، يكون للمجتمع الإسلامي (الأمة) الحرية في اختيار الخليفة القادم ديمقراطياً [عبر الشورى]، مما يمنع معاوية من تأسيس سلالة وراثية.
- وقف السب: وافق معاوية على وقف سياسة سب الإمام علي في خطب الجمعة.
- العفو: منح أتباع الحسن عفواً كاملاً.
وفاة الإمام الحسن (670م)
سُمِّم الإمام الحسن بن علي عام 670م (50هـ) في المدينة المنورة. وقد ذكرت المصادر التاريخية -الشيعية منها والعديد من مؤرخي السنة الأوائل- أن زوجته جعدة بنت الأشعث هي من دبرت له السم بإيعاز من معاوية.
الدافع السياسي ومخالفة القرآن:
أزال تسميم الحسن عقبة محتملة أمام خطة معاوية طويلة المدى، والتي تضمنت تأسيس خلافة وراثية وتعيين ابنه يزيد خليفة له، وهو ما يعد مخالفة مباشرة للهدي القرآن في صون النفس البشرية من القتل ولشروط المعاهدة، وكان تلك المخالفات لا تنزن عنده بشيء.
تعيين يزيد
قام معاوية بتعيين ابنه يزيد لقيادة الأمة (676-680م). وفي خطوة غيّرت طبيعة القيادة الإسلامية جوهرياً من خلافة قائمة على الإجماع إلى ملكية، انتهك معاوية معاهدته مع الحسن والقانون الإسلامي.
انتهاك الاتفاق:
عمل معاوية بنشاط لتأمين بيعة ابنه يزيد خلال حياته، وهي عملية اكتملت قبل وفاته بضع سنوات. وأدت هذه الخطوة فعلياً إلى إلغاء البند الثاني من المعاهدة، الذي كان يحفظ حق الخلافة للحسن أو لشورى الأمة. معارضة الشخصيات البارزة: عارض عدد من الصحابة وأبنائهم البارزين هذا التعيين بشدة، ومنهم الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر. وجادلوا بأن الخلافة لا ينبغي أن تكون ملكية وراثية، بل منصباً يختاره ممثلو المجتمع.
المناورة والقوة: استخدم معاوية المناورات السياسية والتهديدات والقوة
لتأمين البيعة ليزيد. وعندما واجه مقاومة في مكة والمدينة، تُشير المصادر التاريخية (مثل تاريخ الطبري، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وكتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة) إلى أن معاوية بن أبي سفيان استخدم مزيجاً من “الدهاء السياسي” و”القوة الخشنة” لفرض بيعة ابنه يزيد. تذكر الروايات أنه هدد بعض المعارضين بالقتل وفرض إعلان البيعة علناً، بل ونشر معلومات مضللة تَدَّعي أن جميع الشخصيات البارزة قد وافقت على حكم يزيد.
أبرز الروايات التي تتحدث عن التهديد والتضليل في هذا السياق:
- رحلة معاوية إلى المدينة (رواية التهديد بالقتل)
تذكر الروايات أنه عندما استعصى عليه أخذ البيعة من الأقطاب الأربعة (الحسين بن علي، عبد الله بن الزبير، عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر)، سافر معاوية بنفسه إلى المدينة ومعه قوة عسكرية.
- الخديعة: استدعى كل واحد منهم على حدة وأظهر لهم اللين، لكنه في اليوم التالي، جمعهم في المسجد وأمر جنده أن يقف كل جندي فوق رأس واحد منهم ومعه سيفه، وقال للجند: “من تكلم منهم بردٍّ أو قبول، فاضربوا رأسه بالسيف”.
- المعلومات المضللة: ثم صعد المنبر وأعلن للناس أن هؤلاء الأربعة قد بايعوا ورضوا، فلم يجرؤ أحد منهم على التكذيب خوفاً من القتل، فبايع أهل المدينة بناءً على هذا الإيهام والتضليل.
-
رواية “البيعة أو السيف” في المسجد
يروي بعض المؤرخين أن معاوية خطب في أهل المدينة قائلاً: “إني قد بايعتُ ليزيد، فبايعوا”. فلما رأى التلكؤ، أمر شرطته بالوقوف على رؤوس المعارضين. وعندما سأل الناسُ المعارضين (مثل ابن عمر أو ابن الزبير) لاحقاً: “أبايعتم؟”، كانوا يسكتون، فظن الناس أنهم بايعوا فعلاً.
-
دور مروان بن الحكم في المدينة
كان مروان بن الحكم (والي معاوية) هو الأداة التنفيذية في المدينة. تذكر الروايات أن معاوية أرسل إليه يطلب منه أخذ البيعة “قسراً”، واستخدم مروان لغة التهديد والوعيد ضد بني هاشم وغيرهم، وصور الأمر على أنه “سنة أبي بكر وعمر” في العهد لمن بعدهم، فرد عليه عبد الرحمن بن أبي بكر بقوله الشهير: “بل هي سُنّة كسرى وقيصر”، في إشارة إلى تحويل الخلافة لملك وراثي.
تفرض اعمال معاوية واعوانه ان تشهد الناس لهم ولظلمهم وان لا تكون الشهادة لله.
-
التضليل الإعلامي عبر “القُصّاص”
استخدمت الدولة الأموية “القُصّاص” (الذين يخطبون في المساجد) لنشر فكرة أن بيعة يزيد هي صمام الأمان لوحدة الأمة، وأن المعارضين هم “دعاة فتنة”. تم تصوير معارضة الحسين وابن الزبير على أنها “خروج عن الجماعة”، وهي التهمة التي استُخدمت لاحقاً لتبرير قتالهم.
-
استخدام المال “المؤلفة قلوبهم”
إلى جانب التهديد، استخدم معاوية سياسة “الإغراء المالي” لتضليل الرأي العام. فقد دفع مبالغ طائلة لزعماء القبائل في الكوفة والبصرة ليُظهروا أن أقاليمهم موافقة بالإجماع على يزيد، مما أوهم بقية المسلمين أن المعارضة محصورة في أفراد قلائل في الحجاز.
القسم الثالث
سلطة “الوضع” وصناعة الخلاف وقتل العلم: قراءة في تاريخ الافتراق
شرح المصطلحات المستخدمة لهذا القِسم:
- (سلطة الوضع): تشير كلمة “الوضع” هنا إلى اختلاق الأحاديث النبوية واستخدمت كلمة “سلطة” لبيان كيف استُخدم هذا الفعل كأداة سلطوية.
- (صناعة الخلاف): تعبير دقيق لبيان أن الخلاف لم يكن طبيعياً بل كان “مصنوعاً” أو “مُفتعلاً” لأغراض سياسية.
- (الافتراق): الكلمة الأدق في السياق الديني والتاريخي لوصف الانقسام أو التفرق إلى طوائف ومذاهب (مثل الانقسام الكبير أو افتراق الأمة).
- (قتل العلم) : العلم كعائق أمام التسلط غالبًا ما يمثل حاملو العلم والمفكرون صوتًا مستقلًا يمكن أن يشكك في السلطة ويتحدى الظلم. ولذلك، قد يتم استهدافهم من قبل من يسعون للحكم المطلق للقضاء على أي معارضة فكرية أو أخلاقية يمكن أن تهدد سيطرتهم. الامثلة كثيرة جدا كمقتل علي بن ابي طالب، الحسين بن علي، وعمر بن الخطاب، واهل بدر وغيرهم من المهاجرين والانصار والذي بغيابهم غابت معاني القران العليا وحل بدلا عنها استحلال الدماء واشغال الامة بالَلغْو. وهذا ما يعيق التطور الفكري والعلمي ويجعل المجتمع عرضة للتخلف والركود.
سخط الأمة:
كان المجتمع الإسلامي، لا سيما في مراكز مثل المدينة ومكة، ساخطاً بشكل جوهري على خرق المبادئ القرآنية وتعيين يزيد.
- الديكتاتورية: رأى النقاد(انظر ادناه) في التعيين الوراثي تحويلاً للخلافة إلى “ملك” عضوض أو ديكتاتورية، وهو انحراف صارخ عن سوابق الخلفاء الأربعة الأوائل.
- شخصية يزيد: كان يزيد شخصية مثيرة للجدل، عُرف بنمط حياته الدنيوي، واتُهم بالفساد، كما ذُكر انشغاله بالصيد ومجالسة القينات، مما جعله غير مرغوب بتاتاً لدى المسلمين الأتقياء الذين توقعوا من قائدهم أن يكون نموذجاً للأخلاق الإسلامية والورع. وتوج هذا السخط لاحقاً بمأساة كربلاء بعد وفاة معاوية عام 680م. من هؤلاء اكابر القوم: عبد الله بن الزبير بن العوام، الحسين بن علي بن أبي طالب، عبد الله بن حنظلة، عبد الرحمن بن أبي بكر، والمنذر بن الزبير.
تجمع المصادر التاريخية (مثل تاريخ الطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، ومروج الذهب للمسعودي) على أن الوقائع الارضية عن يزيد هي التي أدت إلى خلع أهل المدينة للطاعة ووقوع الصدامات الدامية في عهده.
مصادر آخرى:
معاوية في الويكيبيديا، يزيد في الويكيبيديا
مأساة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين
أصبح الإمام الحسين بن علي، الابن الأصغر للإمام علي والحفيد المحبوب للنبي محمد ﷺ، الشخصية المركزية في المعارضة ضد الدولة الأموية بعد وفاة أخيه الحسن. آمن الحسين بأن على الأمة أن تختار قائدها بدلاً من الخضوع للحكم الوراثي. وعندما تولى يزيد السلطة عام 680م، رفض الحسين مبايعته.
- دعوة أهل الكوفة: أرسل أهل الكوفة في العراق -العاصمة السابقة لخلافة الإمام علي- رسائل عديدة إلى الحسين، متعهدين بدعمه وداعين إياه لقيادتهم كإمام وخليفة شرعي لهم.
- مسلم بن عقيل الهاشمي: كان مسلم بن عقيل ابن عم الإمام الحسين ومبعوثه الموثوق، الذي أرسله الحسين إلى الكوفة لتقييم الوضع السياسي وصدق دعوات الكوفيين.
- دوره في الكوفة: أكد مسلم بن عقيل وجود الدعم، وبايعه الآلاف نيابة عن الحسين فور وصوله.
- الخيانة واستشهاد مسلم: استبدل يزيد والي الكوفة آنذاك، النعمان بن بشير، بعبيد الله بن زياد القاسي لقمع الحركة. ومن خلال التهديدات والرشاوي والمناورات، دفع ابن زياد أهل الكوفة للتخلي عن مسلم بن عقيل، الذي تُرك وحيداً في النهاية، ثم قُبض عليه وأُعدم في 10 سبتمبر 680م (9 ذي الحجة 60 هـ).
- الإرث: تمكن مسلم قبل إعدامه من إرسال رسالة أخيرة للحسين يحذره فيها من القدوم إلى الكوفة لأن أهلها غدروا به. ويُبجل مسلم في الإسلام الشيعي باعتباره “أول شهداء كربلاء” لشجاعته وتضحيته وشهادته لله لا للحكم.
الرحلة إلى الكوفة: انطلق الحسين إلى الكوفة مع حوالي 72 إلى 75 من أفراد عائلته وأنصاره المخلصين (بما في ذلك النساء والأطفال).
المذبحة في كربلاء
بعد أن استبدل يزيد والي الكوفة بعبيد الله بن زياد، أرسل الأخير جيشاً لاعتراض ركب الحسين.
- خيانة الكوفيين: تخلى أنصار الكوفة عن وعودهم للحسين بعد مواجهة تهديدات الوالي الجديد، ولم يتحقق الدعم الموعود.
- الحصار والاستشهاد: حاصر جيش يزيد الحسين وأصحابه في كربلاء، وهي أرض صحراوية في العراق. قُطعت عنهم المياه من نهر الفرات لمدة ثلاثة أيام. وفي اليوم العاشر من محرم، المعروف بـ “عاشوراء” (10 أكتوبر 680م)، خُيّر الحسين بين مبايعة يزيد أو الموت، فرفض. ارتكب الجيش مجزرة بحق أصحاب الحسين، قُتل الرجال وسُبي النساء والأطفال إلى دمشق. قُطِع رأس الحسين وأُرسل إلى يزيد، وداس الخيول جسده في مشهد يعكس شدة الحقد.
مذبحة خيبر في الويكيبيديا
الإرث والانقسام
تُعد مذبحة كربلاء حلقة محورية في التاريخ الإسلامي المبكر.
- لحظة فاصلة: وصف الدكتور خالد أبو الفضل هذا الحدث بأنه “القشة التي قصمت ظهر البعير”، حيث رسخت الشقاق الذي قسم المسلمين إلى سنتهم وشيعتهم.
- رمز للمقاومة: بالنسبة لكل من الشيعة والسنة، ترمز كربلاء إلى الحق في مواجهة الباطل: الشهادة لله والمقاومة ضد الطغيان، والتضحية من أجل العدالة والمبادئ السامية للقرآن. وقد حددت الهوية الشيعية، مؤكدة على مكانة آل بيت النبي الأخلاقية في مقابل الدولة الأموية.
ذكر الدكتور خالد أبو الفضل أن التشيع تبلور ككيان مستقل بعد مذبحة كربلاء. وعلى مدى 300 عام تلت تلك المذبحة، تعمق الانقسام السني الشيعي، وتم تسييس الفكر الديني وإفساده. ورغم الاختلافات في الفقه، ظلت أساسيات العقيدة الإسلامية كما هي لدى الطرفين.
المواقف غير المبررة والفساد الفكري
استغلت السلطة السياسية المتعصبين الذين وضعوا أحاديث منسوبة للنبي ﷺ لخدمة أجنداتهم بعيدا عن الشهادة لله. لقد انتهك معاوية وابنه يزيد توجيهات القرآن، وأدت أفعالهما المدفوعة بالحقد إلى تقسيم المجتمع ليس على البر والتقوى، وساهمت عملياً في نشأة المذهب الشيعي ككيان سياسي وديني مضاد، وأسفرت عن قتل الكثيرين بسبب معتقداتهم. وتشير المصادر التاريخية إلى أن السلطات الأموية تعمدت التخلص من أئمة آل البيت بالتسميم، ولم يتم التحقيق والاستجواب في هذه السلسلة الإجرامية، مما أجج العداء وعمق الانقسام.
اضطهاد موالي علي في العهد الأموي:
خلال عهد معاوية وما تلاه من العصر الأموي، تعرض الموالون لعلي بن أبي طالب للاضطهاد الممنهج والسجن والإعدام. استُهدف هؤلاء بسبب معتقداتهم الدينية والسياسية، ولاستمرارهم في رواية الأحاديث النبوية التي تبرز الهدي القرآني وفضائل علي.
الصحابة والشخصيات المستهدفة – ملاحقات جنائية حكومية علنية
من بين الذين تم إسكاتهم أو تعذيبهم أو قتلهم على يد الأمويين، كان هناك العديد من صحابة النبي محمد ﷺ المبجلين؛ وذلك بسبب اعتراضاتهم على التجاوزات الاسلامية والمناورات السياسية الظالمة للأمويين:
حُجر بن عدي وأصحابه الاثني عشر: قام “زياد”، والي معاوية على الكوفة، باعتقال حُجر بن عدي واثني عشر من أصحابه وأرسلهم إلى معاوية في الشام لإعدامهم، وذلك لثلاثة أسباب: 1) رفضهم سبَّ علي، 2) اعتراضهم على تأخير صلاة الجمعة، 3) الوشاية من قِبل بعض المحيطين بزياد ممن كانوا يبغضون حُجر بن عدي. حيث حرض الوشاةُ زياداً ضده، وصوروا له الأمر على أنه تمرد مسلح يهدد حكمه.
عبد الرحمن بن حسان العنزي: قام معاوية بإرسال عبد الرحمن بن حسان العنزي، وهو أحد أصحاب حُجر بن عدي، إلى زياد ليقتله بأبشع طريقة ممكنة؛ فقام زياد بدفنه حياً. كان معاوية وزياد يهدفان من وراء ذلك إلى استخدام أساليب الترهيب لفرض الطاعة السياسية وقمع فضائل علي و الاعتراض على سبّه علانية.
عمرو بن الحمق الخزاعي: مؤمن تقي ومن أصحاب علي. طاردته قوات معاوية حتى تم القبض عليه وقتله، ليصبح من أوائل شهداء تلك الملاحقات والاضطهادات.
ميثم التمار: كان تلميذاً مقرباً لعلي، وممن رووا أحاديثه وتعاليمه. اعتقلته قوات عبيد الله بن زياد في الكوفة، وبعد رفضه سبّ علي، صُلب وقُطع لسانه لضمان عدم نقله لأحاديث علي وعلمه؛ حيث عُرف علي بأنه “باب مدينة العلم،” .
رشيد الهجري: صحابي آخر من أصحاب النبي محمد ﷺ، أُعدم بقطع يديه ورجليه بعد أن رفض التبرؤ من علي. وهذا العمل ما هو الا امر بيلغ بالشاهدة للسلطة من دون الله.
عبد الله بن يحيى الحضرمي: قُتل مع أتباعه في حملة قمعية أمر بها معاوية.
بعد معاهدة الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية، والتي تضمنت شرطاً بوقف اضطهاد أتباع علي، استمر عبد الله بن يحيى في الثناء على علي ورثائه. أبلغ زياد بن أبيه، والي معاوية على العراق، معاوية بهذا السلوك. معاوية، الذي كان يهدف إلى فرض التوحيد السياسي وإسكات المعارضة، أصدر أوامر لزياد بقتل عبد الله بن يحيى ورفاقه. أدان الإمام الحسن لاحقاً هذا الإعدام في رسالة لاذعة وجهها إلى معاوية، مشيراً إلى أنه يمثل خرقاً صريحاً لمعاهدة السلام المبرمة بينهما.
مالك الأشتر: قائد عسكري بارز وأحد أشد الداعمين لعلي. تشير الروايات إلى أنه سُمم من قِبل عميل لمعاوية باستخدام العسل وهو في طريقه لتسلم ولاية مصر.
محمد بن أبي بكر: ابن الخليفة الأول وتابع مخلص لعلي، عمل والياً له على مصر. قتله معاوية بن حديج في عام 658 م، وتشير الروايات إلى أنه أحرق جثته.
محمد بن أبي بكر: ساند علي بن أبي طالب وعمل والياً له على مصر. قتله معاوية بن حديج، وهو قائد تحت إمرة عمرو بن العاص، خلال حملة معاوية للسيطرة على مصر عام 658 م (38 هـ)، قبل أن يصبح معاوية الحاكم الوحيد.
- النهاية: هزمت قوات عمرو بن العاص، التي قادت جيش معاوية، محمد بن أبي بكر. ثم قام الجندي معاوية بن حديج بأسره، وبدافع الحقد، قتله حديج وأحرق جثته داخل جيفة حمار ميت.
- دور معاوية: نُفذت عملية القتل خلال حملة عسكرية أمر بها معاوية بن أبي سفيان، الذي سعى للاستيلاء على مصر وتصفية أنصار علي، وإن كان القاتل المباشر هو معاوية بن حديج، القائد في جيش معاوية. انظر معاوية في الميزان للدكتور عدنان ابراهيم.
عمار بن ياسر: صحابي جليل طاعن في السن، قُتل في “وقعة صفين” وهو يقاتل في صفوف علي ضد قوات معاوية. كانت لوفاته أهمية بالغة بسبب النبوءة النبوية الشهيرة التي أعلن فيها النبي محمد ﷺ أن عماراً ستقتله “الفئة الباغية”.
أبو ذر الغفاري: رغم أنه لم يُعدم على يد معاوية، إلا أن أبا ذر نُفي إلى واحة “الربذة” الصحراوية من قِبل الخليفة عثمان بناءً على طلب معاوية (بسبب انتقاداته العلنية لتراكم الثروات وتصرفات عثمان ومعاوية غير الأخلاقية)، حيث مات هناك وحيداً في عزلة.
كميل بن زياد: كان تابعاً مخلصاً للإمام علي، وشارك في معارك محورية منها وقعة صفين. وعند مواجهته، رفض كميل التخلي عن ولائه لعلي؛ فأمر الحجاج بن يوسف الثقفي بإعدامه في حوالي عام 714 م (95 هـ)، ليكون واحداً من العديد من أصحاب علي المخلصين الذين قامت السلطات الأموية بإسكاتهم أو قتلهم بشكل منهجي.
https://www.google.com/viewer/place?mid=/m/04721j&sa=X&ved=2ahUKEwjRnu7Aqt-QAxWyIkQIHe2jFxUQ3egRegYIAQgEEAs
حملات القمع والمجازر تحت الحكم الأموي
لم يقتصر الاضطهاد على الإعدامات الفردية، بل امتد ليشمل حملات عسكرية واسعة ومجازر جماعية:
حملة بُسر بن أبي أرطأة: أرسل معاويةُ بُسراً في حملة وحشية عبر الجزيرة العربية لفرض البيعة بالقوة. أعدم بُسر عدداً من الأعيان في نجران، وارتكب مجازر بحق العديد من أبناء القبائل وأهل المدن، بما في ذلك ذبح الطفلين الصغيرين لعبد الله بن عباس في اليمن، في تحدٍ سافر لأوامر الله بحفظ النفس البشرية.
وقعة الحرة وحصار مكة:
في عام 683م، استباح جيش يزيد مدينة المدينة المنورة بوحشية بعد رفض اهلها تتويج يزيد. ثم توجه الجيش لمحاصرة مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق. تُجمع المصادر التاريخية (مثل تاريخ الطبري والبداية والنهاية لابن كثير) على أن هذه الأحداث تسببت في فقدان جيل كامل من حملة العلم والقرآن. نقل ابن كثير وغيره أن واقعة الحرة شهدت مقتل من تبقى من البدريين الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة في المدينة.
- القتلى في وقعة الحرة (المدينة المنورة)
اجتاح جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة المدينة، وتشير الروايات إلى مقتل مئات من “القراء” (حفظة القرآن والعلماء) وعشرات الصحابة. من أبرز من قُتلوا:
- عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: المعروف بـ “ابن غسيل الملائكة”، وكان قائد أهل المدينة في تلك الواقعة.
- معقل بن سنان الأشجعي: صحابي كان يحمل لواء النبي يوم فتح مكة يوم فتح مكة، أُعدم صبراً بعد المعركة.
- عبد الله بن زيد بن عاصم: الصحابي الذي روى صفة وضوء النبي ﷺ وقاتل مسيلمة الكذاب.
- مسور بن مخرمة الزهري: صحابي وعالم، يُذكر في بعض الروايات أنه أُصيب بحجر المنجنيق في مكة لاحقاً، وفي روايات أخرى قُتل في أحداث الحرة.
- عدد كبير من البدريين: تُشير بعض المصادر إلى أنه لم يبقَ أحد من أهل بدر بعد هذه الواقعة ممن كان حياً حينها.
- القتلى في حصار مكة الأول
بعد استباحة المدينة، توجه الجيش الأموي لمحاصرة عبد الله بن الزبير في مكة، حيث ضُربت الكعبة بالمنجنيق واحترقت.
- علماء وقراء مكة: قُتل عدد من المدافعين عن الحرم، لكن عدد المشاهير من العلماء الذين قُتلوا في حصار مكة الأول أقل بكثير مقارنة بمذبحة الحرة في المدينة.
- عبد الله بن مطيع العدوي: كان أحد القادة الفارين من الحرة إلى مكة، وقُتل لاحقاً في الحصار الثاني (692م) على يد الحجاج.
مقتل هذه الاعداد من حملة العلم هو عمل تدميري غير انساني ورجعي لحساب التملك.
الاضطهاد العام: مارس معاوية اضطهاداً نشطاً ضد أتباع علي، حيث أمر بشطب أسمائهم من ديوان العطاء (الرواتب الحكومية)، وأطلق يد الولاة في قمعهم، مما أدى إلى معاناة واسعة واستشهاد الكثيرين.
الاغتيالات والوفيات المشبوهة
ثارت الشكوك حول تورط الأمويين في وفاة عدة شخصيات محورية كانت تشكل تحديات سياسية، ومنها:
الحسن بن علي: سبط النبي محمد ﷺ والخليفة الخامس. تشير الروايات التاريخية إلى أنه سُمم في عام 670م؛ وتنسب العديد من المصادر هذا الفعل إلى معاوية، الذي كان يرى في الحسن منافساً لابنه يزيد في خلافته.
الحسين بن علي ومذبحة كربلاء: أمر يزيد (680م) قواته بارتكاب مجزرة كربلاء. حيث قُتل الحسين وعائلته و72 من أصحابه، ومُثل بجثثهم في كربلاء بعد أن استدعاه أهل الكوفة ثم خذلوه لاحقاً.
وقعة الحرة وحصار مكة: في عام 683م، استباح جيش يزيد مدينة المدينة المنورة بوحشية بعد تمرد سكانها. ثم توجه الجيش لمحاصرة مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق.
عبد الله بن يقطر: أسر عبيد الله بن زياد، والي الكوفة، رسول الإمام الحسين، عبد الله بن يقطر، في الكوفة. وبعد أن رفض سبّ علي والحسين، أُلقي به من أعلى القصر ثم ذُبح على الأرض، مما أظهر عمق الحقد الاموي.
علي بن الحسين (زين العابدين): قام أحد حكام بني أمية المتأخرين، وهو هشام بن عبد الملك، بقتل زين العابدين بالسم.
أبو أيوب الأنصاري: وفقاً لعدة مصادر دخل أبو أيوب الأنصاري على معاوية، فجلس على سريره وبدأ يتحدث معه. سأله معاوية: “من قتل صاحب الفرس الأبلق في يوم كذا وكذا؟” فأجاب أبو أيوب: “أنا، وحينها كنت أنت وأبوك على جمل أحمر تحملان الراية الحمراء تقاتلوننا”. غضب معاوية، فقال له أبو أيوب: “لا يظلنا سقف واحد أبداً”. فطلب معاوية من ابنه يزيد أن يرسل أبا أيوب مع الجيش لقتال الروم، قائلاً: “ذلك أخفى” (أي أن قتله هناك سيكون مستوراً). وبالفعل، أرسل يزيد أبا أيوب مع الجيش، وهناك مات في ظروف غامضة.
من المصادر لهذه القصة: الإمامة والسياسة (المعروف بتاريخ الخلفاء) – المنسوب لابن قتيبة الدينوري، مروج الذهب ومعادن الجوهر – للمسعودي، شرح نهج البلاغة – لابن أبي الحديد المعتزلي، وآخرين.
ايضا، انظر ما قاله الصحابة عن معاوية، للدكتور عدنان ابراهيم.
عمر بن عبد العزيز: تشير التقارير إلى أن الأمويين سمّموا واحداً منهم، وهو الخليفة الأموي الورع عمر بن عبد العزيز، لإنهاء ممارسة سبّ علي وإعادة الممتلكات المصادرة بشكل غير قانوني.
عبد الرحمن بن أبي بكر: عارض عبد الرحمن طموحات معاوية السياسية، وخاصة تعيين ابنه يزيد خلفاً له، محتجاً على الملكية الوراثية. وفي ظروف مثيرة للريبة، توفي عبد الرحمن بن أبي بكر. رغم أن الكثير من المصادر التقليدية تكتفي بذكر أنه “مات فجأة”، إلا أن باحثين ونقاداً تاريخيين (مثل حسن فرحان المالكي في قراءته للتاريخ الأموي) يشيرون إلى أن “موت الفجأة” تكرر بشكل مريب مع معارضي معاوية (مثل مالك الأشتر والحسن بن علي). ويُعتقد في بعض القراءات النقدية أن التخلص منه كان ضرورة سياسية لتمرير بيعة يزيد التي تمت فعلياً بعد وفاته ووفاة الشخصيات الكبيرة المعارضة.
عائشة بنت أبي بكر: تُعد وفاة زوجة النبي محمد ﷺ، إثر سقوطها في بئر، حالة وفاة أخرى مشبوهة. (انظر: معاوية تحت المجهر، وحجر بن عدي | ويكيبيديا).
الجزء الثالث
إرث معاوية
تأسيس الدولة الأموية وأثرها المثير للجدل
انتهى تمرد معاوية باعتلائه العرش كأول خلفاء الدولة الأموية (661-680 م). ويرى باحثون أن الثمن الذي دُفع مقابل صعوده للسلطة كان “إفساد الأمة”: حيث انتشرت الانقسامات، والحروب الأهلية، وفقدان الأرواح، والمؤامرات، والاغتيالات؛ وكلها أمور تخالف صريح القرآن.
خدعة الثأر: التساؤل حول نوايا معاوية
زعم معاوية أن علياً لم يثأر لاغتيال الخليفة الثالث، عثمان بن عفان. ويعتبر العلماء والمؤرخون على نطاق واسع أن مطالبة معاوية بالثأر للخليفة المقتول عثمان كانت مجرد “خدعة” لتعزيز سلطته الخاصة. ولا يزال الشك قائماً حول نواياه الحقيقية من وراء التمرد.
ويرى الباحث العصري جمال البنا (شقيق مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا) أن غرض معاوية الحقيقي كان الاستيلاء الصريح على السلطة: أي انتزاع القيادة وإعادة تأسيس المكانة المرموقة التي كان يتمتع بها في مكة إبان الفترة التي عارض فيها النبي محمد ﷺ.
ووفقاً للدكتور عدنان إبراهيم، فإنه حتى بعد أن أصبح معاوية خليفة (661-680م)، رفض تقديم قتلة عثمان للعدالة. علاوة على ذلك، قام بتعيين ابنه يزيد خليفةً من بعده، وهي خطوة أسست للنظام الملكي وانحرفت جوهرياً عن سابقة “الشورى” (النظام التشاوري الانتخابي) التي سار عليها الخلفاء الراشدون الأربعة الأوائل. وقد أدى هذا الفعل إلى مزيد من التدهور في وحدة المجتمع الإسلامي.
تأسيس الملكية: الانحراف عن السابقة الإسلامية
إن تأسيس الملكية من قبل معاوية أرسى سابقة استمرت في الشرق الأوسط لقرون، وأثرت بعمق على الفكر الديني والمذهبي الإسلامي، مما أدى إلى استمرار الشقاق والعداء وقتل الانفس حتى يومنا هذا. هذا ما يؤكده العديد من العلماء التقليديين والمحدثين العصريين، وبالاخص ممن ادعوه معجزة هذا العصر المفكر الباحث المؤرخ لتاريخ الفكر والمحقق للاحداث التاريخية الاسلامية الشيخ الفاضل حسن فرحان المالكي، فك الله اسره، أن أفعال واعمال معاوية بن ابي سفين كانت ولم تزل معنا هي عاملاً رئيسياً في انحدار الامة الإسلامية.
ومن الشخصيات البارزة التي تتبنى هذا الرأي مفتي سوريا الراحل الدكتور أحمد كفتارو، والدكتور أحمد الكبيسي، والدكتور عدنان إبراهيم، وجمال البنا. وقد لاحظ جمال البنا أن “العالم الإسلامي يعيش في معاناة منذ 1400 عام، ويعود ذلك بمجمله إلى الملكية المستبدة التي بدأها معاوية”. وجادل الدكتور الكبيسي بأن سقوط المسلمين بدأ مع معاوية، مؤكداً أنه لا ينبغي اعتبار معاوية من “خيار الصحابة” لأنه لم يتبع نهج المسلمين الأوائل (المهاجرين والأنصار) في “الإحسان” كما وصفهم القرآن الكريم (سورة التوبة: 100). وصرح الدكتور أحمد كفتارو قائلاً: “لو اتبع الأمويون نهج صحابة النبي ﷺ، لكان حال الإسلام والمسلمين أفضل بكثير منه اليوم على الساحة العالمية”.
ومن خيار الاعلام الاسلامية الحديثة التي اكدت انحراف معاوية عن نهج الاسلام واللتفاف عن نهج القرآن الدكتور سهيل زكار، المدرس للتاريخ الإسلامي بجامعة دمشق لمدة ٤٧ عام والمتخصص في الطوائف الإسلامية وتاريخ الإمبراطورية الرومانية. والسيد محمد رشيد رضا،و شيخ العصر محمد الغزالى، والدكتور مصطفى محمود وغيرهم الكثير ممن لم يسعفني اطلاعي الضيق على كتبهم وما قدموه للامة لانقاظها ولانارة طريقها.
مسألة الثأر لاغتيال عثمان غير المحسوم
سلط الدكتور عدنان إبراهيم الضوء على أن مسألة “الثأر لعثمان” كانت مسؤولية أبناء عثمان الخمسة. ومع ذلك، حتى هم لم يتمكنوا من الثأر لأن القتلة لم يتم تحديدهم بشكل قاطع. فقد دخل المتمردون منزل عثمان من جهة مجاورة أثناء الهجوم على حرسه، وقتلوه وفروا من مكان الحادث قبل التحقق من هويات القتلة. وصرح الدكتور إبراهيم: “لم يكن هناك قاتل (أو قتلة) محددون”. وتساءل الدكتور إبراهيم أيضاً: لماذا لم يأتِ معاوية إلى المدينة، حيث وقعت جريمة القتل، ويرفع دعوى قضائية؟ وبدلاً من ذلك، أصر على إثارة الفتنة، وكذب على أهل الشام زاعماً أن علياً هو قاتل عثمان، وحشدهم ضد علي في الشام والعراق.
الجزء الثالث
التلاعب السياسي بأدبيات الحديث
السياسة الأموية
الاضطهاد الممنهج وإعدام رواة أحاديث علي
خلال العصر الأموي، وتحديداً في عهد معاوية وخلفائه، كانت هناك سياسة ممنهجة لاضطهاد وإسكات، بل وإعدام رواة الحديث وأنصار علي بن أبي طالب.
إسكات إرث علي
أصدر معاوية أوامر إلى ولاة الأمصار تقضي برفع الحماية عن دماء وأموال كل من يروي شيئاً في فضائل علي وأهل بيته.
على سبيل المثال، لا يحتوي كتاب “موطأ مالك” -وهو مرجع المدرسة المالكية- على حديث واحد مروي عن الإمام علي. ويربط الباحثون النقديون هذا الإغفال لعلم علي وتجربته الحياتية مع النبي بالمناورات السياسية والفساد في عهد معاوية. إن مثل هذا التلاعب والسيطرة أدى إلى تزييف المعلومات والأدلة، مما أوقع الناس في حيرة وتخبط.
كما أن “صحيح البخاري”، الذي يُنظر إليه غالباً كأهم مرجع لمجموعات الحديث السنية، لا يحتوي إلا على حوالي خمسة وعشرين حديثاً عن النبي محمد ﷺ من رواية الإمام علي. ويتساءل الدكتور عدنان إبراهيم: كيف يمكن لهذه الأحاديث القليلة أن تمثل بدقة الخبرة الغنية والعلم الوافر الذي استقاه الإمام علي من النبي محمد ﷺ؟ https://youtu.be/WsTVJ5NAM_0?si=rqjiN9l4tiwx2yce
Ali and Islamic sciences – Wikipedia.
لقد خلق هذا الاضطهاد الممنهج بيئة من الخوف أثرت بشكل كبير على نقل الأحاديث وحفظها، خاصة تلك التي تبرز مكانة علي وفضائله خلال العصر الأموي. فقد كان الرواية المكثفة عن علي تنطوي على مخاطرة سياسية، مما دفع بعض جامعي الحديث إلى إغفال هذه الروايات تجنباً للاضطهاد أو تقرباً من السلطات.
سياسة السب الحكومي لعلي وتغيير معايير المجتمع
أدت سياسة الدولة المتمثلة في سب علي علناً من فوق المنابر خلال خطب الجمعة -والتي فرضها معاوية بسياساته المدفوعة بالكراهية- إلى ظهور “النواصب” (مبغضي علي وأهل البيت). واستمرت هذه السياسات لمدة 60 عاماً تقريباً، حتى ألغى الخليفة عمر بن عبد العزيز ممارسة السب.
الروايات المضادة: شجع معاوية بنشاط على وضع (اختلاق) أحاديث تمدح صحابة آخرين أو تنسب خصائص سلبية إلى علي، وذلك لمواجهة الأحاديث الصحيحة الموجودة حول فضائله.
القبول الانتقائي للحديث: أثر هذا المناخ على تجميع الحديث في مراحل لاحقة؛ حيث لوحظ أن بعض مجموعات الحديث السنية المعتبرة تضمنت رواة كانوا أعداءً معلنين لعلي (مثل الخوارج الذين سبّوه)، بينما رووا أحاديث أقل عن أئمة أهل بيت علي.
اختطاف السردية: تحويل معاوية السلبي للثقافة الإسلامية
يجادل المؤرخ والباحث حسن فرحان المالكي بأن المظالم التي ارتكبها معاوية والأمويون امتدت إلى ما هو أبعد من المجالات العسكرية والسياسية، لتخترق صلب الثقافة الإسلامية التي لا تزال ترافقنا حتى اليوم. ويرى المالكي أن نموذجاً معيباً للثقافة الإسلامية قد ظهر، وهو نموذج يركز بشكل انتقائي على روايات حديثية معينة بينما يهمش أخرى، ويقلل من شأن العودة المباشرة للقرآن الكريم نفسه.
الجزء الرابع
صناعة الوعي وتهميش القرآن
يؤكد المالكي أن معاوية تعمد تشكيل الوعي الجمعي للناس بما يتماشى مع أجندته السياسية. لقد قام فعلياً بـ “اختطاف” المجتمع بعيداً عن الهداية الجوهرية للقرآن، وعن فطرتهم الإيمانية، وعن آل بيت النبي ﷺ.
حقق معاوية هذا التلاعب من خلال وضع “الحديث” في حالة منافسة مع القرآن، مما أدى إلى رفع مكانة مرويات معينة فوق التوجيه المباشر للقرآن. وقام معاوية وواعظوه وقصاصوه بتقديم الجهل على أنه “علم” مشروع، مستخدمين مصطلحات علمية وإسلامية مشبعة بدلالات “سلطانية” (استبدادية).
تسييس اللغة: الدهاء والمكر
يرى المالكي أن الدهاء والمكر في هذا السياق تمثلا في استخدام المصطلحات القرآنية الأصيلة ولكن مع تفريغها بشكل منهجي من معناها الأصلي، وإعادة ملئها بتعريفات تخدم مصالح الحاكم. كان الهدف هو إشغال عامة المسلمين بقضايا داخلية ثانوية، وصرفهم عن واجبهم الديني في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وبدلاً من ذلك، تم تشجيعهم على التركيز على الوجاهة الاجتماعية أو إشغالهم بالقصص المثيرة والأساطير، مثل قصص “يأجوج ومأجوج”.
لقد أرضت القصص الأسطورية والتفاصيل الهامشية الدقيقة الشخص العادي الذي يستمتع بالسرديات المفصلة، تماماً كما ينجذب الأطفال إلى القصة فينسون جوعهم للحظات.
تقزيم مقاصد القرآن
في تناوله لمقاصد القرآن الأساسية، يحدد المالكي “العبادة” كظاهرة مركزية. ويلاحظ أنه بينما يعرّف معظم الناس اليوم العبادة من خلال طقوس الصلاة والصيام والحج، فإن القرآن يصفها جوهرياً بأنها خضوع وتواضع لله عز وجل. وكما تنص الآية: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ”.
يجادل المالكي بأن العبادة الحقيقية هي نقيض “الطاغوت”، الذي يشمل كل ما يطغى على النفس، مثل الطائفية أو العنصرية أو المصلحة الذاتية أو الرغبات التدميرية. ويرى أن هذه النزعات الضارة هي أشكال من الشرك التي تبعدنا عن المعنى الحقيقي للعبادة، مشيراً إلى أن هذا التفسير الخاطئ للعبادة بدأ في عصر معاوية.
وللتعرف على الطغيان، يجب النظر إلى الآية: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ”. يعرّف المالكي “الكفر” هنا بأنه العناد وكتمان الحقيقة. ويرى أن الإقرار بالأوامر الإلهية مع الرفض العنيد للعمل بها يشكل “كفراً نسبياً” – وهي سمة المنافقين الذين يعلنون الإسلام ولكنهم يتولون عندما يحين وقت العمل.
ويؤكد المالكي أيضاً أن “التقوى” هي مقصد قرآني آخر شوهه معاوية. فبينما تُفهم التقوى عادة على أنها مجرد تدين ظاهري، يعرّفها المالكي بأنها “كفُّ العدوان والكراهية”. وينتقد المناهج الحديثة لتركيزها على الشعائر كالصلاة والزكاة مع تجاهل هدفها الأسمى وهو: “تجنب الأذى”. ويخلص إلى أن الفكر الديني المعاصر -وهو نتاج تأثر بنهج معاوية- أنتج أدبيات واسعة تشجع على العنف والتكفير بدلاً من تعزيز السلام.
تقليل شأن غاية الصلاة مقابل المبالغة في شكلها
الطقوس مقابل الغرض من الصلاة
من العيوب الشائعة في الثقافة الدينية المبالغة في “شكل” الصلاة مع تجاهل قيم العدل والأمانة والتقوى. جادل المالكي بأن معاوية بدأ تعمد هذه “الثقافة الروائية” ليشغل الناس بالطقوس بدلاً من المقصد الحقيقي للصلاة.
الصلاة فريضة، لكنها وسيلة لغاية. يقول القرآن: “أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي”. وهذا “الذكر” هو استحضار قلبي ووجداني لله يؤدي إلى “التقوى” – أي التجنب الفعلي لإيذاء الآخرين.
وبينما تطالب الثقافة الروائية بـ “الصلاة فوق كل شيء”، يحذر القرآن من القول على الله بغير علم. إن رفع الصلاة فوق “العدل” – وهو المهمة الأساسية للأنبياء – هو أحد هذه الأخطاء. ويسلط القرآن الضوء على أنه في اليوم الآخر “يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ”، وليس مجرد حضورهم للصلاة. فالشعائر وجدت لترشدنا إلى هذه القيم العليا.
إن الغرض من الصلاة هو الخشوع والتواضع واستشعار مراقبة الله. ووظيفتها الجوهرية هي النهي عن “الفحشاء والمنكر”. ويؤكد المالكي أن فكرة أن مجرد الركوع والسجود يمحو الذنوب تلقائياً حتى الصلاة التالية هي مغالطة خطيرة – وهي ما يسمى بـ “النقمة الأموية”.
التركيز القرآني على العقلانية والمبادئ العليا
على النقيض من مجرد الركوع والسجود يمحو الذنوب تلقائياً حتى الصلاة التالية ذكر المالكي أن القرآن يركز على رفع الوعي الحسي وإيقاظ العقل والضمير. فهو يطرح تساؤلات متكررة مثل “أفلا تعقلون؟” اكثر من “ألا تؤمنون”.
أمثلة من النص تبرز المبادئ العليا للإيمان:
- الشكر: استخدام النعم التي وهبها الله للانسان – السمع والبصر والعقل واليدين والرجلين – فيما يرضي الله لا فيما يعصيه.
- الشهادة: الشهادة لحق الله، لا للهوى الشخصي لا للمذهب أو الولاءات العائلية، لكي تسود الأمانة في المجتمع بدلاً من الفساد.
- العدل: يخلق العدل رابطاً متبادلاً مع الجميع بدلاً من إعلان الحرب عليهم. ويفيد المالكي بأن معايير العدل تسبق الإيمان. فالله تعالى اعطى الانسان الخيار بان يؤمن او لا يؤمن (“وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” [الكهف: 29].) .اما العدل فهو امر. “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ…” [النحل: 90].هنا جاء الفعل “يأمر”، والأمر الإلهي في القرآن يفيد الوجوب والالزام القطعي على كل مسلم.
إماتة الصلاة
اشتهر العصر الأموي بما عُرف بـ “إماتة الصلاة”. وتعتبر الحادثة التالية مثالاً صارخاً في التاريخ الإسلامي على المواجهة بين الفقهاء والولاة الأمويين بسبب تأخير الصلوات عن مواقيتها المحددة.
تفاصيل الحادثة:
كان الحكم بن أيوب الثقفي (والي البصرة المعين من قبل الحجاج) يلقي خطبة الجمعة، فأطال فيها إطالة شديدة، لدرجة أن بعض الروايات تذكر أنه أخر الصلاة حتى كاد وقت المغرب أن يدخل. فقام إليه أبو يزيد بن عامر الضبي (وكان من الصالحين والفقهاء) وناداه بصوت مسموع للناس:
“الصلاة أيها الأمير هداك الله! فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك”.
النتائج:
لم يتقبل الحكم بن أيوب هذه النصيحة العلنية، واعتبرها إهانة لهيبة السلطة، فأمر بسجن أبي يزيد الضبي، الذي ظل حبيساً لمدة 18 عاماً.
الأهمية التاريخية لهذه القصة:
تستشهد المصادر التاريخية بهذه القصة لعدة أسباب تتماشى مع الطروحات السابقة:
- إماتة الصلاة: كان تأخير الصلاة عن وقتها من السمات التي انتقدها الصحابة والتابعون في بعض الولاة الأمويين (مثل الحجاج ونوابه).
- تقديم السياسة على الشعائر: كان الولاة يطيلون الخطب لتمجيد الحاكم أو التحذير من المنافسين، مقدمين أجنداتهم السياسية على قدسية وقت الصلاة.
- قمع المعارضة: لم يُسجن أبو يزيد لخطأ ارتكبه، بل لتذكيره الوالي بحدود الله. وفي تلك الثقافة “الآفة”الأموية”، كان يُنظر لهذا التذكير كنوع من زعزعة الاستقرار أو الخروج على “الجماعة”.
بحث في البسملة ماخوذ عن الباحث حسن فرحان المالكي: النفوذ السياسي للأمويين على الممارسة الدينية
ذهب الباحث حسن فرحان المالكي إلى أن البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) هي آية صريحة من كتاب الله، ومكون أساسي من أعظم سوره؛ الفاتحة. وحكمها الشرعي يتبع حكم السورة نفسها، سواء من حيث ثبوتها كآية قرآنية أو طريقة تلاوتها؛ جهرًا في الصلوات الجهرية وإسرارًا في الصلوات السرية. فإثبات البسملة هو امتثال مباشر لنص القرآن الكريم فيها.
وبالفعل، تبدأ سورة الفاتحة بوضوح بالبسملة، وهي مرقمة صراحة بالرقم (1).
إذن، لماذا انقسمت الأمة إلى فريقين بشأن هذه الآية؟ فريق يثبت قرآنياً وفقاً للمصحف، وفريق ينفيها. أليس من الغريب أن تُعامل آية جوهرية كهذه كأمر اختياري أو ثانوي؟ إن هذا التناقض يشير إلى وجود ظلال سياسية عميقة أُلقيت على الممارسة الدينية.
الجوهر السياسي: التأثير الأموي
يمكن إرجاع أصل هذا الانحراف إلى العهد الأموي المبكر، كما ورد في “المستدرك” للحاكم، و”سنن البيهقي”، وبشكل خاص في “مسند الشافعي” (ج 1، ص 141):
“روى أنس بن مالك أن معاوية صلى بالمدينة فجهر بالقراءة، فقرأ البسملة لـ ‘أم القرآن’ (الفاتحة)، ولكنه لم يقرأها للسورة التي تليها، كما أغفل التكبير عند الهوي للسجود. فلما سلم، ناداه المهاجرون والأنصار من كل مكان: ‘يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟’. وفي الصلوات التالية، صحح ذلك بقرائته للبسملة والتكبير.”
ويتساءل باحثون كحسن فرحان المالكي عما إذا كان هذا محاولة متعمدة للاستخفاف بسنة النبي ﷺ الثابتة، أو سخرية من يقظة المجتمع. وإذا كان الأمويون قد سعوا لتغيير حتى قراءة الفاتحة، فمن المنطقي استنتاج أنهم مارسوا نفوذًا مشابهًا على الحديث والتفسير والفقه والعقيدة.
المعيار النبوي
خلافاً لما أغفله معاوية، تؤكد السنة النبوية الصحيحة على مكانة البسملة. ففي الرواية رقم (4759)، سأل قتادةُ أنسَ بن مالك عن قراءة النبي ﷺ، فقال:
“كانت مداً”، ثم قرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}، يمد بـ “بسم الله”، ويمد بـ “الرحمن”، ويمد بـ “الرحيم”.
وتعتبر هذه الرواية قوية جداً لأن قتادة صرح فيها بالسماع المباشر لهذا الوصف.
أصل النفور: قريش و “الرحمن”
إن مقاومة البسملة، وخاصة اسم “الرحمن”، لها جذور تاريخية عميقة في نفور قريش. هذه الخاصة ظهرة عند كتابة صحيفة صلح الحديبية. فخلال صلح الحديبية، عندما أمر النبي ﷺ علياً بكتابة “بسم الله الرحمن الرحيم”، رد سهيل بن عمرو بعدائية قائلاً: “وما الرحمن؟ اكتب: باسمك اللهم”.
وقد وثق القرآن هذا النفور الجاهلي في آياته:
- {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} (الفرقان 25:60).
- {…وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} (الأنبياء 21:36).
- {…وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ…} (الرعد 13:30).
ويؤكد المالكي أن تاريخ البسملة — وتحديداً الجهر بها كما يقتضيه القرآن — موثق بشكل مستفيض في تاريخ القرآن، ومع ذلك يظهر التاثير السلطوي على الحديث والفقهاء للحياد للسلطة. لذالك يزال الكثير من المسلمين اليوم يمارسون من المرويات ما لم يات به القرآن. وهذا الإغفال يشير إلى أن ابتكارات السلطات الاموية والعباسية ما زالت تقود المسلمين. اي ان ارث معاوية التاريخي لا يزال حاضراً بقوة بيننا.
إن هذا الالتزام الانتقائي يكشف أن “الجراح القديمة” للتدخل السياسي لا تزال تملي كيفية التعامل مع كلام الله. إن استعادة البسملة ليست مجرد مسألة طقوس، بل هي خطوة نحو استعادة الصدق والعقلانية في الحضارة الإسلامية.
إرث من التدهور والتحيز
يرى الباحث حسن فرحان المالكي أن معاوية وقصّاصي الدولة أنتجوا ثقافة سلبية ساهمت في التدهور الحالي للعالم الإسلامي، حيث صار الفخر متمحوراً حول الغزوات والحروب القبلية التاريخية (مثل حرب البسوس ودحس والغبراء).
والنتيجة هي مجتمع يتصرف وكأنه يفتقر لهدى القرآن، لدرجة أن القرآن أُنزِل فعلياً إلى مرتبة أدنى من القواميس أو المراجع الثانوية (مثل معجم الطبراني)، بدلاً من أن يكون هو المعيار الأعلى للحكم والثقافة والأخلاق. ويخلص المالكي إلى أن هذه “الخلطة السرية” التي أدخلها معاوية هي السبب الجذري لمرض ثقافي يجب على الباحثين التعرف عليه لإنتاج فهم علمي ونزيه للتاريخ الإسلامي.
تفاوت الروايات وتفضيل رواة معينين
يصف المالكي أبو هريرة وكعب الأحبار بأنهما شخصيتان محوريتان في تشويه الثقافة الإسلامية وتدفق الروايات غير الإسلامية (الإسرائيليات) إلى التراث المسلم، وهي عملية يربطها بالأجندة السياسية لمعاوية.
أبو هريرة وتضخم الروايات:
يرى المالكي أن أحاديث أبي هريرة ركزت غالباً على جزئيات غير جوهرية وقصص مثيرة بدلاً من التوجيهات الدينية الأساسية، مما أدى إلى:
- صرف الانتباه: إشغال المسلمين بتوافه الأمور بعيداً عن قضايا العدل والحكم والسلوك الأخلاقي.
- إثارة العداوة: التركيز على تفاصيل انتقائية أدت إلى تفسيرات متضاربة وتعصب مذهبي.
- التفاوت العددي: يشير المالكي (مستشهداً بكتاب “تحفة الأشراف” للمزي) إلى أن مرويات أبي هريرة بلغت 3334 حديثاً، وترتفع في الكتب الستة إلى أكثر من 5000 مع المكرر. وهذا يتناقض بشكل صارخ مع صحابة مركزيين مثل:
- سعد بن أبي وقاص: (من السابقين ومن أهل بدر) روى فقط 30-50 حديثاً.
- أبو حميدة الساعدي: (شهد بدراً) له ثلاث روايات فقط.
كعب الأحبار:
كان عالماً يهودياً من اليمن أسلم في عهد عمر. يراه المالكي المصدر الرئيسي لإدخال الأساطير (الإسرائيليات) في العقيدة الإسلامية:
- مصدر الإسرائيليات: ربطه المالكي بإدخال الخرافات إلى متن الحديث.
- الارتباط بالسلطة: ارتبط بكبار الشخصيات، لا سيما معاوية، الذي استفاد من الروايات التي تخدم إطاراً سياسياً قد يصطدم أحياناً مع نص القرآن الواضح.
درب الايمان ودرب النفاق
ذكر عدد من المصادر التاريخية كتاريخ الرسل والملوك للطبري و الكامل في التاريخ لابن الأثير وغيرهم القصة التالية التي تعتبر واحد من أهم المنعطفات التاريخية التي تبرز الفارق الجوهري في العقلية والهدف بين علي بن أبي طالب وبين خصومه أو حتى الراغبين في استغلال الموقف لمصالح قبلية مثل أبي سفيان.
يشير الدكتور عدنان ابراهيم الى انه بعد السقيفة وبعد ان اصبح او بكر الخليفة، قدم ابي سفيان الي علي بن ابي طالب، في لحظات حرجة، محرضاً الإمام علي بن أبي طالب على المطالبة بحقه في الخلافة بالقوة قائلا:
“إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم”، وعرض عليه أن يملأ المدينة “خيلاً ورجالاً،” ضد أبي بكر وعمر. وانشد قائلا:
وَلا يُقيمُ عَلى ضَيمٍ يُرادُ بِهِ إِلّا الأَذَلّانِ: عَيرُ الحَيِّ وَالوَتدُ ــ هذا عَلى الخَسْفِ مَربوطٌ بِرُمَّتِهِ وَذا يُشَجُّ فَلا يَرثي لَهُ أَحَدُ
توضيح المفردات والصيغة:
- الضيم هو الظلم والقهر. أما كلمة “الخسف” فتأتي في البيت الثاني بمعنى الإذلال والمهانة.
- عير الحي: هو “الحمار” (أكرمكم الله)، والمقصود به الحمار الذي يُربط في الحي ويُحمل عليه ولا يملك من أمره شيئاً.
- الوتد: هو المسمار الخشبي أو الحديدي الذي يُدق في الأرض لتثبيت الخيمة.
- بُرمّته: الرُمّة هي قطعة من حبل بالٍ، والمقصود أن الحمار مربوط تماماً بذلّه.
- يُشجّ: الوتد يُضرب بالمطرقة على رأسه (يُشج) ليغوص في الأرض، ومع ذلك لا يشعر به أحد أو يرحمه.
لم ينطلق ابو سفيان من حب في علي أو إيمان بحقه، بل انطلق من نافذة عصبية قبلية نفاقية.
- كشف “العصبية والنفاق” مقابل “المبدأ الرسالي”
عندما جاء أبو سفيان للإمام علي قائلاً: “إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم”، وعرض عليه أن يملأ المدينة “خيلاً ورجالاً” ضد أبي بكر وعمر، لم ينطلق من حب في علي أو إيمان بحقه، بل انطلق من “العصبية القبلية والتخريب والحرب”. كان أبو سفيان يرى أن الخلافة يجب أن تبقى في “بني عبد مناف” (الفرع الذي يجمع هاشم وعبد شمس)، وكان استنكاره منصبّاً على خروج الحكم من البطون القوية إلى بطون أقل قوة (بني تيم وبني عدي).
- رد الإمام علي: “الشهادة لله” لا للذات
رد الإمام علي كان صاعقاً ومبدئياً مشيرا الى نفاق أبي سفيان، قاءلاً: “إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله لطالما بغيت الإسلام شراً، لا حاجة لنا في خيلك ورجالك”.
هنا تظهر “المحجة البيضاء” في سلوك الإمام؛ فهو رغم اعتقاده بحقه في الخلافة، رفض أن يسترد هذا الحق عبر “بوابة النفاق” أو “الفتنة القبلية”. فلو قبل عرض أبي سفيان، لكان قد أسس شرعيته على العصبية الجاهلية، وهو ما يتناقض مع جوهر الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ.
- إيثار أمن الأمة على المنصب
“ولا يُقيمُ على خَسٍّ يُرادُ بهِ .. إلا الأذلانِ: عَيرُ الحَيِّ والوتِدُ”
يبرر فيه أبو سفيان وجهة نظرة الجاهلية بأن من يسكت على ضياع حقه هو “ذليل”. لكن الإمام علي قلب هذا المفهوم؛ فـ “الخس” أو الهوان في نظره لم يكن في ضياع المنصب، بل في تمزيق وحدة المسلمين وسفك دمائهم وهم لا يزالون في مهد الدولة. لقد فضل الإمام أن يكون “وتداً” يحمل ثقل الخيمة (الأمة) على أن يكون سبباً في تقويضها.
- التناقض مع النهج الأموي السابق
هذا الموقف يقف في تضاد صارخ مع ما فعله معاوية بن أبي سفيان لاحقاً في تثبيت قدمه على العرش.
- الإمام علي: رفض “العصبية” والفتنة لاسترداد حقه الشرعي حفاظاً على الإسلام.
- معاوية: استخدم “العصبية والبغضاء” والمال والقوة والفتنة (بذريعة دم عثمان) للوصول إلى حكم لم يكن له فيه حق شرعي أو سابقة إيمان.
الخلاصة لهذا الحدث التاريخي
هذا الحوار يثبت أن الإمام علي كان يمارس “الشهادة لله” في أعلى صورها؛ فشهادة الحق عنده لا تقتصر على الكلام، بل هي موقف عملي يمنع استغلال الدين لأغراض قبلية. رفضه لطلب أبي سفيان هو الذي حمى الإسلام من الانهيار في أيامه الأولى، وأثبت أن “الخلافة” عند أهل البيت هي مسؤولية أخلاقية تجاه الأمة، وليست مغنماً سياسياً يُنال بالدم والمكر، فالتفويض القرآني بتجنب الفرقة والفتنة والكذب.
الخلاصة
في الختام، إن تاريخ صعود السلالة الأموية—الذي اتسم بـ “قتل الصلاة” (في إشارة إلى الاغتيالات الرئيسية)، والترويج الانتقائي لروايات معينة، والإقصاء المنهجي للمعارضين—يمثل أكثر من مجرد تحول سياسي. إنه يمثل خروجاً كبيراً عن الأخلاق الرفيعة للقرآن.
فبينما يفرض القرآن العدل بشكل صارم حتى ضد مصالح المرء الذاتية، فإن عهد معاوية وخلفائه غالباً ما أعطى الأولوية للعرش على حساب روح المجتمع. إن إعادة النظر في هذه “الوفيات المشبوهة” وقمع صحابة النبي تكشف أن الانقسام السني الشيعي لم يكن انقساماً دينياً حتمياً. بل كان صدعاً نجم عن السعي الحثيث للسلطة بأي ثمن.
شمل هذا السعي تهميش الأهداف السامية للقرآن ونشر روايات مشكوك فيها (المرويات) للتغطية على انحرافات الأمويين وجرائمهم. إن استعادة ثقافة متجذرة في الأمر القرآني بالعقلانية والصدق تظل المسار الوحيد نحو تضميد هذه الجراح القديمة واستعادة الجوهر الحقيقي للحضارة الإسلامية.
Recommended Posts

The Emergence of Sectarian Identity: Rethinking the Genesis of the Sunni-Shia Divide
December 8, 2025
The Best School of Fiqh is the Qur’an – Gulf Talk
October 16, 2025

The Father of Robotics
May 18, 2020

